الافتقار الى الله عزوجل

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 20 اكتوبر 2018 الساعة 06:24:09 مساءً
الافتقار الى الله عزوجل

الحمد لله؛ خلق الخلق بقدرته، وكتب آجالهم وأرزاقهم بحكمته، نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار المذنبين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ عظيم في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته؛ فهو الملك الحق الكبير اله الاولين والاخرين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيرا

اهمية الافتقار الى الله عزوجل:

انَّ العبادَ محتاجٌون إلى الله في كلِّ شؤونِهم، مفتقرون إليه في جميعِ حاجاتِهم، لا يستغنون عن ربِّهم ومولاهم طرفة عين ولا أقلَّ من ذلك، وأما الربُّ سبحانه فإنَّه غنيٌّ حميدٌ، لا حاجة له بطاعات العباد ودعواتهم، ولا يعود نفعُها إليه، وإنَّما هم الذين ينتفعون بها، ولا يتضرَّرُ بمعاصيهم وإنَّما هم الذين يتضرَّرون بها. حاجة الخلق إلى الله تعالى لا يحيط بها الوصف؛ إذ هم مفتقرون إليه في كل أحوالهم، محتاجون إلى عونه في كل شؤونهم..هو سبحانه موجدهم من العدم، ومربيهم بالنعم، وهاديهم إلى ما ينفعهم، وصارفهم عما يضرهم؛ فما قيمة الخلق بلا خالقهم.

القرآن يحدثنا عن الافتقار الى الله عزوجل :

ان القرآن ملئ بالآيات التي تثبت افتقارنا إلى الله عز وجل في استمرار بقائنا وبقاء جنسنا البشري (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) [الأنعام: 133] وفي سورة النساء ( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) [النساء: 133] وفي سورة إبراهيم عليه السلام (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ) [إبراهيم: 19، 20] وفي سورة المعارج ( فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ )[المعارج: 40، 41] وفي سورة الإنسان ( نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ) [الإنسان: 28].بل جاء النص الصريح في القرآن على حقيقة افتقارنا إلى ربنا جل جلاله في بقائنا وبقاء جنسنا البشري(يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ) [فاطر: 15 - 17]. منَّ علينا بالهداية، وضلَّ عنها غيرنا ممن لم يهتدوا( قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) [الحجرات: 17] واستحق جل جلاله أن نحمده ونكبره على هذه الهداية؛ كما جاء الأمر بذلك في سياق آيات مناسك الحج ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [البقرة: 198] وقال تعالى في قصة موسى عليه الصلاة والسلام : ( فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) [القصص/24] .

علامات الافتقار الى الله:

 غاية الذل لله – تعالى - مع غاية الحب: المؤمن يُسلم نفسه لربه منكسراً بين يديه، متذللاً لعظمته، مقدماً حبَّه - سبحانه وتعالى - على كل حب، طمأنينة نفسه، وقرَّة عينه، وسكينة فؤاده؛ أن يعفِّر جبهته بالأرض، ويدعو ربه رغبة ورهبة، قال ابن جرير الطبري: "معنى العبادة: الخضوع لله بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة (ومَنْ كانت هذه هي حاله وجدته وقَّافاً عند حدود الله، مقبلاً على طاعته، ملتزماً بأمره ونهيه، فثمرة الذل: ألا يتقدم بين يدي الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، مهتدياً بقوله _سبحانه وتعالى_ : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" [الأحزاب: 36]، وقوله _تعالى_ : "وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285]، وقوله _تعالى_ : (إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [النور: 51 52]. قال الحسن _رضي الله عنه_ : (ما ضربتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمي، حتى أنظر أعلى طاعة أو على معصية؟ فإن كانت طاعة تقدمتُ، وإن كانت معصية تأخرتُ (  وأمّا مَنْ طاشت به سبل الهوى، ولم يعرف الله _عز وجل_ حق المعرفة؛ فتراه يستنكف الاستسلام لربه - عز وجل-، ويستكبر فلا يخضع له، قال الله _تعالى_ : (لَن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إلَيْهِ جَمِيعًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) [النساء: 172 173].ويقول الله _تعالى_ في وصف المؤمنين: "إنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ" [السجدة: 15].

ومن مقتضيات التذلل لله - عز وجل - نزع جلباب الكبرياء والتعالي والتعاظم، والانكسار بين يدي جبار السماوات والأرض، والخضوع لأمره ونهيه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصَّغار، حتى يدخلوا سجناً في جهنم يُقال له: بُوْلَس، فتعلوهم نار الأنيار، يُسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار)رواه أحمد، والترمذي وقال: حسن صحيح وعن عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ قال: "إنَّ العبد إذا تواضع لله _عز وجل_ رفع حكمته، وقال: انتعش رفعك الله، فهو في نفسه حقير، وفي أعين الناس كبير، فإذا تكبر وعدا طوره وهصه إلى الأرض، وقال: اخسأ أخساك الله، فهو في نفسه كبير، وفي أعين الناس حقير، حتى إنَّه أحقر في أعينهم من الخنزير)

التعلّق بالله - تعالى - وبمحبوباته: فشعور العبد بفقره وحاجته إلى ربه _عز وجل_ يدفعه إلى الاستكانة له والإنابة إليه، ويتعلق قلبه بذكره وحمده والثناء عليه، والتزام مرضاته، والامتثال لمحبوباته.

قال بعض الصالحين: "مفاوز الدنيا تُقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تُقطع بالقلوب .

ولهذا ترى العبد الذي تعلق قلبه بربه وإن اشتغل في بيعه وشرائه، أو مع أهله وولده، أو في شأنه الدنيوي كله مقيماً على طاعته، مقدماً محبوباته على محبوبات نفسه وأهوائها، لا تلهيه زخارف الدنيا عن مرضاة ربه، قال الله _تعالى_ : (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177].وثبت في الصحيحين أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه..."، وذكر منهم: "رجل قلبه معلَّق في المساجد" قال الحافظ ابن حجر: "إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجاً عنه"(14). ولاحِظْ هذا التعبير البليغ: "قلبه معلّق"، وهذا يعني: أنه دائم الصلة بالله _تعالى_، دائم الاستحضار لأوامره، لا يشغله عن ذلك شاغل، ولا يصرفه عنه صارف، ولهذا قال الله _تعالى_ : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإقَامِ الصَلاةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) [النور: 36-37) وثبت في الحديث الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها-: "أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يكون في مهنة أهله - تعني: خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة) رواه البخاري ومن تعلّق قلبه بربه وجد لذة في طاعته وامتثال أمره لا تدانيها لذة . وأعظم الناس ضلالاً وخساراً مَنْ تعلّق قلبه بغير الله – تعالى - ويزداد ضلاله وخساره بزيادة تعلُّقه بغير مولاه الحق، ولهذا كان ركون العبد إلى الدنيا أو إلى شيء من زخرفها آية من آيات العبودية لها، قال الله _تعالى_ : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) [الجاثية: 23]. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعطي منها رضي، وإن لم يُعط سخط، تعس وانتكس وإذا ِشيكَ فلا انتقش)رواه  البخاري وقال الإمام ابن القيم: "أعظم الناس خذلاناً مَنْ تعلَّق بغير الله، فإنَّ ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرَّض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير اللَّه كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت)

مداومة الذكر والاستغفار: فقلب العبد المؤمن عاكف على ذكر مولاه، والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى في كل حال من أحواله، دائم التوبة والاستغفار عن الزلل أو التقصير، يجد لذته وأنسه بتلاوة القرآن، ويرى راحته وسكينته بمناجاة الرحمن، قال الله – تعالى-: "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" [الرعد: 28].

وقد وصف الله _عز وجل_ أهل الإيمان بقوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الزمر: 9]، وقوله: (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 190 191].كما أمر الله - عز وجل - نبيه بمداومة الذكر والاستغفار، فقال - سبحانه-: (فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ) [غافر: 55].ولهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يا أيها الناس! توبوا إلى اللَّه؛ فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة) رواه مسلم

وقال _عليه الصلاة والسلام_ : "والله إني لأستغفر الله وأتوب في اليوم أكثر من سبعين مرة) رواه البخاري وقال: "إنه ليُغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة) رواه مسلم إنَّ مداومة الذكر والاستغفار آية من آيات الافتقار إلى الله – تعالى-، فالعبد يجتهد في إظهار فاقته وحاجته وعجزه، ويمتلئ قلبه مسكنة وإخباتاً، ويرفع يديه تذللاً وإنابة؛ فهو ذاكر لله _تعالى_ في كل شأنه، في حضره وسفره، ودخوله وخروجه، وأكله وشربه، ويقظته ونومه، بل حتى عند إتيانه أهله، فهو دائم الافتقار إلى عون الله _تعالى_ وفضله، لا يغفل ساعة ولا أدنى من ذلك عن الاستعانة به والالتجاء إليه.

ومقتضى ذلك أنه لا يركن إلى نفسه، ولا يطمئن إلى حوله وقوته، ولا يثق بماله وجاهه وصحته، ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لبعض أصحابه: "اللهم لا تكلهم إليَّ فأضعف، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم)رواه  أحمد  وأبو داود وصححه الألباني

وعن أبي بكرة _رضي الله عنه_ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو؛ فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، أصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت) رواه أحمد، وأبو داود وحسنه الألباني

وعن أنس بن مالك _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة - رضي الله عنها-: "ما يمنعكِ أن تسمعي ما أوصيكِ به؟! أن تقولي إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، وأصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً) رواه ابن السنّي وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة تأمَّل أذكار النبي -صلى الله عليه وسلم- وأدعيته تَرَ عجباً في هذا الباب؛ ففي سيد الاستغفار تتجلى أعظم معاني العبودية، وتبرز أسمى معاني الانكسار والتذلل .. "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، اغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) رواه البخاري

وتأمَّل دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يتهجد ويناجي ربه، قال: (اللهم لك الحمد أنت قيَّم السموات والأرض ومن فيهنَّ، ولك الحمد لكَ مُلْك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد -صلى الله عليه وسلم- حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، ولك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمتُ وما أخرت، وما أسررتُ وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، أو لا إله غيرك)رواه البخاري

كيف نعزز مفهوم الافتقار الى الله عزوجل:

 قد سعد من تعلق قلبه خوفاً ورجاء بالملك المولى, وقد خاب من طغى وأعرض واستغنى، فمن تعلق بغير الله وكل إليه، ومن تعلق بربه أسعفه بمراده وقربه إليه, فعَنْ أَبِي ذَرٍّ –رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ قَالَ: (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ, يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ, يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ, يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ, يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي, وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي, يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ, مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)مسلم. والله يقول وقوله الحق: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} سورة فاطر (15).

لقد شرع الله تعالى لنا وأوجب علينا عبادته, وليس ذلك لحاجته إلينا, لا لتحميلنا المشقة, فالله غني عن العالمين, وهو أرحم الراحمين قال سبحانه: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} سورة آل عمران (97).  وقال في آية أخرى: {وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} سورة لقمان. (12)

فالله –جل وعلا- لا تنفعه طاعة الطائعين, ولا تضره معصية العاصين, والحديث الآنف الذكر أبلغ شاهد وأوضح بيان لمن تأمل فيه وتدبر.

"إن الباعث الأساسي للعبادة هو استحقاق الله تعالى لذلك فنحن نعبد الله -جل وعلا- لأنه مستحق للعبادة تحقيقاً للغاية التي من أجلها خلق الإنس والجن, كما قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ  } سورة الذاريات (56). فهو المستحق الوحيد للعبادة لعموم سلطانه على الكون وعظيم فضله على الخلق أجمعين, ومع ذلك يجب أن نعلم أن الله تعالى غني عن العالمين فالعبادة لا تزيده ولا تنقصه مثقال ذرة؛ لأنه غني بذاته غنىً مطلقاً فلا يحتاج إلى شيء مما في الوجود بل كل ما في الوجود محتاج إليه.

وعليه فإن ثمرة العبادة إنما ترجع إلى الشخص العابد نفسه إذ هو المحتاج إلى الله تعالى والمفتقر إليه استعانة وتوكلاً كما قال تعالى: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} سورة الإسراء (15)

إن المتأمل في جميع أنواع العبادة القلبية والعملية يرى أن الافتقار فيها إلى الله هي الصفة الجامعة لها، فبقدر افتقار العبد فيها إلى الله يكون أثرها في قلبه، ونفعها له في الدنيا والآخرة، وحسبك أن تتأمل في الصلاة أعظم الأركان العملية، فالعبد المؤمن يقف بين يدي ربه في سكينة، خاشعاً متذللاً، خافضاً رأسه، ينظر إلى موضع سجوده، يفتتحها بالتكبير، وفي ذلك دلالة جليَّة على تعظيم الله تعالى وحده، وترك ما سواه من الأحوال والديار والمناصب.

وإن أرفع مقامات الذلة والافتقار أن يطأطئ العبد رأسه بالركوع، ويعفِّر جبهته بالتراب مستجيراً بالله منيباً إليه, ولهذا كان الركوع مكان تعظيم الله تعالى، وكان السجود مكان السؤال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -عَزَّ وَجَلّ- وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاء؛ِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ). ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في ركوعه: (اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي) (رواه مسلم.

فيا أخي: كن ذليلاً خاضعاً لله؛ فبتذللك وافتقارك بين يدي ربك –جل وعلا- تتحرر من الخضوع والاستسلام لغير الله, فتصبح بذلك حراً طليقاً من سلطان سوى سلطان الله تعالى, وتُحس بالسكينة إلى الله, وتجد العزة والنصرة؛ لأن مصدر العزة إنما هي باللجوء إلى الله تعالى, {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} سورة المنافقون (8). {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} سورة محمد (38).

اتــقِ اللهَ وكُـن مع الصادقيــن

يقول الله جلل وعلا: { يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: 119) أخي في الله، هيا لنتساءل عن حقيقة الصدق مع الله تعالى، وعن برهان ذلك فيما ندين له به من الايمان والتوحيد والعبادة وسائر الطاعات؟. فقد تقول ان مجرد اقبالنا على ربنا

لا تقطع صِلتك بالله فتضل وتشقى

{ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ } (البقرة 152). أخي في الله، أدعوك الى مرافقتي في وقفة مراجعة لحال علاقتنا بالله جل وعلا، انطلاقا من تساؤلات ذات اهمية كبيرة: "هل نحن على صلة حقيقية بالله ربنا ؟ وهل يطيق أحدنا البعد عنه سبحانه؟ ماذا نكسب بصلتنا

محمد صلى الله عليه وسلم محرر الإنسانية

الحمد لله أما بعد : فيا أيها المؤمنون يطيب لي أن أقف بحضراتكم مع محمد صلى الله عليه وسلم محرر الإنسانية من العبودية للعباد إلى العبادة الخالصة لرب العباد وحده لا شريك له ، فقد كان ميلاده صلى الله عليه وسلم ثورة على كل ممالك الظلم والطغيان والاستبداد والكهنوت وانتهاك حقوق الإنسان