أيهـا القابـض على الجمــر !

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 22 سبتمبر 2018 الساعة 11:22:22 مساءً
أيهـا القابـض على الجمــر !

(بَـدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَـاءِ) (الحديث)

أخي الكريم، اعلم ان دين الله قد تم واكتمل بالوحي تنزيلا وتفصيلا، كما تمّ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا وتبليغا وتطبيقا؛ فما من شيء يقرب الى الجنة  الا أخبر به وبشّر، وما من شيء يقرب الى النار الا أخبر به وأنذر، وأنبأ عن كل ما هو آت من أحوال الامة وما سيعتريها من ابتلاءات الفتن والنكبات، الى قيام الساعة؛ وضمن ذلك أمارات الساعة الصغرى والكبرى. وما توفي النبي عليه الصلاة والسلام، الا وقد ترك الامة على  المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها الا هالك.

   واِنَّ مما أَخبرَ به صلى اللهُ عليه وسلَّم أَنَّه واقِعٌ،  هو الزمان الذي يَصير فيه المتمسك بدينِهِ كالقابِض على جَمر مُلتهب، لما يواجهه في تدينه من غربة وعنت وتضييق وجواذب الفتن. وذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، يَبِيعُ قَوْمٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ، الْمُتَمَسِّكُ يَوْمَئِذٍ بِدِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ،)(رواه احمد). وفي حديث آخر: ( إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ)، وحين تساءل الصحابة: يا رسولَ اللَّهِ: أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَم مِنْهُمْ ؟! قَالَ بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ ) (الترمذي) مع زيادة توضيحية تصاحب الحديث: " لأنَكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون على الخير أعوانا" ).

   الا ترى معي أن الزمان الموصوف في الحديث قد اظلنا، وأن الفتن قد اشتدت، وتساقط كثير من الناس أمامها، ومنهم من يبيعون دينهم من أجل متاع دنيوي زائل، لاهثين خلف الأموال والمراكز والسلطان والديار؛ مفتونين بالشهوات والشبهات ! ولقد تمادى الانهيار بالاستهتار، حتى خضعت رقاب المسلمين لأعدائهم تابعين منهزمين، وبلغ بهم الضعف والذل والهوان، أن تقبّلوا منهم وصمَ الاسلام بفرية الارهاب واتهامه بصناعة الارهابيين، وحرضوهم بذلك على محاربة الدين والمتدينين !.

 هكذا بلغ الحال بالاسلام ان اضحى غريبا مغربا، حتى بين أهله وفي دياره. وصار المتمسكون به والداعون اليه، غرباء !. وهنا الحقيقة المستقبلية التي أخبر بها النبي الامين حين قال: (بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ) (مسلم).

    ففي الحديث بيان حال الإسلام الذي كان غريبا في بدايته بين الأديان، وكان المسلمون الاوائل غرباء بين الناس حنى في أهليهم وعشيرتهم، يؤذَون ويعادَون ويحارَبون، لكنهم كانوا صابرين، راضين بقضاء الله، حتى قوي الإسلام واشتد عوده وانتشر وانتصر، واظهره الله على الدين كله،  فزالت غربته، وأصبح المسلمون ظاهرين بالعزة والتمكين، ماداموا معتزين بدبنهم، منتصرين له غير متخاذلين. ولكن الاسلام سيعود غريباً كما بدأ، عندما يقلّ المتمسكون بشرعه والمهتدون بهدية والمجاهدون لنصره ونشره،

 

  وهي الغربة التي يعيشها الاسلام واهله في زماننا، وتزداد وطأتها، بازدياد فتن الشبهات والشهوات. أما فتنة الشبهات فقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة التي تعتصم بكتاب الله وسنة رسوله: ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) (الترمذي وغيره). وأما فتنة الشهوات فقد بيّنها صلى الله عليه وسلم حين قال: ( والله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطت على من كان قبلكم، فتنافَسوها كما تنافَسوها، فتهلكَكم كما أهلكَتهم)(البخاري).

    وليس مستغربا ولا مستبعدا أن تضطرب القلوب المؤمنة عند اوائل ابتلاءات المحن الداهمة، فثباتها عندها، منحة ربانية لأهل الايمان الخالص والاعتقاد الراسخ، ذوي الهمة في صالح الأعمال؛ وثبات المؤمن فيها دون تراجع عن دينه واستقامته، هو المعيار الأول لنجاحه في اجتيازها .

   ولا شك ان في نفسك، أخي المسلم، كما في نفسي، ما يدعو الى التساؤل: كيف أعيش مسلما، ثابتا على ديني، في متاهة الغربة التي تحاصرنا في عصر يموج بظلمات الفتن والمفاسد والضلالات والبدع، والحرب المعلنة على الاسلام واهله من الداخل والخارج !. انه الواقع الذي وصفه ابن القيم في زمانه، فكيف بزماننا، فقال: " "فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة، ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًّا، فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله - عز وجل – فيهم: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام: 116]، فأولئك هم الغرباء"( مدارج السالكين" (3 /196 ـ 195) ).

 

    ومهما يكن حالك في محنة الاغتراب، فأنت كأي مسلم صادق غيور يكابد لهيب الجمر في تمسكه بدينه، وهو يرى انقلاب الموازين واختلال التفكير، حتى غدا بتدينه شاذا في دياره وبين اهله، و لآنه لا يفعل ما يفعلون وى يخوض مع الخائضين، يبدو لهم غريب الاطوار، كانما هو كائن من كوكب اخر في زي انسان؛ يعتبرونه ساذجا منبعثا من القرون الوسطى، بعقليته ومظاهر سلوكه، يتمسك بانماط حياة ماضوية متجاوزة في "عصر الثورات التحررية والحداثية والتقدمية !". وهذا لا يستغرب في عصر انخذت فيه المحرمات والمنكرات تسميات مغرية، فصار الفاسق مبدعا فنانا، والمنافق دبلوماسيا حاذقا، واضحى الطيّب ابله ساذجا، والمتقي معقدا متخلفا، وصارت الخمور مشروبات روحية، والزنا حرية جنسية، والزانيات أمهات عاربات، والربا فوائد بنكية، والرشوة حلاوة؛ بل اضحى التمرد على الاسلام والتهجم عليه طريقا للشهرة والحفاوة الاعلامية !.. فكيف لا يشعر المسلم الملتزم بوطأة الاغتراب في دينه وتدينه  في عالم كهذا.

   تلك نظرة عصرنا الموبوء، اليك والى كل مسلم ملتزم بدينه؛ لكن، مهما اشتد عليك حصار الغربة، فملاذك أن تصبر وتصابر، وألاّ تهون ولا تبتئس، فحسبك انك على الحق المبين، ما دمت محافظا على صبغتك الربانية، تهتدي بكتاب الله تعالى وتقتدي بحبيبه المصطفى واصحابه، وتسعى جاهدا لتحيا بدينك ولدينك، واثقا من فرادته وتميزه وامتيازه، وصلاحيته لكل زمان ومكان.

  فاصبر صبرا جميلا، واسأل الله الثبات في دوامة الفتن، عسى ان تكون من الاتقياء الاخفياء الموصوفين في أثر من حديث: ( إنَّ الله يحبُّ الأخفياءَ الأحفياءَ، الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يُفْتَقدوا، وإذا حضَرُوا لم يُعرَفوا، قلوبهم مصابيحُ الهُدَى، يَخرُجون مِن كلِّ فِتنة عمياء مظلِمة)( ابن ماجه والحاكم والطبراني). واحذر مرض الإمّعية الدي اصاب كثيرا من الناس، بالتبعية والتقليد الاعمى، فانه مهما كانت عناصر الفتن شديدة، و جواذب الاغراء والغواية قوية، فلا يجوز ولا يليق ان تنساق مع انحرافات العصر السائدة مهما كانت الذرائع والتبريرات والاعذار، واعمل بوصية النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تكونوا إمّعَةً، تقولون إنْ أحسَنَ الناسُ أحسَنا، وانْ ظَلَموا ظَلمنا، ولكن، وَطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ الناسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا ) (الترمذي).

   واليك، أخي الكريم، جملة من  المبادئ والتوصيات، تستعين بالعمل بها في غربتك، لتعيش عصرك وتواجه أهواءه وفتنه وأهواله، ثابتا على دينك، مستقيما على ما يرضي ربك، ايمانا وعملا، ومن ذالك:                                                                                                     ـ  التمسك بكتاب الله وسنة رسوله، والاحتكام اليهما وتحكيمهما في امور دينك ودنياك.

ـ  الحفاظ على صفاء عقيدة التوحيد، بريئة من الشركيات والضلالات السائدة، لأن التوحيد أساس الدين كله، والشرك نقيض له ومبطل للاعمال.

ـ  الالتزام باركان العبادة  على نهج السنة والجماعة في توسط واعتدال من غير غلو ولا تفريط .

ـ التخلق بأخلاق الايمان، مع الله تعالى ومع الناس، لأن صبغة المسلم هي في الايمان وحسن الخلق، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر كمال الايمان في حسن الخلق.

ـ  مراعاة أخوة الاسلام ومقتضاها، بمحبة المؤمنين والنصح لهم وارادة الخير لهم لأنه ( لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ) (متفق عليه).

ـ مراعاة الاحسان في كل شيئ، في العبادة والعمل والمعاملة، وأن تكون فعالا وايجابيا في الحياة، لأن الله كتب الاحسان على كل شيء { و اللهُ يُحبّ المحسنين }.

     وفي مقابل ذلك، تجنب كل ما قد يفسد  عليك دينك ودنياك، ومن ذلك:

ـ  اجتناب كل صور الغلو والتطرف، التي تناقض يُسرَ الاسلام وسماحتَه واعتدالَه، ولا ترضَ الدنِيّةَ والمهانة في دينك، وثوابت هويتك ووطنك وأمتك، فكل ذلك من الدين. وهي اركان وجودك ودعائم عزتك وكرامتك { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } (آل عمران:139).

ـ  واحذر التفريط في أي شيئ من دينك، فان المسلم يضحي لأجل دينه بكل شئ، ولا يضحي بدينه لاجل أي شئ، اعزازا واعتزازا  {ولله العزةُ ولرسوله وللمؤمنين}. يقول عمر بن الخطاب (ض):  ( نحن قوم أعزنا الله بالاسلام، ومتى ابتغينا العزةَ في غيره أذلّنا الله ).

  الخطبة الثانية:

   يا اخي اصبر وصابر، متمسكا بدينك، لتحيا على صبغة الاسلام التي لا تحول ولا تزول بتغير الظروف والاحوال: { ومنْ أحسنُ من اللهِ صِبغةً }، عسى ان تكون مع الطائفة الناجية التي ستبقى على النهج القويم من الدين، استقامة والتزاما الى قيام الساعة، لا تنال منها الفتن، كما اخبر النبئ صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذالك ) (مسلم).

    وحينها، وأنت في معية الله، بعونه وعنايته، تكون أمام عواصف الفتن قويا ثابتا، لا تنال منك مهما اشتد وقعها، كالنبتة المرنة الصامدة، تنحني للعاصفة حتى تهمد، وللسيل حتى يغيض، ولن تزيدك الشدائد في دينك ويقينك الا قوة وثباتا وارادة وعزيمة. وتيقن أن سنة الله اقتضت أن يعلو الباطل ردحا من الزمن، ليميز الله الخبيث من الطيب، والصادقين من المنافقين، ثم لا يلبث الحق ان يعلو من جديد وينتصر..{والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. فهل يَضيرك بعدها شئ وانت موعود من الله تعالى، في يقينك واستقامتك، وصبرك وثباتك، بمثل هذا الوعد الحسن: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ }( فصلت 30 ـ 32).

 

ثمرات البركة واستجلابها

الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعدُ: اهمية البركة : ايها المسلمون: الكل يصيح

الاثار الطيبة بعد الموت

الحمد الله العزيز الغفار الواحد القهار، أنعم على العباد بهذه الدار، وجعلها مكان بلاء واختبار، ووعد الطائعين بجنات وأنهار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تواب غفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى عليه الله وعلى آله وسلم ما أثمرت الأشجار وما تفتحت الأزها

قانون الإضافة البسيطة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات ، الحمد لله الذي علم العثرات ، فسترها على أهلها وانزل الرحمات ، ثم غفرها لهم ومحا السيئات ، فله الحمد ملئ خزائن البركات ، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، ما نزل غيث إلا بمداد حك