أثر الإيمان في حياة الإنسان

التاريخ: الخميس 8 فبراير 2018 الساعة 07:49:34 مساءً

كلمات دلالية :

الايمان
أثر الإيمان في حياة الإنسان

الحمد لله... إخوة الإيمان والعقيدة، حديثي إليكم عن أثر الإيمان في حياة الإنسان، إذا استقر الإيمان في قلب المسلم وخالطت بشاشته شغاف قلبه كانت له آثار عظيمة في سلوكه ومعاشه.

 

فما هو الإيمان؟ وما هي آثاره؟

 

الإيمان، هو أن تؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، حلوه ومره مصداق ذلك قول الله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ [البقرة: 285].

 

وجاء في حديث جبريل الطويل: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[1].

 

وهذه هي أركان الإيمان الستة، والتي بدون أحدها ينهدم الإيمان. وهذه الأركان إذا استقرت في عقيدة المسلم كانت لها آثار عظيمة على سلوكه، ومن هذه الآثار:

 

أولاً: التصديق الكامل بما ورد عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والتسليم له. نعم - أيها الكرام - فالإيمان يدعو صاحبه إلى التصديق بما ورد وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وإن خالف العقل؛ وها هو صديق الأمة، أبو بكر الصديق رضي الله عنه يضرب لنا أروع المثل في التصديق لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ففي حادثة الإسراء والمعراج يُسرع أهل مكة من المشركين إلى أبي بكر يخبروه بما قصَّه عليهم النبي صلى الله عليه وسلم من حادثة الإسراء والمعراج، وكيف أنه أُسري به من مكة إلى بيت المقدس، ثم عُرِج به إلى السماء، وهم يظنُّون أنهم بذلك يُحاولون الوقيعة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين صاحبه ورفيق دربه أبي بكر الصديق، ولم يكن الصديق قد التقى بنبي الله بعد تلك الحادثة، فبادر الصديق إلى التصديق قائلاً: «إني لأصدِّقه في خبر السَّماء بُكرةً وعشية، أفلا أُصدِّقه في بيت المقدس»[2].

 

واليوم - أيها الأحبة - ما أحوجنا جميعاً إلى أن نتأسى بأبي بكر رضي الله عنه، نعم - إخوتي - إننا بحاجة إلى هذا اليقين الذي لا يعتريه شك، وهذا التصديق الذي لا يُخالطُه شك، وهذا التسليم الكامل والتام لما ثبت عن الله تعالى وعن رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم؛ كي تثبت الأمة في وجه المغرضين والمشككين في ثوابت الدين، وما أكثرهم في هذا الزمان، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي العظيم.

 

لقد رأينا هؤلاء المشككين ينالون من الكتاب والسنة وينالون من ثوابت ديننا مستخدمين أساليب ملتوية، وبراهين كاذبة، وحجج واهية، مُقدِّمين فيها العقلَ على النص، فيحاولون أن يُوهمونا بالتعارض بين النص الشرعي وبين العقل، فراحوا ينفون علامات الساعة، ويُنكرون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، والتي تلقَّاها علماء الأمة بالقبول، ومنهم مَنْ راح يؤوِّل ويُخرج النصَّ من مضمونه ومفهومه الأصلي الذي استقرَّ عليه فهم الأمة، وعلمائها العاملين.

 

نعم أيها الكرام: إننا بحاجة إلى جيل ثابت العقيدة يقف في وجه هؤلاء الأقزام قائلاً لهم: ما دام ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دام ثبت عنه، فنحن نؤمن به ونُصدِّق به ونُسلِّم له، حتى وإنْ خالف العقلَ وخالف الواقع.

 

فمَنْ كان يُصدِّق في زمن أبي بكرٍ الصديق - رضي الله عنه - أنَّ الإنسان سيصعد إلى الفضاء، ويركب الطائرات والصواريخ، ويقطع آلاف الكيلومترات في بضع ساعات؟

 

ثانياً: المراقبة، إنَّ مراقبة الله تعالى في السر والعلانية، هي ثمرةٌ عظيمة من ثمرات الإيمان، وأثرٌ عظيم من آثاره، فتخيَّل معي - أخي الكريم - مجتمعاً يعيش فيه أفراده في ظل مراقبة الله عز وجل. المهندس في موقعه، والمُعلِّم في مدرسته، والطبيب في مشفاه، والعامل والزارع والصانع وغيرهم، لو أن هؤلاء جميعاً عاشوا في ظل مراقبة الله سبحانه، لأدَّى كلُّ واحد منهم دورَه المنوط به في الحياة على أكمل وجه، ليس لأنه مكلف به ومطلوب منه، وإنما لأنَّ الله تعالى يراه، ولأنه يؤمن بأنَّ الله سبحانه يراه.

 

نعم - أيها الإخوة الكرام - لو طبَّق أفراد المجتمع مراقبة الله تعالى في السر والعلانية لَمَا وجدناً مُدرِّساً مستهتراً بتعليم تلاميذه، ولَمَا وجدنا مهندساً مُرتشياً، أو طبيباً أو موظفاً مُختلساً.

 

فها هي ابنة بائعة اللبن، تضرب لنا أروع الأمثلة في مراقبة الله سبحانه، فتروي لنا كتبُ التاريخ والسِّيَر، قصةَ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع بائعة اللبن؛ حيث أرسل عمرُ مَنْ يُنادي في السوق: يا بائعي اللبن! لا تخلطوا اللبن بالماء، وبينما عمرُ - رضي الله عنه - يتفقَّد الرعية «فاتَّكأ على جدار في جوف الليل، فإذا امرأة تقول لابنتها: قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء. فقالت: يا أمتاه! وما علمتِ ما كان من عزمة أمير المؤمنين اليوم؟ قالت: وما كان من عزمته يا بنية؟ قالت: نادى مناديه: لا يُشاب اللبن بالماء. فقالت لها: يا بنتاه! قومي فامذقيه. فإنك في موضع لا يراك عمر، ولا منادي عمر. فقالت الصَّبية: ما كنت أُطيعه في الملأ، وأَعصيه في الخلاء»[3].

 

نعم، أحبتي، إن المؤمن الحق عليه أن يتمثَّل قول الشاعر:

 

إذا ما خلوْتَ الدَّهرَ يوْماً فلا تَقُلْ: ♦♦♦ خَلَوْتَ، ولَكِنْ قُلْ: عَلَيَّ رَقِيبُ[4]

 

والمؤمن الحق هو الذي يُراقب الله في السر والعلانية، فإذا عمل؛ فإنه يعمل لله، وإذا انتهى عن شيء وتركه؛ فإنه يتركه لله عز وجل.

 

وها هو غلامٌ آخَرُ يرعى الغنمَ في زمن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما، «قال نافع: خرجتُ مع ابن عمر في بعض نواحي المدينة، ومعه أصحابٌ له، فوضعوا سفرة لهم، فمر بهم راع، فقال له عبد الله: هلم يا راعي! فأصب من هذه السفرة، فقال: إني صائم. فقال له عبد الله: في مثل هذا اليوم الشديد حره، وأنت بين هذه الشعاب في آثار هذه الغنم، وبين هذه الجبال ترعى هذه الغنم، وأنت صائم! فقال الراعي: أبادر أيامي الخالية، فعجب ابن عمر، وقال: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك نجتزرها، نطعمك من لحمها ما تفطر عليه، ونعطيك ثمنها، قال: إنها ليست لي، إنها لمولاي، قال: فما عسيت أن يقول لك مولاك؛ إنْ قلتَ: أكلها الذئب. فمضى الراعي - وهو رافع إصبعه إلى السماء - وهو يقول: فأين الله؟! قال: فلم يزل ابن عمر يقول: قال الراعي: فأين الله؟! فما عدا أن قدم المدينة؛ فبعث إلى سيده، فاشترى منه الراعي والغنم، فأعتق الراعي، ووهب له الغنم»[5].

 

أيها المسلمون: إنَّ مراقبة الله سبحانه في السر والعلن تأتي بخير، فها هو الراعي يُعتقه الله في الدنيا لمراقبته لله عز وجل، ومراقبة الله تعالى جزء من الإحسان الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[6].

 

ثالثاً: العزة، إن المؤمن الصادق مع ربه يؤمن بأن العزة لله جمعياً، يقول الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8]، فالمؤمن عزيزٌ بعزة الله تعالى، قويٌّ بقوة العلي العظيم، وبما معه من دين وَعَدَ اللهُ أتباعه بأن يُظهره على الدين كله، لذلك لم يكن عجباً أن يقف المؤمنون الأوائل أعزاء شوامخ في وجه الباطل والطغيان، فخرجوا إلى مشارق الأرض ومغاربها داعين إلى دين الله تعالى.

 

فها هو رِبعي بن عامر، ذلك البطل المسلم في عهد عمر بن عبد الخطاب - رضي الله عنه، يضرب مثلاً فريداً في عِزَّة المؤمن المُتمسِّك بدينه، والعجيب أن كُتب السِّير والمغازي لم تذكر له سوى هذا الموقف الرائع.

 

فعندما توجَّه المسلمون إلى بلاد الفُرس لفتحها في غزوة القادسية، أرسل سعدُ بنُ أبي وقاص قائد المسلمين في تلك المعركة رسولاً إلى رستم قائد الفرس، وهو رِبعي بن عامر «فدخل عليه وقد زَيَّنوا مجلسه بالنَّمارقِ المُذهَّبة والزَّرابِيِّ الحرير، وأَظْهرَ اليَوَاقِيتَ واللآلِئَ الثمينة، والزِّينةَ العظيمة، وعليه تاجُه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سريرٍ من ذهب.

 

ودخل ربعيٌّ بثياب صَفِيقةٍ وسيفٍ وتُرْسٍ وفَرَسٍ قصيرة، ولم يزل راكبها حتى داسَ بها على طرف البُساط، ثم نزل ورَبَطَها ببعض تلك الوسائد، وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضَتُه على رأسه.

 

فقالوا له: ضَعْ سلاحَك. فقال: إني لم آتِكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني، فإنْ تركتموني هكذا وإلاَّ رجعت.

 

فقال رستم: ائذنوا له، فأقبلَ يتوكَّأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامَّتَها.

 

[تأمل معي - أخي الكريم – في عزَّة المؤمن، يرفض أن يخلع عنه سلاحه مُعتزًّا بنفسه، فارضاً شروطه، ولم يقبل الدَّنية في دينه أو كرامته].

 

فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: اللهُ ابتعَثَنا لِنخْرِجَ مَنْ شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَوْرِ الأديان إلى عدل الاسلام، فأرسَلَنا بدينه إلى خَلْقِه لندعوهم إليه، فمَنْ قبِلَ ذلك قبِلْنا منه ورجعنا عنه، ومَنْ أبى قاتلناه أبداً حتى نُفْضِي إلى موعود الله.

 

قالوا: وما موعودُ الله؟ قال: الجنة لِمَنْ مات على قتال مَنْ أبى، والظَّفَر لِمَنْ بَقِيَ.

 

فقال رستم: قد سمعتُ مقالتَكم، فهل لكم أن تُؤخِّروا هذا الأمرَ حتى ننظرَ فيه وتنظروا؟ قال: نعم! كم أحبُّ إليكم؟ يوماً أو يومين؟ قال: لا، بل حتى نُكاتِبَ أهلَ رأيِنا ورؤساءَ قومِنا.

 

فقال: ما سَنَّ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ نُؤخِّر الأعداءَ عند اللِّقاءِ أكثرَ من ثلاثٍ، فانظرْ في أمرِك وأمرِهم، واخترْ واحدةً من ثلاثٍ بعد الأجَل، فقال: أَسَيِّدُهم أنتَ؟ قال! لا: ولكن المسلمون كالجسد الواحد يُجِيرُ أدناهم على أعلاهم.

 

فاجتمع رُستم برؤوساء قومِه، فقال: هل رأيتم قَطُّ أعَزَّ وأرجَحَ من كلام هذا الرجل؟»[7].

 

نعم - أيها المؤمنون - إنها عزة الإيمان، إنها عزة المؤمن الواثق بنصر الله تعالى، المؤمن بوعده سبحانه: ﴿ إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]. إنها عزة المؤمن المُوقن بما عند الله تعالى، وكأنه يرى الجنةَ بعينيه إنْ قُتِلَ، ويرى النصرَ بعينيه إنْ عاش وبَقِي.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله... إخوة الإيمان والإسلام.. إنَّ الحياة في ظل الإيمان ليست كأيِّ حياة، إنها حياةٌ تملأ صاحبَها بالطمأنينة والسكينة، والهدوء والاستقرار النفسي ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، إنها حياة يطمئن فيها العبد على حياته ونفسه ورِزقه، يعيش فيها مُتمسِّكاً بظلال أسماء الله تعالى وصفاته، فهو المُنعِم، وهو الوهاب وهو الكريم، وهو العزيز وهو الرَّزَّاق، وهو اللطيف، فيشعر بأنَّ تعالى معه، فيفوض أمره كله له.

 

إنها حياةٌ رائعة، لا قلق فيها، ولا توتُّر، ولا مشاكل نفسية، وكيف للمؤمن أنْ يُصاب بمثل هذه الأدواء؛ ومعه إيمانه بين جنبيه يحميه منها.

 

كما أنَّ المجتمع الذي يضمُّ مثل هؤلاء الأفراد هو مجتمع آمِن، مستقر، تسوده المودَّة والرحمة والرأفة، لا مكان فيه للغش والرشوة والظلم، «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ؛ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»[8].

 

إخوة الإيمان.. كانت هذه بعض آثار الإيمان في حياة الإنسان، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإيمان، ويزينه في قلوبنا، ويجعلنا من الراشدين.

___________________

[1] رواه مسلم، (1/ 23)، (ح102).

 

[2] البداية والنهاية، لابن كثير (3/ 137).

 

[3] تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر (7/ 252).

 

[4] ديوان أبي العتاهية، (ص 10).

 

[5] التبصرة، لابن الجوزي (2/ 233)؛ صفة الصفوة، (2/ 188).

 

[6] رواه البخاري، (1/ 15)، (ح50)؛ ومسلم، (1/ 23)، (ح102).

 

[7] البداية والنهاية، (7/ 46، 47).

 

[8] رواه البخاري، واللفظ له (3/ 1230)، (ح6079)؛ ومسلم، (2/ 1099)، (ح6751).