لا تَـنــسَ أنّـك راحِــل !

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 7 فبراير 2018 الساعة 07:27:57 مساءً

كلمات دلالية :

الموت
لا تَـنــسَ أنّـك راحِــل !

{ أَفَحَسِبْتُـم أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًـا وَأَنَّكُم إِلَيْنـَا لَا تُرْجَعُـونَ..} (المؤمنون 115).

    أخي الكريم، ما أكثر ما ننسى، أو نغفل عن الرحلة المصيرية التي نحياها بين الدنيا والآخرة، مركبنا فيها أعمارنا التي تسري بنا، عبر أشواط من الابتلاء والاختبار، مبتعدين عن الدنيا الفانية، مقبلين عن الآخرة الباقية. هذه الرحلة الحتمية التي يذكرنا القرآن الكريم بها وبتفاصيلها وأهوالها في كثير من السور والآيات، عسى ان نعتبِر وندّكِر، ونستعد ليوم لقاء ربنا جلّ وعلا.

 وما المـرءُ الا راكبٌ ظَهـرَ عُمْــرهِ      على سَفـر يُفنيـه باليوم والشهــرِ

 يَبيـتُ ويُضحـي كـلَ يـوم وليلـةٍ      بَعيـدا عن الدنيـا، قَريبـا الى القبــرِ

    فهيا معي لنقف على آية واحدة، بين آيات كثيرة، تلخص أطوار المسير والمصير بايجاز كبير، وذلك في قوله تعالى: { كلّ نفسِ ذائقةُ المَوتِ، وانما تُوَفّونَ أجورَكُم يومَ القيامةِ، فمن زُحزِحَ عن النارِ وأُدخِلَ الجنةَ فقد فـازَ، وما الحياةُ الدّنيا الاّ مَتاعُ الغُرورِ } (آل عمران 185).

    آية كريمة، في منتهى الايجاز والبيان؛ واسعة المعاني، عميقة الأثر في نفوس المؤمنين الصادقين، الذين يَقدُرون كلام الله حق قدره، وترتعش قلوبهم لذكره، خشية ورهبة: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }[الأنفال:2]. وكيف لا توجل قلوبنا رهبة ورغبة، ونحن  نعلم يقينا حقيقة الحياة الدنيا الفانية، وما ينتظرنا بعدها من أهوال الموت والقبور، ومشاهد البعث والنشور و الحساب والميزان والصراط، قبل قرار المصير:{ فريقٌ في الجنّةِ وفريقٌ في السّعيرِ}.

     فانظر الى بلاغة الإختزال البياني الدقيق، كيف يوجز أطوار رحلة الانسان بين الدنيا والآخرة، وما يصاحبها من حقائق الوجود والمسير والمصير، تعرضها الآية بترتيب بلاغي له مقاصده ومغزاه:

ـ محطة الموت والفناء، وحقيقتها مصير الموت المحتوم للخلق أجمعين:{ كُلّ نفسٍ ذائقةُ المَوتِ }.

ـ محطة يـوم القيامـة ، وحقيقتها البعث والحساب و الجزا ء: { وانّما تُوَفّونَ أُجُورَكم يومَ القيامةِ }.

ـ محطة المصير النهائي، وحقيقتها مآل الجنة أو النار:{فَمَن زُحزِحَ عن النارِ وأدخِلَ الجنةَ فقد فازَ }.

ـ محطة الحياة الدنيا، وحقيقتها أنها دار الغرور لطُلاّبها : { وما الحياةُ الدنيا الا مَتاعُ الغُـرورِ }.

   ولك أن تلاحظ ما في هذا الترتيب من حكمة البيان القرآني، حيث بدأ بذكر ما له شأن عظيم في مصير الانسان، وهو الموت والقيامة والجنة والنار، وأخّـر ذكرَ الحياة الدنيا، وان كانت متقدمة زمنيا، لكونها فانية، لا تساوي شيئا أمام حياة الآخرة الباقية وأهوالها، وهو ترتيب الأولوية المطلوب أن يحضر في اهتمام المؤمن العاقل العامل.

   ما أكثر ما نتلو هذه الآية الكريمة، أو تتلى علينا بما فيها من محطات ومراحل الرحيل والمصير، ونمر عليها دون تدبر واعتبار. لكن أكثر الناس في خضم الحياة الفاتنة، غافلون عن الآخرة، يتعلقون بالدنيا لاهثين وراء متاع الغرور، مدفوعين بشهوات الأموال والمناصب والمتع واللذات، وكأنهم فيها خالدون، فينسون أو يتجاهلون لحظة الموت المحتوم، وظلمات القبور، وأهوال يوم البعث والنشور؛ أو يتهربون من ذكر الآخرة والاهتمام بها، لئلا تكدر عليهم ـ بزعمهم ـ سعادة الاستمتاع بالحياة !. وهل ينفع الفرار أو يجدي التجاهل والإدبار، وكل مخلوق يعيش دنياه برزق معلوم، وأجل محتوم.. فإذا انقضى رزقه وأجله، حانت ساعة الرحيل؛، وليس بعد الدنيا من دار، إلا الجنةُ أو النار !

لا دارَ للمرء بعد الموت يسكنُها       الا التي كان قبـل الموتِ يبنيهـــا

فإن بناهـا بخيـرٍ طــابَ مَسكنُـه      وان بنـاهـا بشـرّ خــابَ بــانيهــــا

     فماذا تساوي هذه الدنيا التي شغلت الناس عن آخرتهم، الا ان تكون متاع الغرور، وهي أهون على الله من جناح بعوضة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( لو كانت الدنيا تَعدِل عند الله جناحَ بَعوضةٍ، ما سَقى كافراً منها شَربةَ ماءٍ ) (الترمذي)؛ الدنيا التي يتفاوت الناس بمتاعها المادي، ما بين قوي وضغبف، وغني وفقير، وعزير وحقير، وظالم ومظلوم، وسيد ومسود.. ! وبعدها يستوون جميعا أمام عدل الله تعالى بالموت المقدر المحتوم:{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فان وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ }(الرحمن 24,25)، وحينئد تهون الأعمار الدنيوية البائدة مهما طالت، فلا تبدو الا كما يصورها القرآن الكريم :{ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَآدّينَ * قَالَ إِن لّبِثْتُمْ إِلاّ قَلِيلاً لّوْ أَنّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }( المؤمنون 112). فكيف تحلو الدنيا ويركن اليها من يذكر هول الموت وهيبة يوم العرض على الله تبارك وتعالى!. قال ابراهيم التيمي:  "شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكرُ الموت، والوقوفُ بين يدي الله عز وجل". وللامام علي كرم الله وجهه كلمة لها معناها ومغزاها في هذا السياق : "ارتحلت الدنيا مدبرة ، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بَنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل"(اخرجه البخاري).

      فانظر، يا أخي، ماذا أعددت للقاء ربك بعد فراق الدنيا ؟ وماذا يكون جوابك على سؤال الملكين في القبر، وهو أولى منازل الآخرة ؟، هل تستطيع الثبات والسداد في الجواب الا بصدق الايمان والتوحيد وصالح الاعمال: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } (الزمر 27)؛ والقبر إما هو روضة من رياض الجنة للأبرار، أو حفرة من حفر جهنم للفجار. وتلك أولى مراحل المسير والمصير: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ، وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ، وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى }(طه55)، فهل من واعظ أبلغ من مشهد الموت والقبور لمن كان له قلب حي وعقل سليم و" كفَى بالموت واعِظا "، ومن لم يتّعِظ بالموت، يخشى عليه موت القلب بداء الغفلة واستحواذ الرّانُ عليه بادمان الشهوات واقتراف المعاصي، فحال بينه وبين إبصار الحق والإعتبار بواعظ الموت: { كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }(المطففين 14).

   وحين يأذن الله تعالى بالبعث والنشور، فيُنفَخ في الصُّور، ويخرج الخلق من الأجداث الى ربهم ينسِلون، ليقفوا بساحة المحشر الرهيب، في كرب وفزع شديد، لأمـد بعيـد، خاشعةً أبصارُهم، ويتساءل المتسائلون ذاهلين، من هول البعث: { ونُفخَ في الصورِ فإذا هُم من الأجداثِ إلى ربِّهم يَنسِلونَ، قالوا ياويلَنا مَن بَعثَنا مِن مَرقَدنا، هذا ما وعَد الرحمنُ وصَدَقَ المُرسَلونَ }(يس52). هنالك المشهد المهيب الأول من مشاهد يوم القيامة المتلاحقة، وكل مشهد منها هو أشد هَولاً وكَربا وفزعا من سابقه. وإن كل شيء من مراحل يوم القيامة، من البعث الى مصير الجنة او النار، موصوف في كتاب الله تعالى وسنة رسوله، بدقة وتفصيل، كأنه رأيَ العين { وكلَّ شيءٍ فصّلناهُ تَفصيلاً }.

 فماذا ادخرت يا أخي، من دنيانك لآخرتك، يوم تتراجع امتيازات المال والجاه والسلطان والأنصار والأعوان، و يكون الخلق أجمعون في صعيد واحد، واقفين ما شاء الله من الزمن الطويل، قبل أوان الحساب، حفاة عراة ذاهلين من الكرب العظيم، مشفقين من عواقب المصير:{وَعُرِضُوا عَلَىٰ رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف 48 ـ49).

  والآن، هيا معي، أخي في الله، لنقف معا، في تَدبّر وخشوع، على خلاصة مشهد يوم القيامة، كما صوره كتاب الله تعالى تصويرا حيا مهولاً، من لحظة قيام الساعة الى نهاية الحساب، حيث يساق الناس الى مصائرهم، بعد قرار المحكمة الإلهية، زُمَرا زمرا، إما الى الجنة والنعيم، او الى النار والجحيم، وإنه لمشهد ترتعش له القلوب المؤمنة الواثقة، رهبةً واشفاقا: 

{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا، وَوُضِعَ الْكِتَابُ، وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) (الزمر).

  أليس جديرا بهذا المشهد وأمثاله، من مشاهد الموت والقبر والقيامة، أن ترتجّ له قلوبنا، وتقشعرّ جلودنا، ونحن اليها سائرون حقا !. فهلاّ تدبرت آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية المستفيضة عن يوم القيامة، لتدرك ما يلزم علمه عن طول الوقوف في المحشر، ودقة الميزان، وتطاير الصحف، وعدالة الحساب، وانكشاف الاعمال والسرائر، واشتداد الخوف، وانشغال كل إنسان بنفسه اشفاقا مما ينتظره من مصير{ يَومَ يَفرّ امَرء من أَخيه وَأمّه وَأَبيه وَصَاحبَته وَبَنيه لكلّ امرئ منهم يَومَئذ شَأنٌ يغنيه }(عبس34). وهلاّ اطلعت على حقيقة جهنم ودركاتها وألوان عذابها، كما هي موصوفة بتفصيل، لتحرك فيك وازع الخشية، فتعملَ بما ينجيك منها يومئذ، وهي التي تتلظى تغيظا وزفيرا لرؤية المجرمين:{ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا  لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا }(الفرقان 12ـ14). وهلاّ قرأت المزيد عن الجنة التي اعدت للمتقين، وما ذكر في القرآن والسنة من أوصافها، لكي يقوى لديك الشوق اليها، وحافز العمل لها بجد وحزم، وهي التي فيها من ألوان النعيم المقيم، ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }.

    فلا تنس يا أخي، انك سترحل يوما لا محالة،  وليس يبقى منك ليرحل معك سوى ما ادخرت من عمل صالح، ولا رجعة بعدها أبدا؛ واعلم ان للموت سكرةً، إن تجاوزتها بحسن الختام، وثبتَّ لسؤال القبر بسلام، قد يهوّن الله عليك ما بعد ذلك، وإنه لهو أشد وأعسر !. فهلاّ ساءلت نفسك، هل استعددت لكل هذا بما هو لازم من الزاد ؟. اياك ووهم الظنّ والغرور أنك ضمنت الجنة !، فو الله، لا انا ولا أنت نضمنها بحال تقصيرنا وكثرة ذنوبنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إمام المتقين وأشرف الخلق أجمعين يقول: (لن يُنجيَ أحداً منكم عَملُه، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله، قال: ولا أنا، إلاّ أن يتغَمّدَنيَ اللهُ برحمة منه وفضل ) (البخاري). وليس من طريق الى رضا الله ورحمته، إلا بالاستقامة على دينه، واعمار الحياة الدنيا بما يكون خير الزاد ليوم لقائه سبحانه {يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بَنونَ الاّ من أتَى اللهَ بقَلبٍ سَليمٍ}.

الخطبــة الثانيــة:

 وبعد، أخي الكريم، أود أن أحتم لك كلمتي بهذه الحكاية الرمزية،"نهاية الرحلة" فانها في صميم الموضوع :

   " كان رجل في رحلة سفر بالسيارة، ومعه زوجته وأولاده؛ وفى الطريق، مـرّ بشخص واقف، فسأله

من أنت؟ قال أنا المال؛ فاستشار زوجته وأولاده أن يحملوه معهم؟ قالوا جميعا: نعمَ الرفيق،

فبصحبته يمكننا أن نفعل أى شيء وأن نمتلك أي شيء؛  فركب معهم. وسارت السيارة حتى مروا بشخص آخر ، فسأله الأب: من أنت؟  قال أنا السلطة والجاه، فسأل الأب زوجته وأولاده، هل ندعه يركب معنا ؟ فأجابوا جميعا بصوت واحد: نعم، فبالسلطة يكون لنا نفوذ ، وهيبة لنمتلك كل شيء، فركب معهم. واستأنفت السيارة رحلتها.. حتى قابلهم شخصثالث، فسأله الأب من أنت ؟ قال أنا الدِّيـن، خذوني معكم فستحتاجونني في رحلتكم؛ قال الأب والزوجة والأولاد بصوت واحد: معذرة، فليس لدينا مكان ولا وقت لرفقتك، فنحن نريد الإستمتاع برحلتنا ومباهجها؛ وأما أنت فستحرمنا منها، وترهقنا بالتزامات حدودك، بين الحلال والحرام والصلاة والصيام والحجاب وغيرها؛ ولكن من الممكن أن نرجع إليك بعد أن نستمتع برحلتنا !.  فتركوه، وتابعوا السير .. وفجأة، وجدوا أمامهم نقطة تفتيش وعلامة  "قف"، وإذا بضابط يشير للأب أن ينزل ويترك السيارة، قائلا: أما أنت، فقد انتهت رحلتك، وعليك أن تنزل لتذهب معى ! فوجم الأب في ذهول؛  فأردف الرجل قائلا: أنا افتش عن الدين، فهل هو معكم ؟ قال الأب: لا، لقد تركناه على بعد مسافة، فدعني أرجع وسآتيك به حالا؛ قال الرجل: كلا ! فالرجوع مستحيل !قال الأب: ولكنّ معي في السيارة: المال والسلطة  والمنصب والزوجة والاود. قال الرجل بصرامة: إنهم لن يغنوا عنك شيئا، وستتركم خلفك، وما كان لينفعك إلا الدين الذي فارقته وهجرته في الطريق. فسأله الأب: لقد عاملتني بكل شدة وصرامة، فهلاّ قلت لي من أنت ؟  قال الرجل: أنا الموت الذي كنت غافلا عنه ولم تحسب له الحساب !!  ونظر الأب حوله، فاذا بالسيارة  قد تحركت بقيادة زوجته، لتكمل رحلتها بمن فيها: الأولاد والمال والسلطة، ولم ينزل معه أحد ! "

     تلك حال طلاب الدنيا المعرضين عن الدين، فلا يدركون قيمته الا عندما يدركهم الموت المحتوم:

{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّيَ أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(المؤمنون:99-100)

وأدعوك أخي في الله، الى الدرس القادم، لنقف على ما يتطلبه الإعداد والاستعداد ليوم الرحيل.

            

اللهم ربنا لا ترفع عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، ولا تجعلنا من الغافلين

إفشاء السـر

أيها الناس: فإن من المعلوم أن الإنسان مدني بطبعه، يحب الاجتماع والألفة، ويكره الاختلاف والفرقة، لذلك فهو يجالس أفراد مجتمعه، وتدور في تلك المجالس الأحاديث المختلفة، وتختلف المجالس والجلساء، فجليس يحب الثرثرة وكثرة الكلام، وآخر يحب الصمت وقلة الكلام؛ وجليس يحب كثرة الكلام حري بأن

للدعاء المستجاب شـروط وآداب

يقول الله تعالى: { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًـا وَخُفْيَـةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِيـنَ } الاعراف 55 اخي الكريم، أن الدعاء بمنزلة سامية في القدر والفضل، فهو من أعظم نعم الله تعالى علينا، إذ احتياجنا اليه أشد من حاجتنا الى الهواء والطعام والماء، لا يستغنى عنه إلا من

أهمية التضامن والتعاون

أمَّا بعد؛ قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، تلك آية باهرة، وعِظة بالغة، ونعمة واسعة، آتاها الله هذه الأمَّة فما أوفتْها حقَّها، ولم تقُم بواجب شكْرها، فتفرَّقَت شيعًا وتبدَّدَت فرقًا، فتحطَّم ركنُ مجدها، وانهارت دعائم عزِّه