" الرّاحِمونَ يَرحمُهم الرّحمَن "

خاص عيون نت

التاريخ: الأحد 28 يناير 2018 الساعة 04:50:33 مساءً

  ما أعظم فضل الله الكريم علينا بنعمة الاسلام؛ الدين القيّم الذي لا بديل له ولا مثيل، به وحده الهداية والرشاد، والنجاة والفلاح في الدنيا والآخرة{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. دين عقيدةٍ جوهرُها التوحيد، وشريعةٍ جوهرها العدل، وعباداتٍ جوهرها الإخلاص، وأخلاقٍ جوهرها الرحمـة.

  ولقد تناولنا مجموعة من مكارم الاخلاق، كما هي في ميزان الاسلام والايمان، ونقف اليوم على خلق الرحمة، معناها وفضلها وثمارها؛ وهي خلق رباني عظيم القدر والفضل والأثر، بل هي جوهر أخلاق الاسلام كلها، ومنبع الخير في حياة الفرد والمجتمع والأمة. وما أشد افتقار الناس إليها لكونها عنوانَ إيمانهم، وبلسمَ قلوبهم، وينبوعَ الدفء في علاقاتهم، ومفتاح سعادتهم، فلا يحرم منها إلا الأشقياء.

فاذا كانت للمجتمع ركائـز ومقومات، تضمن للناس التواصل والتفاعل لتحقيق المنافع والمصالح، وقيمٌ سامية تتوقف عليها الحياة الطيبة، والعلاقات الكريمة، فإن الرحمة أسماها وأبلغها في تماسك علاقاتهم واستقرار حياتهم على التكامل والتعاون في مودة ووئام، وتعاطف وأمان وانسجام.

     الرحمة ذكرها الله تعالى في آيات القرآن الكريم كثيرا، إمَّا في معرض تَسَمّيه واتصافه بها، أو التذكير بسعَتها و الامتنان على العباد بما يتجلى عليهم بها، أو في سياق المدح والثناء على المتخلقين بها.

     فانظر كيف كانت ستكون حياة الاحياء من الخلق كلهم، لولا نفحة الرحمة الالهية الفطرية فيهم، وما هي الا جزء قليل من واسع رحمته سبحانه، أودعها في قلوبهم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، بِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )( مسلم وغيره).

   وحسْبُ الرحمة من الشرف وعظيم القدر، أنها من صفات الكمال والجلال والجمال لربنا سبحانه { وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ } (الأنعام/133)، خلَق الخلقَ ووسعهم برحمته، فلا يعلم مداها الا هو :  ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } (الأعراف: 156). فالله عز وجل، هو الرحمن الرحيم: رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما،{ وَإِلَـهُكُمْ إِلَـهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَـنُ الرَّحِيمُ } (القرة 163)، وهما اسمان بصيغتي مبالغة: فاسم الرّحمن خاصّ بالله تعالى لا يسمّى به غيره، ولا يوصف؛ والرّحيم يوصف به غير الله، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال رجل رحمن. فالرحمن ذو الرحمة الشاملة للخلق اجمعين، والرحيم خاص بالمؤمنين: { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } (الأحزاب/43). فرحمة الله سبقت غضبه، وعفوه سبق انتقامه، ورأفته سبقت عدله، سبحانه وتعالى ما اعظم فضله وما اوسع كرمه. فمن رحمته أن خلق الخلق أجمعين ومنحهم فرصة الوجود، وخلق الإنسان في أحسن تقويم،  وتكفل برزقهم جميعا، ناطقهم وحيوانهم، وارسل الرسل وانزل الكتب هداية لعباد، ثم أتم رحمته بمبعث خاتم الرسالات، محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمةً للعالمين{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وتجلى على العباد بالمغفرة وقبول توبة التائبين، فقال تعالى: { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 12)

  والرحمة في التعريف، اسم جامع لكل معاني الرأفة والرفق واللين في المشاعر، وفي معاملة الخلق أجمعين، يتّصف بها أصحاب القلوب اللطيفة البريئة من القسوة والغلظة ونوازع الاحقاد والاضغان، وتدل على نبل الطبع، وسمو الروح، وصفاء النفس، ونقاء المعدن، وعلو الهمة في ارادة الخير والمسارعة في فعله. بل إن الرحمة هي الرابطة الحميمية الأقوى في تأليف القلوب وتمتين العلاقات وأحسان المعاملات؛ فكل مظاهر العطف والاشفاق والعلاقات الودية القائمة، بين الناس، هي تجليات الرحمة وآثارها، بين الازواج، والآباء، والأبناء، والاقارب، والخلان، وفي مظاهر الإيثار والفداء وفعل الخير بالبذل والمعونة والإنجاد والاغاثة وغيرها؛ كل ذلك باعثه الجوهري هو خلق الرحمة، فإنْ رافقتها أخلاق كريمة أخرى في مشاعر الانسان الرحيم ومعاملاته، فهي من مقتضيات الرحمة وثمارها. 

    ولأن المسلم يتشرف بالانتماء الى دين الله الرحمن الرحيم، فهو أولى الناس وأجدر بخلق الرحمة، وقد ورد في الحديث أنه (لا تُنزع الرحمةُ إلا من شَقيّ). فينبغي أن يكون ذا قلب رحيم، مرهف الحس، رقيق المشاعر، يعامل الناس بالرأفة والمودة والاشفاق، وإرادة الخير، يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، فيغيث الملهوف، ويصنع المعروف، ويعين البائس الفقير والمحتاج، ويعطف على الفقراء والمحرومين، ويمسح دموع اليتامى ويواسي المكروبين، ويدخل السرور عليهم بالاحسان، خدمةً لهم بما يستطيع في صدق ونزاهة واخلاص. بل ينفتح بخلق الرحمة على سائر الآحياء فلا يعامل حيوانا ولا طيرا الا بالرفق والرأفة والاحسان.

   ولابد من التنبيه الى وجه من وجوه الرحمة لايدركه كثير من الناس في حكمة الله وتدبيره،  ولا يعملون به فيما تستلزمه أماناتهم ورعاياهم.. ذلك ان الرحمة تقتضي الحكمة والحزم لا الإهمال، وقد تأخذ مظهر القسوة وليست كذلك؛ كالطبيب الذي يجري عملية جراحية قاسية ولكنها رحمة بالمريض! وفي ذلك قال ابن القيم ـ رحمه الله: " إن الرحمةَ صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح للعبد، وإن كرهتها نفسه وشقت عليه، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحمُ الناسِ من شَقّ عليك في إيصال مصالحك ودفع المضارّ عنك؛ فمن رحمة الأب بولده، أن يُكرِهَه على التأدّب بالعلم والعمل، ويشُقَّ عليه في ذلك، ويمنعَه شهواتِه التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده، كان لقلة رحمته به، وإن ظنّ أنه يرحمه ويرفّهه ويُريحه، فهذه رحمةٌ مقرونة بجهل. ولهذا كان من تمام رحمة أرحم الراحمين، تسليطُ أنواع البلاء على العبد؛ فابتلاؤه له وامتحانه، ومنعه من كثير من أغراضه وشهواته، هو من رحمته به. كما أن من رحمته سبحانه، ابتلاءَ الخلق بالأوامر والنواهي، رحمة لهم وحِميةً، لا حاجةً منه إليهم بما أمرهم به" ( إغاثة اللهفان).

    وعلى قدر حظ الإنسان من الرَّحمة، تكون مكانته عند الله تعالى؛ وقد كان الأنبياء أشدَّ النَّاس رحمة، تجلت في مشاعرهم ومواقفهم وتصرفاتهم، بين أقوامهم، كما أخبر القرآن الكريم. وكان النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، أوفرهم حظّا فيها وأشرفهم قدرا ؛ بل هو القدوة الاكمل في الرحمة، كما صنعه الله على عينه، وأحسن خَلقه، وأدبه فأحسن خُلُقه، وأعده لتبليغ رسالة الرحمة للخلق أجمعين، عربا وعجما، مؤمنين وكافرين، وحتى العجماوات من الطير والحيوان: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]،  فكانت رحمته جاذبيةَ استقطابٍ لخيرة الناس حوله ومعه محبة وتقديرا: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } [آل عمران: 159]، وهي الرحمة التي لازمته في كل أقواله وأفعاله ومواقفه وقراراته، وكان بها المثل الأعلى في جميع مهام الدعوة وشؤون الحياة؛ رءوفا رحيما، مع الأهل والأصحاب، والقريب والبعيد، والصديق والعدو، في السلم والحرب، في الشدة والرخاء، حتى مع الحيوان والطير، ولو في الظروف العصيبة:{  لَقَد جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيـمٌ}:

  فانظر اليه عليه الصلاة والسلام، في محنته مع اهل الطائف لما جاءهم بخير الاسلام، فطردوه وآذوه وأدموا عقبه، وجاءه الملك يستشيره ان يطْبِق عليهم الجبلين، لكن خلق الرحمة يأبى عليه الانتقام  فقال صلى الله عليه وسلم: ( بل أرجو ان يُخرِج اللهُ من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئا).

   وفي غزوة أحُد، يوم  وقع في كمين، فشُجّ وجهه الكريم، وكُسِرت رباعيّته، وعمّ الدم جسده، واستُشهد سبعون من أصحابه، منهم عمه حمزة (ض)، وبينما كان المشركون عازمين على قتله، كان هو يدعو رحمة بهم: ( اللهم اهـدِ قومي فإنهم لا يعلمون). ويوم دخل مكة بالفتح المبين، وكان المشركون الذين ناصبوه العداء والحرب ونالوا من صحابته، يتوقعون منه الانتقام، على عادة الفاتحين، فخاطبهم قائلا: (يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم ؟) ، قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال بلسان الرؤوف الرحيم: ( لا تثريبَ عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء).

   ومن هديه صلى الله عليه وسلم، في الرحمة بالحيوان والطير، أنه نهى عن تعذيبها أو تجويعها، أو تكليفها ما لا تطيق، أو اتخاذها هدفا يرمى، وشدد المؤاخذة على من يقسون على الحيوان ويستهينون بآلامه، وبيّن أن الإنسان على كونه مكرَّما، قد يدخل النار بقسوته على الحيوان. وفي ذلك أخبر عن امرأة دخلت النار في هِرَّة، حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها حتى ماتت جوعا.. وفي المقابل دخلت الجنة امرأة بغيّ من بني اسرائيل، شكر الله لها صنيع رحمتها بكلب سقته فأنقذته من الموت عطشا. ويوما ببستان، جاءه جَمل بعيون جانعة يشكو  اليه سوء معاملة صاحبه الذي يجيعه ويتعبه، فقال النبي لمالكه: ( أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمة التي ملّكَك الله إياها، فإنه شكا الي أنك تُجيعه وتُدئبه )( أبو داوود ).

     إنه الرحمة المهداة الذي يجب الاقتداء به في خلق الرحمة في كل اقوالنا وعلاقاتنا وأعمالنا ومعاملاتنا، إذا كنا نبتغي حقا أن نكون على التدين الاسلامي الصحيح، تأسيا بنبي الرحمة للعالمين. وهو الذي يأمرنا بالتراحم العامِّ، وجعل ذلك من دلائل الإيمان الحي والأخوة الصادقة، التي يجب ان يتميز بها المجتمع الاسلامي ويمتاز، كما وصف صلى الله عليه وسلم فقال: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (الشيخان). ذلك ان التحلي بالرحمة والتعامل بها مجلبة لرحمة الله وغفرانه. ومن آثارها وثمارها، أنها تظهر في معاملة الناس بالبر والإحسان؛ فتجد الرحيمَ بارا بوالديه، وبأولاده، وإخوانه وأقاربه، يسارع في البر والاحسان الى كل ذي حاجة او ضرر او اضطرار، من الارامل والايتام والفقراء والمعوزين والمكروبين، ولا يرضى لهم الظلم والقهر وهضم الحقوق، ولا يتخلي عنهم بقدر استطاعته يرجو بذلك رحمة ربه.. ذلك خلق من قال فيهم نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: (الرّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرّحْمَنُ. ارْحَمُوا مَنْ في اْلأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السّماءِ. الرّحِمُ شِجْنَةٌ مِنَ الرحمَنِ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ الله وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ الله) [رواه الترمذي]. وفي مقابل ذلك حذَّر صلى الله عليه وسلم من حرمان نعمة الرحمة الالهية بسبب القسوة في  المعاملة فقال:(من لا يرحم الناسَ لا يرحمه الله) (رواه الشيخان).

 

   فاجتهد يا أخي في العمل بما يشهد لك بخلق الرحمة، وابتغ بذلك رضا الله، فان الطريق الى ذلك، أن تكون مع الناس، كل الناس، رؤوفا رحيما، عطوفا ودودا، حليما سموحا، لطيفا رفيقا..  وخاصة مع والديك، وأهلك، وبنيك، وقرابتك وذوي رحمك وجيرانك، وكل ذوي الفاقة والعوز والاحتياج.. حتى تكون جديراً برحمة الله، فالجزاء من جنس العمل، ورسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ لاَ يَرْحَمِ النّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ) [رواه مسلم]. ولك ان تختبر حقيقة رحمتك وثمارها بالنظر الى مدى حضورها في أقوالك وعلاقاتك ومعاملاتك:  

 

  ـ فما مدى لطفك ورفقك وإحسانك فب معاملة والديك، أحدهما او كليهمارحمة بهم، استجابة لأمر ربك: ﴿ وَقَضَىٰ رَ‌بُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ‌ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْ‌هُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِ‌يمًا ، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾ [الإسراء24]،

  ـ  كيف حالك مع ذوي رحمك، وانت مأمور بصلتهم، ومواساة محتاجهم، فإن الرحم معلقة بالعرش والله تعالى يقول: (مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ).

  ـ وكم رق قلبك رحمة واشفاقا، فبادرت لإنجاد منكوب أو مكروب أو معسر، وسهامت في تفريج كربهم وتيسير أمورهم، عملا بقول النبي الأمين: ( مَن نفّس عن مؤمن كُربة من كرب الدنيا ، نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسّر على مُعسِر ، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة ، ومن سَتر مسلما ، ستره الله في الدنيا والآخرة ، والله في عَونِ العبد ، ما كان العبدُ في عَون أخيه) (مسلم).

   ـ وهل يتحرك قلبك وضميرك لتسعد قلب أرملة او يتيم أو مسكين، رحمة بهم وسعيا لإسعافهم بما تستطيع، وانت ترجو ما وعدك به المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ في الجنةِ كَهَاتَيْنِ)، وقوله: ( السَّاعِي عَلَى الأرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ الله، أوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ) (متفق عليه).

   فبادر،أخي الكريم، الى عفو الله ورحمته، مسارعا في القربات وفعل الخيرات بقلب رحيم، فانما هي مسارعة منك الى رضوان ربك الرحمن الرحيم : { سَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (آل عمران). 

 

الخطبــة الثانيــة:

 

    وبعد، أخي الكريم، فمن المعلوم ان الله الذي استخلفنا في دنيا الابتلاء والاختبار، وأكرمنا بنعمة الاسلام والايمان، وشرفنا بالانتساب الى خير أمة أخرجت للناس، وطالبنا بعبادته موحدين، لم يقيد العبادة بقربات الصلاة والصيام والذكر والحج وحسب، ولكنه سبحانه، جعل علاقاتنا الاجتماعية وما فيها من أعمال ومعاملات، مجالا واسعا لتحقيق العبودية له بكريم الاخلاق وصالح الاعمال، وذلك أكبر شاهد وبرهان على صدق إيماننا وتديننا. ومن الجهل والتفريط، أن نطمع في رحمة ربنا بالعبادات وحدها، دون التواصي بالمرحمة في معاملاتنا، والله تعالى يقول: { فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴿11﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ﴿12﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿13﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴿14﴾ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿15﴾ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ﴿16﴾ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴿17﴾ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَة } (سورة البلد).

فهيا بكل همة وعزيمة ووثوق الى ما فيه رضا الله ورحمته، " فالراحمون يرحمهم الرحمن".

                           

بادرْ إلى الخيرِ يا ذا اللـبِّ مغتنمَـا ...  ولا تكنْ مِن قليلِ العُـرفِ مُحتشمـا 

واشكرْ لمولاك ما أولاك من نعــمٍ  ... فالشكـرُ يستوجبُ الآلاءَ والكـرَمـــا 

وارحـمْ بقلبِك خَلـقَ الله وارعَهُــمُ  ... فإنَّمـا يرحــمُ الرحمـنُ مَـن رَحِـمـــا

 

  نسأل الله تعالى أن يحيي قلوبنا بالايمان، ويملأها محبةً له ورحمة بعباده، وهو الرحمن الرحيم.

 

 

 

 

 

 

                                              

 

 

 

 

 

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح

النظرة الايجابية واثرها

الحمد لله الذي أمر عباده بالجد والاجتهاد، والسعي لما فيه مصلحة العباد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك جعل السعي إلى الكمال الإنساني طبيعة بشريّة، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، علّم أمته معاني الهمّة والعزيمة، والايجابية وغرس فيهم قوة الإرادة والشكيمة