المولد النبوي امل في زمن الانكسار

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 25 نوفمبر 2017 الساعة 05:49:48 مساءً

كلمات دلالية :

المولد النبوي
المولد النبوي امل في زمن الانكسار

الحمد لله الذي خصنا بخير رسله، وأنزل علينا أكرم كتبه، وشرع لنا أكمل شرائعه، أحمده سبحانه وأشكره، لا أحصي ثناء عليه، أكمل لنا الدين، وأتمّ علينا النعمة، فقال جل من قائل كريم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} [المائدة:3]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم

ايها المسلمون :لقد كَرّمَ الباري عزّ وَجَلّ نبيه المصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم فجعله سيد ولد آدم ولا فخر، وجعل مولده نورا وبركة اهتز له عرش كسرى وانطفأت به نار فارس بعد أن ظلت مشتعلة ألف عام، وربط الله بين محبة المصطفى وبين وجوب إتّباعه: بقوله: "قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبّوُنَ اللهَ فإتّبِعُوُنِيْ يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ" (آل عمران 31)... وجعل سبحانه وتعالى طاعة رسوله من طاعته عز وجل "مَنْ يُطِعِ الرَسُوُلَ فَقَدْ أَطاعَ اَللهْ" (سورة النساء 80)، واختصه بما لا يعد ولا يحصى من المناقب والمفاخر عجز العلماء عن حصرها وعدّها طيلة قرون، رغم ما ألفَّ في ذلك من آلاف الصفحات. فلايحصل الإيمان ولايتم إلا بمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتّىّ أكوُنَ أحَبُّ إليْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدهِ وَالناسِ أَجْمَعيْن" رواه البخاري ومسلم، وجعل الله الشهادة بنبوّته ركنا من أركان الإسلام، واختّصه بمعجزة الإسراء والمعراج، وجعل الملائكة دائمة الصلاة عليه "إنَّ اللهَ وَمَلائِكتَهُ يُصَلّوُنَ عَلىْ النَبِيّ" (الأحزاب 56)، وأيّده بالمعجزات والبراهين وبعثه للناس أجمعين عكس باقي الأنبياء والمرسلين الذين أُرسلوا الى أُمم بعينها وذواتها، وختم الله به الرسالات وأرسله للناس بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. ومن تمام الكرامات أن حظيت أمته صلى الله عليه وسلم، أمة الإسلام، بالتكريم وعلو الشأن، ورفع الله قدرها فوق باقي الأمم "كُنْتُمْ خَيْرَ أمّة أُخْرِجَتْ للنْاسِ" (آل عمران 110) وما ارتفعت هذه الأمة وما شُرِّفت إلاّ بهِ صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى "لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلىْ المُؤْمِنيْنَ إذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلوُ عَلَيْهِمْ آيْاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ". (آل عمران/164)

لقد كانت ولادته صلى الله عليه وسلم نقطة تحول في تأريخ البشرية، التي كانت قبل بعثته تعيش عصرا من الظلام تسوده كل صنوف الزيغ وتتخبط في كل أنواع الظلالات، وكان الناس في الجاهلية يتقاتلون لأتفه الأسباب، ويتخذون من الغارات مصدراً للارتزاق ويئدون البنات مخافة الإملاق ويعبدون الأصنام، فاستطاع صلى الله عليه وسلم أن يؤلف القلوب وينير الأبصار وينقي العقول ويشحذ العزائم ويرفع الهمم، وصدق الله تعالى إذ قال: "واَذْكُرُوْا نِعْمَةَ اَللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً فَألّفَ بَيْنَ قُلوُبِكُمْ فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوْاناً" (آل عمران 103)، وعبّر عن ذلك الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حين قال: "لقد كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير".

لقد كان يوم ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم في يوم الأثنين، يوم سعادة دائمة للبشر وكل كائنات الوجود، وكان صلى الله عليه وسلم يحبّ يوم (الإثنين). فقد روى (مسلم) في صحيحه في كتاب الصيام عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أنه قال:سُئلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل صوم يوم الإثنين، فقال: هذا يومٌ وُلدتُ فيه وأُنزلَ عَليَّ فيه"، وأخرج الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال "ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين واستنبئ يوم الإثنين وخرج مهاجرا يوم الإثنين وقدم المدينة يوم الإثنين وتوفي يوم الإثنين".

إن ذكرى المولد النبوي الشريف هي مناسبة وفرصة لكل مؤمن كي يتذكر اصطفاء الله عز وجل للنبي المصطفى من بين كل الخلائق، وإصطفاءه لنا من بين كثير من الخلق لنكون من أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن أتباعه، ولا شك أن الفرح بهذا الإنتساب يجب أن يتناسب مع ما يستحقه من محبة واتباع لنهج المصطفى، وإلتزام بهديه، كما يجب أن تكون هذه الذكرى موعظة لكل منا يرى فيها حال المسلمين والعرب اليوم الذين تداعى عليهم الأعداء والكارهون، كما تتداعى الأَكَلَةُ إلى قصعتها لأن المسلمين والعرب باتوا اليوم غثاءً كغثاء السيل، لا تغني عنهم كثرتهم العددية ولا ثرواتهم الطائلة، ماداموا بعيدين عن منهج الحق الذي جاء به صاحب الذكرى العطرة.

ايها المسلمون :لقد جاء مولد النبي محمد  في مرحلة امتلأت فيها الدنيا جورا واختل ميزان العدل، وتاه الحق، وانتشر الظلم والفاحشة، وتغلب القوي على الضعيف، وفسدت الأخلاق، وضاع الوحي. يصف جعفر بن أبي طالب  الحالة التي كان عليها الناس قبيل بعثة النبي محمد  للنجاشي فيقول: (أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام... -فعدد عليه أمور الإسلام-، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من دين الله).

لقد جاء مولد خاتم الأنبياء إيذانا ببدء إصلاح المجتمعات الإنسانية ومحاربة الفساد الأخلاقي والفوضى الاجتماعية والظلم الاجتماعي. لقد جاء مولد الحبيب محمد  ليرد قضية العدل إلى نصابها، وينشر معاني الحق، ويحارب الظلم، ويناهض الباطل.

والمتأمل لسيرة النبي  قبل البعثة وبعدها يجد أنه  قد جسد على أرض الواقع القدوة والنموذج الذي يحتذى في دفع الظلم ونصرة المظلومين والوقوف إلى صف المستضعفين.

ايها المسلمون :هذه المناسبة يجب ان تكون ذكرى لكل مؤمن يتذكر فيها حاله مع الله عز وجل وموقعه عن ما أمره الله عز وجل من اتباع النبي صلى الله عليه وسلم واتباع هديه حتى يكون من الصادقين المصدقين  به "يَا أيُّها الذّينَ آمَنوُا إتّقوُا اللهَ وَكوُنوُا مَعَ الصَادقين". (التوبة/119)

عباد الله، إن ميلاد خاتم الأنبياء والمرسلين لم يكن ميلاد رجل فقط، بل كان ميلادا لأمة اختارها الله لتقوم بدور الشهادة على العالمين، أمة اختارها الله لتكون حجة له على الناس يوم القيامة، مصداقا لقوله عز من قائل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: 143].

إن ميلاد النبي محمد  هو ميلاد أمة أوكل الله إليها وظيفة إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، كما قال ربعي بن عامر الجندي المسلم البسيط لرستم قائد جيوش الفرس في معركة القادسية.

إن ميلاد النبي  ليس عيدا، ففي الإسلام عيدان فقط: عيد الفطر وعيد الأضحى، لكنه مناسبة لتجدد الأمل في الأمة ومنع الشعور باليأس أن يتسلل إلى نفوس أبنائها أو عقولهم أو قلوبهم؛ لأن هذه الأمة لا تعرف اليأس ولا ينبغي لها أن تعرفه، مصداقا لقول ربنا: إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87].

إن ميلاد النبي  ليس عيدا، لكنه مناسبة جليلة للذكرى والاعتبار واستلهام الدروس، ولعلنا نستبشر بهذه المناسبة في هذه الأيام بميلاد جديد للأمة الإسلامية، وقد شاءت إرادة الله عز وجل أن تولد هذه الأمة من جديد من الحين إلى الحين، يقول الرسول : ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)).

لعلنا نستبشر في ذكرى مولد سيد ولد آدم بميلاد جيل جديد يأبى الظلم ويأبى الذل، ويسعى لتحقيق العزة والكرامة للأمة، ويعيد لها مجدها ويقف في وجه خصومها وأعدائها.

لعلنا نستبشر في ذكرى مولد خير العباد بميلاد الجيل الذي يعيد فلسطين ويحرر الأقصى ويطهر مسرى رسول الله من دنس الصهاينة المعتدين، جيل يحرر كل أراضي المسلمين .

الجانب العملي للهجرة النبوية

ثم أما بعد: عباد الله: هاهي الأيام تنقضي، والأعوام تنصرم، والأعمار تنقص، والأجل يقترب، فبالأمس القريب كنا نستقبل عاماً جديداً واليوم نودعه، قدمنا فيه ما قدمنا من الأعمال والأقوال وامتلأت الصحائف بما كتبه الكرام الكاتبون.وها نحن اليوم بخروج عام ودخول عام نتذكر والذكرى تنفع المؤمني

أسس بناء المدينة الفاضلة من خلال الهجرة النبوية

إن في هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - منهجاً ودستوراً فريداً لبناء المدينة الفاضلة التي تقوم على الإيمان والعدل والتي تبنى على التضحية والفداء، وإليكم عباد الله أسس المدينة الفاضلة.. ليست مدينة سقراط ولا أرسطو.. وإنما مدينة محمد صلى الله عليه وسلم، مدينة تجسدت فيها القيم والأخل

خطبة عيد الفطر لعام 1438هـ

إن تاريخ أُمَّتناالإسلامية، تاريخ ناصع مشرق، فقلِّبِ النظرَ في صفحاتِه ومَسَاربِه،لترى أنَّ عِزَّ الأمةِ وشَرَفَها مَرْهُونٌ بِتَمَسُّكِها بشريعةِ السماء،وذُلُّها وهوانُها هو بِقَدْرِ بُعْدِها عن هداياتِالقرآنِ. نعم...تَغَيَّرتْ أمَّتُنا عبرَ تاريخِها للأسوأِ ،وذاقَتْ مَرَارَاتِ