من معالم التربية النبوية (5)

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 الساعة 03:01:10 مساءً

كلمات دلالية :

الصلاة
من معالم التربية النبوية (5)

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-( صل صلاة مودع كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك،وايأس مما في أيدي الناس تعش غنيا، وإياك وما يعتذر منه )

"ولا تنال المروءة إلا بعلو الهمة وشرف النفس، لأن علو الهمة هو الدافع على التقدم، ولذلك كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: لا تصغرن هممكم، فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم. وأما شرف النفس فإن به يكون قبول التأديب، فالنفس إذا شرفت كانت للآداب طالبة وفي الفضائل راغبة .. قيل للأحنف بن قيس: بما سؤددك؟ قال: لو عاب الناس الماء لم أشربه. وكان رحمة الله عليه يقول: الكامل من عدت سقطاته، ويقول: جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصافا لفرجه وبطنه. وكان إذا أتاه رجل وسع له فإن لم يكن له سعة أراه كأنه يوسع له، وكان الخليل بن أحمد الفراهيدي إذا أفاد إنسانا شيئا لم يره بأنه أفاده، وإن استفاد من أحد شيئا أراه بأنه استفاد منه, ويروى أن الشافعي كان مارا بالحذائين فسقط سوطه، فوثب غلام ومسحه بكمه وناوله، فأعطاه سبعة دنانير، وكان محمد بن جرير الطبري إذا أهدى إليه بعض أصدقائه الشيء يقبله ويكافئه أضعافا لعظم مروءته"  ( 66 )

إن المروءة إذا كانت تقتضي الإعراض عن كثير من الملذات، فإن في المروءة نفسها لذة تفوق كل النعم كما قال الشاعر:   

               تلذ له المروءة وهي تؤذي             ومن يعشق يلذ له الغرام

والمروءة ثلاث درجات .. يقول عنها ابن القيم:

"الدرجة الأولى: مروءة المرء مع نفسه: وهي أن يحملها قسرا على ما يجمل ويزين، وترك ما يدنس ويشين، ليصير لها ملكة في العلانية.

والدرجة الثانية: المروءة مع الخلق، بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء والخلق الجميل، ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه، وليتخذ الناس مرآة لنفسه، فكل ما كرهه ونفر عنه من قول أو فعل أو خلق فليجتنبه، وما أحبه من ذلك واستحسنه فليفعله، وصاحب هذه البصيرة ينتفع بكل من خالطه وصاحبه من كامل أو ناقص، وكثير من الناس يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضادها، كما روي عن بعض الأكابر أنه كان له مملوك سيئ الخلق غليظ لا يناسبه، فسئل عن ذلك؟ فقال: أدرس عليه مكارم الأخلاق.

الدرجة الثالثة المروءة مع الحق سبحانه وتعالى، بالاستحياء من نظره إليك واطلاعه عليك في كل لحظة ونفس، وإصلاح عيوب نفسك جهد الإمكان. (67)

وخوارم المروءة عديدة جمعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه المقولة البليغة من هذا الحديث (وإياك وما يعتذر منه) ونذكر لها بعض المظاهر التي تندرج تحت هذه القاعدة (68 )

-       اتباع الهوى: فإن من لا دين له يؤثر ما يهواه، وإن أداه إلى هلاكه في الآخرة، لضعف ناهي الدين، ومن لا مروءة له يؤثر ما يهواه، وإن ثلم مروءته أو عدمها، لضعف ناهي المروءة، فأين هذا من قول الشافعي: لو علمت أن الماء البارد يثلم مروءتي لما شربته.

-       الاستخفاف بالناس والتشهير بهم: وخاصة العلماء والدعاة، فالمبالغة والتهويل في نقد الغير غفلة عن عيب النفس، يقول ابن القيم: من قواعد الشرع والحكمة أيضا أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل منه مالا يحتمل لغيره ويعفى عنه مالا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه لا يحتمل أدنى خبث.

-       الإعلان بالفسق والفجور: حيث يقول السرخسي: ولا مروءة لمن يكون معلنا بفسق شرعا.

-       البول على قارعة الطريق المسلوكة، وفي الأماكن العامة.

-       التصريح بأقوال الخنا وما يستبشع في الملأ من غير حاجة ولا ضرورة.

-       الرقص والغناء والصفق بالأكف: وفي ذلك يقول النووي في مبحث رد الشهادة: ومن لا مروءة له كالرقاص.

-       سؤال الناس: يقول ابن القيم: وأما ظلمه لنفسه، فإنه أراق ماء وجهه، وذل لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين ورضي لها بأبخس الحالتين، ورضي بإسقاط شرف نفسه وعزة تعففه وراحة قناعته، وباع صبره وتوكله وقناعته بما قسم له، واستغناءه عن الناس بسؤالهم، وهذا عين ظلمه لنفسه إذ وضعها في غير موضعها، وأخمل شرفها ووضع قدرها وأذهب عزها، وصغرها وحقرها، ورضي أن تكون نفسه تحت نفس المسئول، ويده تحت يده، ولولا الضرورة لم يبح ذلك الشرع.

-       مجالسة أهل الأهواء والبدع وصحبة الأراذل: لأن مجالستهم تذهب بهيبة المرء وتحط بإيمانه وتذري بإسلامه، فإن لم يسلك مسلكهم شاركهم في وزرهم، ولم يزل الصالحون يتناهون عن الهوى والمراء فيه ويحثون على التمسك بأهداب السنة والعض عليها بالنواجذ، وقد سأل ربيعة الإمام مالك من السفلة يا مالك؟ قال: الذي يأكل بدينه. قال: فمن سفلة السفلة ؟ قال الذي يأكل غيره بدينه.

-       سوء العشرة مع الأهل والجيران وشتم الناس أو الدواب: وقد كان أبو الحوزاء الربعي لا يلعن شيئا قط، ولم يأكل شيئا لعن قط، حتى أنه كان ليرشو الخادم في الشهر الدرهم والدرهمين حتى لا يلعن الطعام إذا أصابه حر التنور.   

_______________

الهوامش والمصادر

( 66) المصدر السابق ص 313  (67) مدارج السالكين / ابن القيم / دار الحديث – القاهرة ج2 ص 367   (68) اقتبسنا هذه المظاهر من موسوعة صلاح الأمة في علو الهمة، د/ سيد العفاني / مؤسسة الرسالة ج5 ص329-355

المحافظة على مراتب الأعمال ونسبها الشرعية

من دلائل الحكمة التي ينبغي أن يحرض عليها الخطاب الديني الإسلامي المعاصر: المحافظة على مراتب الأعمال وقيمها ونسبها الشرعية، وقد ناقشت هذه القضية من قديم في كتابي «الصحوة بين الجحود والتطرف» فقد رأيت من الخلل الواقع في فهم كثير من فصائل الصحوة الإسلامية، والجماعات الدينية، وكثير من

محطات بين الشبهة والشهوة (3)

ولما كانت الشُّبُهَات بهذه الخطورة كان السلف رحمهم الله يحرصون على البعد عنها وعن المجالس التي تورد فيها الشُّبُهَات، جاء في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، وغيره: "دخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله

محطات بين الشبهة والشهوة (2)

وقال ابن القيم - رحمه الله -: "الفتنةُ نوعان: فتنة الشبهات - وهي أعظم الفتنتين -، وفتنة الشهوات، وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما. ففتنةُ الشبهات من ضعفِ البصيرة وقلَّة العلم، ولاسيَّما إذا اقترنَ بذلك فسادُ القصد وحصولُ الهوى، فهنالك الفتنةُ العُظمى والمصيبةُ الكبرى، فقل م