أمطار الحب

التاريخ: الإثنين 9 اكتوبر 2017 الساعة 08:14:37 مساءً

كلمات دلالية :

الازواجالحب
أمطار الحب

كم مرة اشتاقت نفسُك إلى لَمسةٍ حانيةٍ من يدِ حبيبِك؛ لتُعيد إليك الإحساس برَوْنق الحياة!

 

وكم مرة تاقَتْ أذنُك إلى سماعِ كلمة (أُحبُّك) من قلبٍ تحبه نفسُك وتهواه!

 

ماذا لو رأيتَ مَن جعلتَ له قلبَك وطنًا يسكنُه ويعيش في رحابه، يُفاجِئك بكلمةٍ حنونٍ كلُّها حب، ولَمسةٍ دافئة كلُّها رحمة ووُد؟!

 

ماذا لو صاحَب هذه الكلماتِ قَسَمٌ يُخبِرك مِن خلاله أنَّ لك في قلبهِ مكانًا وموضعًا؟!

 

أي مشاعر ستنتابك لحظتها، بل وأي فرحة ستغمرك وتُسعد مُهجَتك؟!

 

فلنَعُدْ بذاكرتنا إلى الماضي البعيد، هناك في المدينةِ المنورةِ؛ حيث كان يعيش النبي صلى الله عليه وسلم.

 

في ذلك اليوم الذي أشرقَتْ أنوارُه على قلبِ معاذ بن جبل رضي الله عنه، حين أمسَكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فجأةً بيدَيْه، ثم قال له: ((يا معاذُ، واللهِ إنِّي لأُحبُّك، والله إني لأحبك))!

 

تُرى كيف كان إحساسُ معاذٍ رضي الله عنه في هذه اللحظة؟!

 

كيف استقبلَتْ يداه هذه اللمسةَ الحانيةَ؟ وكيف داعبَتْ أذنَيْه هذه الكلماتُ الدافئة؟ بل وكيف كان حال نبض قلبه وهو يمرُّ بهذه الأحاسيس الرائعة؟!

 

سأعودُ معكم الآن بالزمن إلى هذه اللحظاتِ التي نعيشُها؛ لأسأل كل مَن يقرأ كلماتي هذه سؤالًا بسيطًا، ولكنه سيكشف لنا أبعادًا عميقة في حقيقة عَلاقاتنا:

 

تُرى مَنْ أحبُّ الناس إلى قلبك ممَّن حولك؟

 

والداك؟ شريك حياتك زوجةً أو زوجًا؟ أولادك؟ أصدقاء العمر؟

 

تُرى هل تُعبِّر لهم عن حبِّك هذا بالكلمات واللمسات، أم أنَّك تحتفظُ بالحب داخل قلبك وأنت على يقينٍ أنَّك لا تُقصِّر في حقوقهم العاطفية؛ لأنك تمنحهم من الأفعال كلَّ ما هو لطيف وجميل؟

 

أتعتقد أن هذا وحدَه يكفي؟!

 

أتظن أنَّ كل النفوس تُشبِع الأفعالُ الجميلة وحدَها ظمأَ قلبها؟

 

لو كان الأمر كذلك، فَلِمَ عبَّر النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذٍ عن حبه بالكلمات الدافئة، واللمسة الحانية؟!

 

إنَّ للحبِّ فنونًا عميقة ودقيقة، لا يُتقِنها إلا القليلون، ولربما كان عدم إتقان هذه الفنون سببًا رئيسًا لانقطاعِ حلقات التواصل الإيجابيِّ بين الكثيرين ممَّن تجمعهم عَلاقات قوية وأساسية في الحياة؛ كالعَلاقات الزوجية، فإذا بالزوجين اللذين كان يحمل كلٌّ منهما عظيمَ الحب للآخر، إذا بهما ينفصلان نفسيًّا رغم ما بينهما من مشاعر؛ لأنها مشاعر مدفونة، غطاها التراب ووراها الثرى، فصارت بلا طعم ولا تأثير.

 

فماذا لو اقتدى كلُّ زوج برسول الله صلى الله عليه وسلم، وانطلق إلى شريك الحياة باسمًا، فأخذ بيدَيْه بدفء قائلًا له: ((واللهِ إني لأُحِبُّك))!

 

أظنُّها ستكون هديةً رائعة لقلوبٍ عَطْشَى للحب، تَتُوق لسماع مثل هذه الكلمات الحنون من أقرب الناس إليها.

 

زوجتُك زهرةٌ نديَّة تحتاج مَن يرويها لتنتعش وتتفتح أنوثتها لك، زوجتك لن تجد مَن يروي هذا الظمأ غيرك أنت، فلا تبخَلْ عليها ولا على نفسك بهذه اللحظات التي ستُعيد إليكما الحياة.

 

وأنتِ أيتها الزوجة الذكية، ماذا يمنعُكِ أن تقوليها لزوجِك بمنتهى الحب والرقة، وغيرُكِ من العاشقات يغمُرْن بها آذانَ عُشَّاقهن في الحرام؟!

 

قولِيها له بحبٍّ، ولا تتْبعيها بعتاب أو بقائمة لطلبات المنزل، اجعَلِيها خالصةً مُخلَّصة لله، وانتظري ثمارَها ولو بعد حينٍ، وتذكَّري أنَّ الشجرةَ لا تطرح ثمارها بعد أول ريَّة لها، بل تحتاج إلى مرات ومرات لكي تنبض مرة أخرى بالحياة.

 

((واللهِ إني لأُحِبُّك))، كلمةٌ لو أخلصنا النيَّة ونحن نقولها، لربما أعادت النبض إلى قلوب الأزواج والزوجات، وأعادت دماء الحب في عروقهم من جديد.

 

وأنت أيها الوالد الكريم، هل جرَّبت أن تضمَّ يد أبنائك إليك بحبٍّ لتُخبِرهم بأنك تحبُّهم؟

 

تحبهم حبًّا غيرَ مشروط، تُشعرهم أنك تحبهم، وإن كان فيهم من العيوب ما فيهم؛ فالحب الفيَّاض داخل قلبك يجعلُك تحتوي أخطاءهم، وتقفُ إلى جوارهم حتى يتخلَّصوا من هذه العيوب دون عناء الخوف من افتقاد الحب والاحتواء، ودون الوقوع تحت طائلة الحب المشروط؟

 

تخبرهم بحبِّك، وتُشعرهم بهذه الكلمة الطيبة أنَّك لهم سماءٌ تُظِلُّهم، وأرض تأويهم وتضمُّهم، حتى وإن بدا منهم بعضُ التقصير؟

 

لو اتَّبع الآباءُ هذا النهجَ الإسلاميَّ، وأدرَكوا أن كثيرًا مِن الأخطاء يُعالَج بالحب والرحمة والود، لَما رأينا شبابنا انغمسوا في الحرام، وأصروا على العقوق والعصيان.

 

انظر أيها الوالد الكريم كيف قدَّم النبي صلى الله عليه وسلم النصيحة لمعاذ بن جبل وهو في سن الشباب:

 

قال له: ((يا معاذُ، واللهِ إنِّي لأُحبُّك، والله إني لأحبك))، ثم قال له بمنتهى الرفق وبكلمات معدودةٍ: ((أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)).

 

لقد مهَّد للنصيحة بالحب، وأكَّد الحب بالقَسَم، وأكَّد القسم بالحب بتَكراره، ثم ذيَّل ذلك كلَّه بنصيحة خفيفة، وكأنَّها رسالةٌ تربوية من سيِّد المربِّين صلى الله عليه وسلم يقول لنا فيها:

 

"حين تنصَحُ ولدك، أو تلميذك، أو أيًّا مِن البشر، قدِّم للنصيحة بشيءٍ يكسِرُ أيَّ حاجز نفسيٍّ سلبي؛ فالنصح ثقيل على النفس، مهِّد لها بنثرِ زهور الحب في عقل المتلقِّي؛ كي تتقبَّل نفسه ما يتلقاه من كلماتك، ولا يضع عقلُه الحواجزَ النفسية أمام نصائحك وتوجيهاتك".

 

الحب غِلاف راقٍ وجذَّاب، يجعل النصيحة هدية مقبولة، بل ومحبوبة، فلا تحرِمْ أبناءك من النصح الجميل.

 

والآن فتِّش في صفحات عَلاقتك بأبنائك، وانظر هل اعتراها الفتورُ أو اللامبالاة مِن قِبَلِهم؟

 

هل تمزَّقَتْ بعضُ الأواصرِ التي تجمَعُك بهم؟

 

هل تُعاني من عقوقهم، وعدم اكتراثِهم بتوجيهاتك ونصائحك؟

 

إن كان الأمر كذلك، فجرِّب أن تستخدم كلمات الحب، ومؤكَّدٌ أنها ستُعيد إلى هذه الصفحات رَوْنقَها وضياءها ولو بعد حين.

 

دعُونا الآن ننتقل من دائرة الأسرة إلى خارجها قليلًا؛ حيث الأصدقاء الذين تجدُ في كَنَفِهم السلام والراحة العميقة، والشعور بعَبَق الذكريات الرقيقة.

 

اتَّصِل بصديق العمر، قل له: أحبك، اجعَلْها كلمةً عميقة تخرُجُ من القلب، وثِقْ أن مردودَها سيكون جميلًا، وسيوطد الحب بينكما، قُلْها دون تردد ودون خجل، فليس في الدنيا كصديقٍ يشغَلُه حالك، ويهتم لأمرك، صديق يعتبر سعادتك جزءًا من سعادته، وحزنك أكبرَ أسباب تعاسته، أفلا يستحق مثل هذا الصديق أن تقولَ له بحب وبصدق: ((واللهِ إنِّي لأُحبُّك))؟!

 

قولوها ولا تتردَّدوا.

 

أخبِروا بها أزواجكم، وزوجاتِكم، وأبناءكم وأصدقاءكم.

 

أخبروا بها كل مَن له في قلوبكم موضع.

 

وضَعُوا في حسبانكم أنَّ الحب له فنون كثيرة، وله براهينُ يُستَدَل بها عليه، فمَن يُصِر على أن الحب أفعال فحسب، فهو غير مُلِمٍّ بالأساليب النبوية والفنون الإسلامية في التعبير عن الحب.

 

قولوها بقوة وحيوية، وتذكَّروا أن الحب لو كان أفعالًا فحسب، لاكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بعظيم أفعاله، وجميل تصرفاته، مع زوجاته وأصحابه وأحبابه!

 

لو كان الحب أفعالًا فحسب، لَما سمِعنا حديث الحب الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين معاذ رضي الله عنه، ولَما وجدناه يقول له: ((واللهِ إنِّي لأُحبُّك)).

 

للحب فنون عميقة فأتقِنوها، ولا تجعلوا الحياة تمضي بينكم وبين أحبابكم وكأنكم تعيشون في صحراء جرداء، أفيضوا على قلوب أحبابكم بماء التعبير عن المشاعر؛ لتنموَ زهورُ المودة والرحمة والتفاهم، ولتُزهِر أشجارُ العَلاقات الإنسانية بينكم وبين مَن حولكم عن أطيب الثمر بإذن الله.

 

وتذكَّروا القاعدة الأولى من قواعد وفنون الحب في الإسلام:

 

كلمات الحب الدافئة غيثٌ ينزل على الأرض الميتة فيُحْييها بإذن الله؛ فأَحْيُوا قلوبَ أحبابكم بأمطار الحب، تَسْعَدوا.

الطلاق الصامت

دخل أبو عبدالعزيز البيت، وكعادته كان متعبًا من العمل، فوجد البيت ساكنًا هادئًا. ما أجملَ الهدوء! لكن الأمر لَم يكن كما يريد. سرتْ إلى جسده رعشةٌ خفيفة من قلقٍ، وخالطته الوساوسُ حول زوجته، وسرعان ما بدت الحقيقة، وأصبحت الوساوس حقائقَ موجعة، وواقعًا أليمًا! نعم، ها هي أم ع

انعدام الغيرة في الحياة الزوجية

تحفل مواضيع الكتَّاب من مقالات وغيرها بعناوينَ متقاربةِ اللفظ والمضمون عن شدة الغيرة الهدامة في الحياة الزوجية. هذه الغيرة التي تحوِّل حياة الزوجين إلى جحيم ملتهب المشاعر؛ وذلك بسبب القيود الخانقة التي يعقدها أحدُ الشريكين أو كلاهما على الآخر ليؤول المآل بعدها إلى صراعٍ حامي الو

لكي يدوم الحب بينكما

تحتاج الحياة الزوجية بين حين وآخر إلى محفزات تعيد لها رونقها وحيويتها، وتخرجها من الرتابة وتكسر حدة الروتين اليومي، وتأخذها بعيدا إلى دنيا البهجة ورحابة السعادة. وللأسف البعض منا يستسلم لواقعه ويترك الفرصة للظروف والأحداث تدير حياته كيف تشاء، فيغرق في دوامة الحياة ولا يعرف أين مف