كيف تربي بهدوء؟

التاريخ: الإثنين 9 اكتوبر 2017 الساعة 08:11:01 مساءً

كلمات دلالية :

الابناء
كيف تربي بهدوء؟

تأملتُ في الناجحين فوجدتُ صفاتٍ مشتركةً كانتْ أكبر مُعين للوصول إلى هذه المرتبة، سواء كان نجاحهم إداريًّا، أو ماليًّا، أو علميًّا، أو تربويًّا.

 

لهذا تفكرتُ في الصفات المشتركة التي ألمحها في الناجحين في تربية أبنائهم، فما رأيتُ أظهرَ مِن هذه الصفة التي تعتبر الأب الروحي لكل نجاحٍ تربويٍّ يُحققه المرءُ مع أبنائه، وعلى العكس إن فُقِدتْ صارت بوابة كبرى لكل آفة؛ فمَن فقدها يشكو أنه لا ينتفع بحضور الدورات ولا قراءة الكتب التربوية، وتجده أكثر الناس صراخًا ونقدًا وشكوى ومقارنة، فلا هو مستريح مع نفسه، ولا مريح لمن يُربي... إنها الاتزان الانفعالي.

 

أيتها الأم، مزيدًا مِن الهدوء، مزيدًا من الاسترخاء، مزيدًا مِن الرفق، مزيدًا مِن التحكم في الانفعالات.

 

أكبر تحدٍّ في التربية أنك تتعاملين مع طفل ناقص الخبرات، وغير تام المعارف، وقد يَعيش في بيئة ناقصة مِن حيث القدوات والمحفِّزات؛ لهذا كان وقوعُه في الخطأ أقرب وأسهل مِن فِعْله للصواب.

 

أظنُّ أنَّ السؤال الأكبر الذي يطرَح نفسه: كيف تستطيع هذه الأم أن تصبرَ وتهدأ ولا تنفعل مع هذه الضغوط التي نحياها، ومع هذه الأخطاء المتكرِّرة مِن الأولاد؟!

 

بعد نقاشاتٍ وحواراتٍ مع مَن يتمتَّع بهذه الصفة الذهبية، وجدتُ وكأن هناك جذورًا في داخلهم هي سبب هذه الثمرة، دَعْني أُعدِّدها لك في نقاط محددة (جذور الاتزان الانفعالي).

 

1- لا تتوقع الكمال من الطفل:

 

شتان بين أم تنتظر مِن طفلها فعلًا تامًّا، وأخرى تُدرِك أن الطفل مِن حقه أن يُخطِئ، بل تعتبر هذه فرصةً للتعلم والتغيير، تأمَّل حينما تشكو الأمُّ مِن أن طفلها مُقصِّر مع واجباته، وأنها تخاف عليه مِن الضياع، وأن العالَم لا يقبَل إلا المتميِّزين، ثم اسألِ الأم: كم عمر ولدك؟ فتقول: في الحضانة!

 

وتأمل قدرَ الانفعال والتوتر الذي تُعاني منه الأم كأن الولد على أعتاب الجامعة، أو أن الأم تنتظر منه أداءً يفوقُ عمره، وكثيرًا ما أواجه الأمهات بعد شكواها من ابنها، فأقول لها: تخيَّلي أنكِ في سن الطفولة، ماذا تحتاجين من والديكِ؟ فتسمع مَن تطلب لعبةً، أو حضنًا، أو حلوى أو عدم ضربٍ، لنذكرها بعالم الطفولة الذي يحياه ذلك الصغير، ليس عالَمكِ أيتها الأم، وأظن أن السبب خلف هذا هو عقد الآمال العِظام على أطفالنا، فتنتظر الأم مِن ابنها ما قد تكون هي قد عجَزتْ عن بلوغه، وتعتذر إلى نفسها بأن الأجواء لم تكن بمثل ما يعيش فيه أبناؤها! وهذا خداعٌ للنفس، فالأصل أن أحلام المرء تنعقد على نفسه وأهدافه أن يقوم بها هو؛ فمسؤوليَّته عن نفسه أتم وأكبر عقلًا وشرعًا، لهذا قيل: عامله رجلًا وحاسِبْه طفلًا.

 

2- افهَم دورَك ووظيفتك:

 

حينما يتأمَّل المرء موقفَ يعقوب عليه السلام في جوابه وحواره مع أبنائه، مع عِظَم ما قاموا به، وتستحضر في المقابل مشهد الأم أو الأب الذي اكتشف أنَّ ابنه أخذ شيئًا دون إذن، ثم بدأ الأب ينهال على نفسه بالتوبيخ والتنقص: أنا أضعتُ أبنائي! ويشعر بالذنب مع عدم تقصيره!

 

عقليةُ أنا المهتم في كل أخطاء أبنائي أكبرُ دليلٍ على غياب فهم الدَّور المطلوب من الآباء، لهذا انتَبِهْ، إنما عليك التوجيه والإرشاد، والتعليم والتهيئة، والإشباع للاحتياجات، والنتائجُ لا تمتلكها أنت، بل لا يملكها نبيٌّ من الأنبياء! فهمُك لدورِك يجعلُك أهدأ تُجاه أخطائهم.

 

إن مفهوم المسؤولية في علم النفس يعني: أن كلَّ واحد فينا مسؤول عن أفعاله وأفكاره ومشاعره فقط، ولست مسؤولًا عن أفعال أو أفكار أو مشاعر غيري، ازرع ذلك في أبنائك؛ إن رأى منك ولدك فكرةَ أنك مسؤول عن فشله، زاده ذلك تأخرًا لهذا، بل قُلْ: هذه مسؤوليتك، وأنا أساعدك في الخروج من هذا التحدي والمشكلة، ولا تتحمل همَّ أنظارِ الناس أو تنافس بأبنائك أحدًا من الخلق، فهم أعز وأغلى من ذلك.

 

3- تعلم مهارات التربية:

 

شتان بين أم تطلب من أبنائها بأسلوب الأوامر التكليفية المباشرة: قُمْ ذاكر، قم نم؛ قم اشترِ كذا! ولا تعرف مثلًا عن مهارت التوجيه شيئًا، وبين أم أخرى تعلمها وتطبِّقها، وتعلم أن هناك طلبًا بالسؤال، فتقول لأبنائها: متى ستقوم للمذاكرة؟

 

وتعلم أن هناك طلبًا بالمشاركة، فتقول: تعالَ نذاكر.

 

وتعلم أن هناك طلبًا غيرَ مباشر من خلال قصة شائقة تتخللها بسمة.

 

إياك أن تظن أن استجابة الوالدين واحدة!

 

شتان بين أم تعلم مهارة العقاب، وأنها لا تساوي الضرب، فإذا فوجئت مثلًا أن ابنها كسر كوبًا، وسكب ما فيه، فطلبت من الطفل تصحيحَ ذلك بيده، تَعلَّم أن مَن أفسد شيئًا عليه إصلاحه، ولم تُهِنْه أو تُوبِّخه.

 

وأخرى صرخت وشتمت وأهانت، ولم تعلم عن مهارات تصحيح الخطأ شيئًا، فهذه تمتلك فنيات وسيناريوهات واضحة في ذهنها، وقد يصدُّ الآباءَ عن تعلم المهارات التربوية قناعة البعض أننا تربَّينا بدون فهم آبائنا لهذه المهارات، وخرجنا أسوياء ولم تصدر منا ربع مشاكل أبنائنا؛ هكذا قالت لي الأم!

 

لكني أردت أن أردَّ عليها ردًّا عمليًّا، فأخذت اختبارًا للصحة النفسية العامة، وأجرَيْتُه عليها؛ لتشاهد بنفسها هل نحن أسوياء، ولم نتأثَّر بهذه الأساليب، لتشاهد بنفسها كيف انحرف الواحد فينا عن السواء النفسي، ومِن أسباب ذلك الأساليب التربوية الخاطئة، فظهر لها صِدْق الكلام! فتعلُّم مهارات التربية؛ كمهارات التقييم، ومهارات الثواب والعقاب، ومهارة التوجيه وغيرها، يُعينك على الاتزان والصبر.

 

4- افهمْ نفسك:

 

حُسن تعاملنا مع أبنائنا فرعٌ عن تعاملنا مع أنفسنا، ولا يُتصوَّر فهمٌ منا للناس وقَبول لهم دون أن نفهمَ ذواتنا ونتقبَّلها، لهذا شاهدنا أغلب مَن لا يتقبل أبناءه، تجده عن النقاش غير راضٍ عن نفسه، وغير مدرك لها، وهذه لها عظيم الصلة بالاتزان والهدوء.

 

إن فهمي لأخطائي وقبولي لها وصبري عليها، ولَّد عندي صبرًا على أبنائي وقبولًا لأخطائهم، فكيف أقبل مِن نفسي عذرًا وخطأً ولا أقبله مِن أولادي؟!

 

ولا أدَّعي سهولةَ هذه الخطوة، لكن استَعِن عليها بالاختبارات النفسية الخاصة بالسمات الشخصية التي تعرفك بنفسك، وبنقاطِ قوتك، ونقاط ضعفك، وأحلامك، وطموحك، واخلُ بنفسِك؛ فهي لحظات غالية تُقربك من نفسك، واسأل نفسَك:

 

ماذا تحب؟ وماذا تكره؟

 

ماذا تريد أن تكونَ بعد خمس أو عشر سنين؟

 

مَن أحب الناس إليك؟ ولماذا؟

 

خُذْ خطوة إلى نفسك ولا تبخَلْ عليها.

 

5- فكِّر بإيجابية:

 

ليس المطلوب منك ألا ترى الخطأ، لكن المطلوب منك أن تَلمَحَ ما فيه من إشراق وأمل، ابني يضرب أخاه، فأين الإيجابي في هذا؟

 

أقول لك: لعل الإيجابي هنا، ابني عنده المهارة الرياضية التي من الممكن أن تُستَغل ويصير بطلًا كبيرًا، وابني بصحة جيدة وخالٍ من الأمراض؛ هكذا خلف أغلب الشكاوى جوانبُ مضيئة، إذا رأَتْها العين أعانها ذلك على الاتزان والهدوء، فابحَثْ في مشاكل أبنائك عن الجوانب المضيئة.

 

أيتها الأم، أنت أشد الناس حبًّا لأولادك، لكن الحب وحده قد لا يكفي، وقد يصيبنا أذى ممن نحب أعظم وأشد ممن نكره، بلا قصد منهم، لهذا اصبري واهدئي؛ فالتربية أجرُها عظيم، والتوفيق من الله تعالى، فليتعلَّقِ القلب به، ويكثر اللسان مِن دعائه، فاللهم ربِّ لنا أولادنا.

 

أيها الآباء.. ارحموا الأبناء

مسؤوليات الآباء تجاه أبنائهم في الشريعة الإسلامية ربما يكون طرحا جديدا أن نتحدث عن عقوق الآباء والأمهات لأولادهم، وذلك انطلاقا من مسؤولية الآباء تجاه أبنائهم، والتي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته”، وليس من الحكمة أن يمرض الإنسان، ويخفي مرضه خش

السلوك المزعج للأولاد: كيف نفهمه؟ وكيف نعالجه؟

من أخطر التَّحدِّيات التي تقابل المربِّيَ، سواء كان أبًا أو أمًّا أو معلِّمًا: التعامل مع السلوك المزعِج بصورةٍ تربوية سليمة، ونحن في هذه المقالات نتكلَّم عن الأسباب الرئيسة للسلوك المزعج بصورة سهلة وميسَّرةٍ تثبُت في ذهن القارئ، وتُوقِفُه على منافذِ السلوك المزعج، وكيف يتعامل مع

مراهق اليوم وإشكال القيم

يعدُّ إشكالُ القِيَم عند مراهقِ اليوم من الإشكالات البحثيَّة التي تُثِير طرحَ نفسها بقوَّة في حلبة الدراسة؛ لكونها تمسُّ قضية تربوية راهنة، ويستدعي هذا الإشكالُ البحثَ بشكلٍ عميق في التصادمِ القيمي الذي يعيشه مراهق هذا العصر، والذي تنتابه حيرةٌ وشك لا مثيل لهما أمام تناقض القيم ف