نعمة العافية في حياتنا

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 7 اكتوبر 2017 الساعة 07:32:20 مساءً

كلمات دلالية :

العافية
نعمة العافية في حياتنا

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه على نعمه الكثيرة حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبد الله ورسوله، القائل صلى الله عليه وسلم:« سلوا الله العفو والعافية، فإن أحدا لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية » فاللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون، إن نِعم المنعم الكريم على عباده غير معدودة، وأبوابَ آلائه ما زالت لهم مفتوحة غير مسدودة، وأصنافها متنوعة غير محدودة، ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم:34]، ألا وإن من أعظم النِّعم: نعمةَ العافية التي تعني السلامة من كل مكروه في الدين والدنيا والآخرة، فعافية الدين: سلامة المؤمن من فتن الشبهات المضلة، وفتن الشهوات المحرمة، وعافية الدنيا: السلامة من كل ما يكدر العيش الدنيوي من الآلام والأسقام والأوجاع والأحزان، وعافية الآخرة: السلامة من غضب الله وناره، ونيلُ رضوانه وجنته.

عباد الله، إن العافية بمعناها العام مطلب ديني، ومطلب دنيوي، ومطلب أخروي؛ ولذلك كان لها بين المطالب الإنسانية أهمية عظيمة، ومكانة سامية.فالعافية حسنة من حسنات الدنيا التي من وُهِبها نال خيراً كثيراً، وقد مثّل بعض المفسرين كقتادة وغيره للحسنة في الدنيا بالعافية والصحة، في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة:201]، وقال النووي - رحمه الله - في شرحه على مسلم: "وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في الدنيا: أنها العبادة والعافية، وفي الآخرة الجنة والمغفرة، وقيل: الحسنة تعم الدنيا والآخرة"، وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً من المسلمين قد خفتَ فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه - أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار)؟ قال: فدعا الله له فشفاه

والعافية - معشر المسلمين - من المطالب الكثيرة التي كان يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر الناس ويوصيهم بسؤالها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو بالعافية في الصلاة وغير الصلاة، ففي الصلاة كان من أدعية الاستفتاح قوله عليه الصلاة والسلام: - بعد أن يكبر عشراً ويحمد عشراً، ويسبح عشراً ويهلل عشراً، ويستغفر عشراً - : (اللهم اغفر لي واهدني، وارزقني وعافني، أعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة)  ، وكان يدعو في الجلسة بين السجدتين فيقول: (اللهم اغفر لي وارحمني، وعافني واهدني وارزقني)   وفي قنوت الوتر كان يقول: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت...) .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا أمسى أو أصبح لا يدع هؤلاء الكلمات: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي)  ، وعند النوم كان صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم أنت خلقت نفسي وأنت توفاها، لك مماتها ومحياها إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية)  ، وعندما كان يزور القبور كان يقول لأهلها: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية)  ، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم أمتعني بسمعي وبصري، حتى تجعلهما الوارث مني، وعافني في ديني وفي جسدي)  ، وكان عليه الصلاة والسلام يعلّم أصحابه الدعاء بالعافية؛ فعن أنس رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: (سلِ اللهَ العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ثم أتاه الغد، فقال: يا نبي الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: (سلِ اللهَ والعافية في الدنيا والآخرة، فإذا أعطيت العافية في الدنيا والآخرة، فقد أفلحت)  ، وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: ( اللهم اغفر لي وارحمني، واهدني وعافني وارزقني) 

أيها الأحبة الفضلاء، إن العافية من أعظم عطايا الله للعبد، وأفضل قِسَمه له، فهي أفضل من الغنى والجاه والسلطان، ولا تطيب هذه الأشياء لأصحابها إلا بالعافية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها)  ، وعن عبد الله بن خُبيب الجهني، عن أبيه عن عمّه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إنه لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خيرٌ من الغنى، وطيب النفس من النعم) 

عباد الله، إن المسلم إذا رُزِق العافية في دينه ودنياه وآخرته؛ فقد رزق خيراً وفيراً، ففي الدنيا والدين يظهر أثر ذلك الرزقِ الحسنِ في راحته واطمئنانه، وصلاح عيشه واستقامة أحواله، وحسن عبادة ربه، وأداء حقوق خلقه، وفي الآخرة يظهر أثر ذلك في نجاته من سخط الله وعقابه، والفوز بدار كرامته.

ولعظم نعمة العافية كان النبي صلى الله عليه وسلم يسألها لنفسه كل يوم، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح:« اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عورتي»

وكان صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه أن يسألوها، وكان الرجل إذا أسلم علمه النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات:« اللهم اغفر لي وارحمني واهدني، وعافني وارزقني»ومن الأذكار الواردة قبل النوم أن يقول الإنسان:« اللهم خلقت نفسي وأنت توفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية».

عباد الله: وللمحافظة على نعمة الصحة والعافية شرع الإسلام جملة من الآداب الصحية التي تدفع عن الإنسان أسباب المرض، وتديم عليه العافية، فشرع الطهارة والنظافة والاغتسال، والوضوء والسواك والمضمضة والاستنشاق وإزالة النجاسة، وغير ذلك من الوسائل الوقائية، وقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحسن استثمار هذه النعمة، قال صلى الله عليه وسلم :« اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك». فاتقوا الله تعالى وأطيعوه {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281].

 

أيها المؤمنون: إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، فاشكروا الله على نعمة العافية، وحافظوا عليها، واعتبروا بمن ابتلي بالأمراض والأسقام، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم مبتلين، فقال:« أما كان هؤلاء يسألون الله العافية ؟»

فالعافية مطلب كل مؤمن، فإن ابتلي فليطلب العلاج والدواء، فقد حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على التداوي التماسا للعافية فقال:« تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد، الهرم» وعليه أن يصبر ويرضى بقضاء الله تعالى، ويسأل الله تعالى أن يكشف عنه، ويعلم أن في الابتلاء تكفيرا للسيئات، وزيادة في الحسنات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ما من شىء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة».

ومن أسباب بقاء العافية: معرفة عِظم قدرها، وشكر معطيها سبحانه وتعالى، فمن عرف قدر النعمة حفظها، وأدى حق من منحه إياها، وجعله يسعى في استغلالها فيما ينفع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هَرَمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) ، وفي البخاري أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول: " وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك".

 

عباد الله، إن نعمة العافية تبقى للإنسان ما دام من أهل التقوى الذين يتقون الله بفعل ما أمر، وترك ما نهى، وقد قيل: " من اتقى الله لبس العافية، وحمد العاقبة"، وكان شيخ من الأعراب يدور على المجالس ويقول: "من سره أن تدوم له العافية فليتقِ الله"، وكم لطاعة الله تعالى من آثار صحية على الروح والبدن في الدنيا والآخرة، فكم تحدث الأطباء والعلماء عن الفوائد الصحية للعبادات ومنها: الصلاة والصيام، قال ابن القيم رحمه الله: " ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن، وإذابة أخلاطه وفضلاته، ما هو من أنفع شيء له، سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان، وسعادة الدنيا والآخرة، وكذلك قيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب، كما في "الصحيحين" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)".

ومن أسباب بقاء العافية: النظر بعين الرحمة والإحسان لمن ذهبت عنهم هذه النعمة، فزيارة أهل البلاء، وقراءة أخبارهم، والإشفاق عليهم؛ تدفع من فعل ذلك إلى حراسة عافيته من أسباب الزوال، ورفدها بوسائل البقاء. روي عن عيسى عليه السلام - كما في كتاب الزهد لأحمد بن حنبل - أنه أوصى الحواريين بوصية منها قوله: "... والناس رجلان معافى ومبتلى، فارحموا أهل البلاء في بليتهم، واحمدوا الله على العافية".

ومن أسباب بقاء العافية: الإكثار من الدعاء بالعافية، فعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، علمني شيئاً أسأل الله به، فقال: (يا عباس، سل الله العافية، ثم مكثت ثلاثاً، ثم جئت فقلت: علمني شيئاً أسأل الله به يا رسول الله، فقال: يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة) ، وأتى رجلٌ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: (قل: اللهم اغفر لي وارحمني، وعافني وارزقني - ويجمع أصابعه إلا الإبهام - فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك)  ، وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم مبتلَين فقال: ( أما كان هؤلاء يسألون العافية؟!)  ، وقال عليه الصلاة والسلام: (من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً؛ لم يصبه ذلك البلاء)  لكن لا ينبغي إسماع المبتلى ذلك؛ مراعاة لمشاعره، قال إبراهيم النَّخعي: "كانوا يكرهون أن يسألوا الله العافية بحضرة المبتلى".

استدراج الشباب للشبهات

قال لي أحد الشباب " أنا ما أحب أحد يفكر عني، أنا عندي عقل واقدر أحكم بنفسي ما هو الصواب وما هو الخطأ". قلت له "لم أفهم؟" قال " يا أخي التفكير النمطي الذي تعودتم عليه تغير ولا بد أن نعيد قراءتنا لبعض المفاهيم والموروثات في ظل معطيات العصر الحديث" قلت "وضح لي أكثر" قال " أنا أعترف

أرض ربّك ولو سخط الخلق عليك

عناصر المادة 1- التماس رضا الله تعالى 2- طريقان لا ثالث لهما 3- صور من الثبات على الحق طلبا لمرضاة الله 4- كيف ينال العبد رضا الله عزوجل مقدمة: إنّ العاقل من يحفظ جانب الله تعالى – وإن غضب الخلق عليه – وليس من يحفظ جانب المخلوقين ويضيع حق الخالق عز وجلّ فليتك تحلو والحياة م

اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا

أيها المؤمنون/ عباد الله: الاستعانة بالله تحقيق للتوحيد، و عصمة للقلب، وملاذ للنفس، وطمأنينة للفؤاد، ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل ولا أحفظ ولا أسلم للمؤمن من الاستعانة بالواحد الأحد - جل وعلا.. فهل يُهْزم من استعان به؟ وهل يخاف من لجأ إلى محرابه؟ وهل يحرم من انطرح على أعتابه؟ إن ا