الفضائل والأسرار في عبوديـة الإفتقـار

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 12 سبتمبر 2017 الساعة 07:26:06 مساءً

كلمات دلالية :

العباد
الفضائل والأسرار في عبوديـة الإفتقـار

     بقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } (فاطر: 15ـ  17)،

    حين تضعف علاقة العباد بربهم، وتتلاشى وشائج الايمان به وتوحيده وحسن عبادته، يضعف أو ينعدم لجوؤهم اليه وتوكلهم عليه. فماذا يكون حالهم حينها الا الخسار والضياع.  وهذا واقع زماننا المرير، عند كثيرين ممن عبثت بهم مفاتن الدنيا، ورانت على قلوبهم الغفلة، فعمرتها بحب المتاع والاسراف في الشهوات، و ادمان المنكرات، فعوقبوا بالمعيشة الضنك، جزاء وفاقا لإعراضهم عن الله. وبدل تصحيح الوجهة والمسار بالعودة الى الله جل وعلا، عملا بمقتضى العبودية والافتقار، أقبل الناس على الناس، وشكا الناس إلى الناس، وصرفوا التوكل الى بعضهم بعضا، فلم يزدادوا بذلك الا شقاء بما يكابدون من الأزمات والأمراض النفسية، وضياع أسباب الحياة الطيبة، حياة الايمان والأمن والطمأنينة !.

    نعم  !لا بأس أن يستعين الناس بالناس فيما يقدرون عليه، لكن أن يكون المعتمد عليهم، والسؤال إليهم، والتعلق بهم، والتوكل عليهم من دون الله، فذلك صرف لعبودية الافتقار الى غير الله، وذلك طريق الخسران والهلاك، فإن من تعلق بشيء وُكِل إليه. ومن تعلق بمن يموت كمن تعلق بخيط العنكبوت.

   أخي الكريم، انك تعلم ولا ريب، أننا عبيد لله تعالى، وأن غاية وجودنا بدنيا الابتلاء، هي أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }. ومن أخص خصائص العبودية : الافتقار المطلق الى الله تعالى، بل هو حقيقة العبودية ولبُّها، إذ ليس بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الافتقار. ومهما شرد العباد وتمردوا على هذه الحقيقة، فانها تلاحقهم  وتحاصرهم بقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } (فاطر: 15ـ  17).

    لا جدال ان العباد جميعا مفتقرون الى الله قهرا، لا يملكون لأنفسهم حولا ولا قوة الا بالله. ولكن، أتدري متى يكون منك تحقيق عبودية الافتقار الى الله حقا ؟ الجواب فيما عرَّفه به ابن القيم رحمه الله فقال: « حقيقة الفقر: أن لا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء؛ بحيث تكون كلك لله، وإذا كنت لنفسك فثمَّ ملك واستغناء مناف للفقر ». ثم قال: « الفقر الحقيقي: دوام الافتقار إلى الله في كل حال، وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة (احتياجا) تامة إلى الله تعالى من كل وجه" (مدارج السالكين). فمقتضى الافتقار الى الله أن تجرِّد قلبك من كل حظوظ النفس وأهوائها، وتشهد ان في كل ذرة من ذرات كيانك الظاهرة والباطنة فاقـةً تامـة إلى اللـه تعالى من كل وجه، وتُقبل بكليتك عليه متذللاً بين يديه، مستسلماً لأمره ونهيه، متعلقاً قلبك بمحبته وطاعته، مستجيبا بكل ذلك لمضمون قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ } (الأنعام: 162-163).

   وبتأملك لجميع العبادات القلبية، كالمحبة والخشية والرجاء والتوكل وغيرها، والعبادات العملية كالصلاة والصيام والذكر والدعاء.. ستجد أن الافتقار إلى الله، هو الصفة الجامعة لها، فبقدر افتقار العبد فيها إلى ربه يشيع أثرها الروحي في قلبه، ويكون نفعها له في دنياه وآخرته.  بل إنما يخشع في عبادته وينيب ويتضرع في صلاته أو صيامه أو دعائه، بقدر ما يشعر من الحاجة إلى الله تبارك وتعالى.

   وحسبك أن تتأمل حالك في الصلاة، وهي أعظم القربات العملية. فحين تقف بين يدي ربك في سكينة، خاشعاً متذللاً، خافضاً نظرك إلى موضع سجودك، تفتتحها بالتكبير، ثم قراءة الفاتحة، وكل معانيها اعلان الافتقار الى الله، وخاصة في قوله تعالى { إياك نعبد واياك نستعين} وتتدرج منها الى الركوع ثم الى السجود، وفيه حال من ذل العبودية، خضوعا وانكسارا، ليست في بقية الأحوال، إذ فيه يكون العبد اقرب ما يكون الى ربه.. هنالك تعيش أعمق حال لعبودية الافتقار، منقطعا عن العالم والناس من حولك، لا يملأ قلبك أويشغل بالك الا رضا ربك الذي انت بين يديه.

    يقول ابن عطاء الله السكندري في حكمه: (تَحقّقْ لله بوصفك، يُمِـدَّك بوصفه) أي: بقدرما تتحقق لربك باوصاف العبودية التي هي: الذل والفقر والجهل والضعف، يتحقق لك سبحانه بأوصاف الربوبية، وهي: العـز، والغنى والقوة والعلم. فإذا أردت العزة، فتحقق له بالذل، يمدك يعـزّك بين خلقه، وإذا طلبت الغنى، فتحقق له بالفقر إليه، يُغنِـك عن الناس. وإذا أبتغيت العلم، فتحقق له بالجهل، وقل رب زدني علما، فهو العليم الحكيم. واذا اردت القـوة، فتحقق له بالضعف والعجز، يكن لك معينا بقوته وحوله. وفي كل الرغبات والأمنيات، تحقق بوصفك الذي هو العبودية، وتبرأ لله من كل حولك وقوتك، يكن الله لك رازقا وموفقا ومعينا ووليا ونصيرا. فمهما ملكت في نفسك او في يدك او من حولك، فليس لك فيه فضل، بل الفضل كله لله، وما ينفعك شيء بغير الله تعالى، فاستمع الى هذه القصة واتعظ بمغزاها:

دخل ابن السماك، وكان من كبار الوعاظ والزهاد، على هارون الرشيد يوماً من الأيام ليعظه، وكانت أمام هارون الرشيد كأس مـاء، فأراد أن يشرب، وقبل أن يشرب قال له ابن السماك: أرأيت إن منع عنك هذا الماء، أكنت تفتديه بنصف ملكك؟ قال: نعم. فتركه حتى شرب، فلما وضع الكأس قال: أرأيت إن منع عنك إخراجه، أكنت تفتديه بنصف ملكك؟ قال: نعم. قال: فما رأيك في مُلك لا يساوي شربة ماء؟!.. الملك كله.. والمال كله.. والتجارات مهما اتسعت.. والعقارات مهما كثرت.. لا تساوي ألم ساعة أو مرض ساعة من الساعات.

  ولكي ينمو عندك ويسمو يقين الافتقار الى مولاك، وتكون له ثمار التجلي فيك، لابد من تحقيق أمرين متلازمين:

ـ الأول:  أن تدرك عظمة الخالق وجبروته، إذ كلما كان العبد أعلم بالله تعالى وصفاته وأسمائه، كان أعظم هيبة له وافتقاراً إليه وتذللاً بين يديه، لقوله تعالى: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }(فاطر:28). قال الفضيل بن عياض: « أعلمُ الناس بالله أخوفُهم منه ". ولو تدبرت الآيات البيّنات والأحاديث النبوية الشريفة التي جاء فيها ذكر صفاته العلى وأسمائه الحسنى، لخشع قلبك إجلالاً لربك، وتعظيماً لمقامه، وهيبة لسطوته وجبروته. وهذه الحال من التدبر والخشوع والتعظيم هي التي تغيب عن كثير من الناس: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}(الزمر67). فالقرآن وهو كلام الله، يتجلى الله فيه لعباده بصفاته، فتارة يتجلى بالهيبة والعظمة والجلال، فتخضع الأعناق، وتنكسر النفوس، وتخشع الأصوات، ويذوب الكبر والغرور. وتارة يتجلى في صفات الجمال والكمال، في الاسماء والصفات والأفعال، فتمتلئ القلوب المؤمنة محبة له اعظم واعمق، لا تزاحمها المحبوبات من دونه{ والذينَ آمَنوا أشدُّ حُبّـا للهِ }.

 ـ الثاني:  أن تدرك مدى ضعفك وعجزك من دون الله. فمن عرف قدر نفسه، وأنَّه مهما بلغ في قوة البدن او المال والجاه والسلطان؛ فهو عاجز ضعيف، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، تصاغرت نفسه، وذهب كبرياؤه، وذلَّت جوارحه، وعظم افتقاره لمولاه، والتجاؤه إليه، وتيقن انه ما له من دونه من قوة ولا ناصر.

فاذكر قول الله تعالى: { فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ }(الطارق: 5-10). فلا قوة لك ولا ناصر من دون الله.  كيف وانت مفتقر إليه في كل شيء، في خلقك ووجودك، وفي استمرارك وحياتك، وفي علمك ومعرفتك، وفي هدايتك وأعمالك، وفي جلب أي نفع لك، أو دفع أي ضرر عنك.. وهذا هو معنى : "لا حول ولا قوة إلا بالله". فاكثر منها معلنا بها مطلق افتقارك الى مولاك.

هذه المعاني صاغها شيخ الاسلام ابن تيمية شعرا فقال:

أنــا الفـقيـــرُ الـى رب البَــرِيــــاتِ     أنا المسكيـن في مجمـوع حـالاتــي

أنا الظّلوم لنفسي وهي ظالمتي     والخيــر إن يـأتنــا مـن عنـده يــاتــي

لا أستطيع لنفسي جلـبَ منفعــة      ولا عن النفـس لي دفــعَ المضـرّاتِ

وليـس لي دونه مـولىً يـدبـّـرنـي      ولا شفيــع اذا حـاطــت خطيئــاتـي

والفقــر لي وصـفُ ذاتٍ لازم أبـــدا      كمـا الغنـى أبــدا وصـفٌ لـه ذاتـــيّ

فمن بغـى مطلبـا من غيـر خالقــه     فهو الجهول الظلوم المشرك العاتـي

    واذا كان لكل حال علامات وبرهان، فان حقيقة افتقارك الى الله لها شاهد وبرهان في الاحوال التالية، فانظر ما يكون نصيبك منها، فانما هو درجة افتقارك :

ـ أولها أن تكون على غاية الذل لله تعالى مع غاية الحب: ومقتضاه، أن تُسْلم نفسك لربك منكسراً بين يديه، متذللاً لعظمته، مقدماً حبَّه سبحانه وتعالى على كل حب. فتكون طمأنينة نفسك، وقرَّة عينك، وسكينة فؤادك، أن تعفِّـر الأرض جبهتك، وتدعوَه رغبة ورهبة.  تأمل دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم طُرد من الطائف داميا مكروبا مغموما، وقد كانت إصابته النفسية كبيرة، إلى الدرجة التي نراه لأول مرة يشكو إلى الله قلة حيلته وضعف قوته وهوانه على الناس، فكانت كلماته مفعمة بمعاني الافتقار وتفويض الامر لربه سبحانه: (اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي ، وَقِلّةَ حِيلَتِي ، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ ! أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي ، إلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي ؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي ، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك ، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ، لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك )( ابن هشام 1/ 420 ).

ـ وثانيها أن يتعلّق قلبك باللّه تعالى وبمحبوباته: ومقتضاه شعورك يقينا بفقرك وحاجتك إلى ربك، شعورا يدفعك إلى الاستكانة له والإنابة إليه، فيلهج لسانك بذكره وحمده والثناء عليه، وتحيا على التزام مرضاته، والامتثال لأوامره. قال بعض الصالحين: "مفاوز الدنيا تُقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تُقطع بالقلوب". ولهذا ترى العبد الذي تعلق قلبه بربه، وإن اشتغل في بيعه وشرائه، أو مع أهله وولده، أو في شأنه الدنيوي كله، يبقى مقيماً على طاعته، مؤثرا له على ما تحب نفسه وتهوى، لا تلهيه زخارف الدنيا عن مرضاته. ومَنْ كانت هذه حاله، وجدته وقَّافاً عند حدود الله، ملتزماً بأمره ونهيه.

   وادعوك أخي الكريم الى الوقوف بعمق عند معنى " تعلق القلب بالله " فهذا يستلزم أن تكون دائم الصلة بالله تعالى، دائم المراقبة له في أوامره، لا يشغلك عن ذلك شاغل، ولا يصرفك عنه صارف، وكن من الذين قال الله تعالى فيهم: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ. رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} (النور:36-37). ومن تعلّق قلبه بربه وجد لذة في طاعته وامتثال أمره لا تدانيها لذة، فأوامر المحبوب قرة العيون، وسرور القلوب، ونعيم الأرواح، ولذات النفوس، وبها كمال النعيم وعِظم السعادة. وأما أعظم الناس ضلالاً وخساراً وشقاء، فهو مَنْ تعلّق قلبه بغير الله تعالى، ويزداد ضلاله وخسرانه بزيادة تعلُّقه بغير الله، ولهذا كان ركون العبد إلى الدنيا أو إلى شيء من زخرفها شاهد العبودية لها، لقول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} (الجاثية:23).

 

ـ وثالثها: المداومة باستمرار على الذكر والاستغفار: فيكون قلبك عاكفا على ذكر مولاك، والثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى في كل حال، دائم التوبة والاستغفار عن الزلل أو التقصير. وتجد لذتك وأنسك بتلاوة القرآن، وترى راحة نفسك وسكينة روحك، وطمأنينة قلبك بمناجاة الرحمن. قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} [الرعد:28]. فكن ممن وصفهم الله عز وجل بقوله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون} (الزمر:9).

 

الخطبــة الثانيــة:

يقول الله جل وعلا: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } غافر 60

    أخي الكريم، هذا وعد كريم من ربك: إنك ما توجهت إلى اليه بصدق الافتقار إليه مستغيثا به، مخلصا له الدين، أجاب دعاءك ولا ريب، وأزال ضررك وفتح لك أبواب الرحمة. فحينها تكون قد ذقت من حقيقة التوكل والدعاء وما في ذلك من اسرار العيودية لله ونعيمها، ما لم يذقه غيرك كثير. انظر الى حال موسى عليه السلام في محنة الفرار من مصر خائفا يترقب، ولما بلغ مدين وأنصف امرأتين من الرعاة، وسقى لهما ثم تولى الى الظل، وأقبل على الله بدعاء يعلن افتقاره اليه، شاكيا اليه وحده حاله من الاغتراب والجوع والتعب، بألطف الكلمات والعبارات: { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } (القصص 24) وما لبث ان جاءه الفرج: { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِي }( القصص 25). ولا غرابة فإن اللَّه تعالى كما يحب من الداعي أن يتوسل إليه بأسمائه، وصفاته، ونعمه العامة والخاصة، فإنه يحب منه أن يتوسّل إليه بضعفه، وعجزه، وفقـره، و عدم قدرته على تحصيل مصالحه، ودفع الأضرار عن نفسه، لما في ذلك من إظهار التضرع و المسكنة، والافتقار الى اللَّه عز وجل الذي هو حقيقة كل عبد.

  فلا تتردد في سؤال مولاك، لأن في السؤال تذللاً، وفي بسط اليدين لله تبارك وتعالى اعترافاً بأنك ضعيف فقير محتاج، وأن الله هو الغني المغني، مالك الملك، والسؤال لا يكون إلا عن ذل وفقر واحتياج .

   فللـه ما أحلى هذه الكلمات في دعاء عبد يعلن افتقاره الى مولاه بمنتهى الذل والانكسار بين يديه، والخضوع له سبحانه، فتدبر معانيه وردد معه:" اللهم اني أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك. عبيدك سواي كثير، وليس لي سيدٌ سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضريع، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه" .

وادعوك الى ان تعيش مع عبد الرحمن السُّهيليّ هذه الخواطر الشعرية الندية في عبودية الافتقار الى العزيز الغفار:

              يا من يرى مـا في الضمـير ويسمــعُ       أنــت المُـعـــدّ لكــل مـــا يُتـــــوقّــــــعُ

                 يـا من يُـــرجّــى للشّـدائـــد كُلّـهــــا       يـــا مـن إلـيــه المُشتكـى والمـفــــزعُ

                 يـا من خـزائن رزقـه في قــول كُـــن      أُمنُــن فـإنّ الخـيـــر عنـــدك أجمـــــــعُ

                 مالي سِـوى فقــري إليـك وسـيلــةً       فبالافتقـــار إليـــك فـقــــريَ أدفـــــــعُ

                 مالي سِــوى قرعـي لبـابـك حيلـــة       فــلَئــن رُدِدتُ فــأيَّ بـــــابٍ أ قـــــــرعُ

                 ومـن الـذي أرجـو وأهتــفُ باسـمِــهِ       إن كـان فضلـك عـن فـقـيــرك يُمنـــــعُ

                 حـاشـا لِفـضلـك أن تُــقنِّــط عـاصِيــاً       الفـضلُ أجـــزلُ والمـواهِــبُ أوســـــعُ

                 بالـــذُّلّ قـد وافـيــتُ بـابَـك عــالمـــاً        أن التّـــذلُّــل عنــد بــابــــك ينفــــــــعُ

                 وجعلــتُ معتمَــدي عليــك تــوكّــــلا       وبسـطـتُ كفّـــيَ سـائِـــلا أتـضـــــرّغُ

                 فاجعـل لنـا من كـلّ ضـيـقٍ مخرجـــاً       والطُـــف بنــا يـا مـن إليــه المـرجِــــعُ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

تركة الزبير رضي الله عنه

أيها الناس: من سنن الله تعالى في عباده، وجزائه المعجل لهم أن من ترك شيئا له سبحانه عوضه خيرا منه. وهي سنة لا تتخلف أبدا، وقد هاجر الصحابة رضي الله عنهم من مكة إلى المدينة، وتركوا بيوتهم وأموالهم خلفهم فرارا بدينهم، فما هي إلا سنوات قلائل حتى صار المهاجرون رضي الله عنهم من أثرياء

نسيان الانسان لنفسه وعقوبته

ومن جملة ما جاء في هذا القرآن العظيم موعظة الله جل وعلا لعباده، وتذكيرهم بما يجب عليهم وتحذيرهم من ما يضرهم ومن تامل في قول الله تعالى في سورة الحشر ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ) هذا الاية تاخذك إلى آفاق من جمال بيان الله تعالى وإعجازه , في عصر

تاريخ اليهود المظلم

فما فتئ أعداء الله من اليهود يكيلون المؤامرات تلو المؤامرات لإبعاد البشرية عن منهج الله.. فلقد حارب اليهود الإسلام منذ بعث الله نبيه محمداً، وكادوا لهذا الدين المكائد والدسائس الخبيثة فمن ذلك: أولاً: تظاهروا بالدخول في الإسلام نفاقاً، ليعملوا على تخريبه من الداخل، وليطّلعوا عل