خطبة عيد الأضحى .. الثقة بالله في حياة خليل الرحمن

التاريخ: الأربعاء 30 اغسطس 2017 الساعة 06:59:59 مساءً

كلمات دلالية :

الاضحى
خطبة عيد الأضحى .. الثقة بالله في حياة خليل الرحمن

خطبة عيد الأضحى .. الثقة بالله في حياة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام

 الحمد لله الواحد الحد، الفرد الصمد، الحمد لله الكبير المتعال، ذي الجلال والإكرام.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

وأوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العظيم وطاعته:

الحمد لله الذي فضلنا على الناس وسقانا من القران أروى كاس و جعل نبينا صلى الله عليه وسلم خير نبي رعى وساس، وقال لنا: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110]

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد

 

اعلموا عباد الله أن الثقة بالله تعالى، والاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضار، وحصول الأرزاق وحصول النصر على الأعداء، وشفاء المرضى وغير ذلك من أهم المهمات وأوجب الواجبات، ومن صفات المؤمنين، ومن شروط الإيمان، ومن أسباب قوة القلب ونشاطه، وطمأنينة النفس وسكينتها وراحتها، ومن أسباب الرزق، والثقة بالله وبكفايته لعبده، هو من أهم عناصر عقيدة المسلم الصحيحة في الله تعالى.

فقيراً جئت بابك يا إلهي

ولست إلى عبادك بالفقير

غني عنهم بيقين قلبي

وأطمع منك في الفضل الكبير

إلهي ما سألت سواك عونا

فحسبي العون من رب قدير

إلهي ما سألت سواك عفوا

فحسبي العفو من رب غفور

إلهي ما سألت سواك هديا

فحسبي الهدي من رب بصير

إذا لم أستعن بك يا إلهي

فمن عوني سواك ومن مجيري؟

 

الثقة بنصره

أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم تتجلى هذا الثقة في حياة خليل الرحمن عليه السلام لما اضرموا له النار و أوثقوه بالحبال ووضعوه على المجانيق هل بعد هذا المشهد المريع مشهد أخر؟

قال عز وجل: ﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 68، 69] وسبب غضب المشركين هو محاجة إبراهيم لهم، وترى عند قراءة الآيات الذاكرة للحجج التي أقامها عليهم مدى قوة النبي وثقته حين يجادلهم؛ يسفه أصنامهم، وكذلك يكسرها حتى لا يبقي إلا على كبيرها، وفوق ذلك يتهكم عليهم، فكل هذا يدل على الثقة الكبيرة القوية بالله؛ ( يا إبراهيم ألك إلى حاجة.. قال أما منك فلا و أما من الله فعلمه بحالي يغنى عن سؤالي ) فنصره الله، وحوّل النار الحارقة إلى باردة.

 

نعم إنه مشهد الثقة بالله تعالى وبأنه ناصره وبانه منجيه فالله الذي أرسله هو رب هذه النار القادر فإذا قرأ في القرآن: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾[المجادلة: 21]. فليعلم أنه غالب ما استقام على أمر الله عزَّ وجلَّ.

 

قال القاسمي رحمه الله: «وقوله تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾ [المجادلة: 21] أي: حزب الشيطان المحادين ﴿ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحديد: 25] أي: قوي على إهلاك من حاده ورسله، عزيز فلا يغلب في قضاءه».

 

وقال الشيخ السعدي رحمه الله: «هذا وعد ووعيد، وعيد لمن حاد الله ورسوله بالكفر والمعاصي، أنه مخذول مذلول، لا عاقبة له حميدة، ولا راية له منصورة.

 

ووعد لمن آمن به، وبرسله، واتبع ما جاء به المرسلون، فصار من حزب الله المفلحين، أن لهم الفتح والنصر والغلبة في الدنيا والآخرة، وهذا وعد لا يخلف ولا يغير، فإنه من الصادق القوي العزيز الذي لا يعجزه شيء يريده».

 

وها هو حبيبنا وقدوتنا رسول الله-صلى الله عليه وسلم- مع صاحبه في الغار، وقد أطبقت عليهما جحافل الحنق المحموم، وهما أعزلان، ولا مهرب لهما ولا حيلة، وهنا يهمس الصديق-رضي الله عنه- متحسرًا مشفقًا (يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا). فتنبعث نبرات الثقة من القلب الموقن بمعية الله، (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا) وعندئذ تتجلى قدرة ذي العزة والجبروت فيرد قوى الشر والبغي هذه بأوهى الأسباب، بخيوط العنكبوت، ويسجل القرآن هذا الموقف بقوله تعالى: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 40].

 

والثقة أيضاً صفة من صفات الأولياء الصادقين؛ قال يحيى بن معاذ رحمه الله: «ثلاث خصال من صفة الأولياء: الثقة بالله في كل شيء، والغنى به عن كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء».

 

الثقة برزقه وكلاءته:

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر و لله الحمد

و من مواطن البلاء التي أُفعمت بالثقة بالله تعالى عندما أمر الله تعالى خليله إبراهيم- عليه الصلاة والسلام – بأن يأخذ هاجر وولده إسماعيل عليهما السلام- إلى مكة حيث لا مكة لا جليس و لا أنيس و لا زرع ولا ضرع و لا ماء فعن سعيد بن جبير رحمه الله قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «أوَّل ما اتَّخذ النساء المنطق من قبل أمّ إسماعيل اتَّخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة ثمَّ جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه فوضعهما «حتى وضعهما» عند البيت عند دوحة فوق زمزم «الزَّمزم» في أعلى المسجد وليس بمكَّة يومئذٍ أحد وليس بها ماءٌ فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابًا فيه تمرٌ وسقاءً فيه ماء ثمَّ قفى إبراهيم منطلقًا فتبعته أمُّ إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا «في هذا» الوادي الذي ليس فيه إنسٌ «أنيسٌ» ولا شيء فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له آلله الذي أمرك بهذا قال: نعم قالت إذن لا يضيّعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الكلمات «الدعوات» ورفع يديه فقال ربِّ ﴿ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾ [إبراهيم: 37] حتى بلغ ﴿ يَشْكُرُونَ ﴾ وجعلت أمُّ إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السِّقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوَّى أو قال يتلبَّط «يتلمَّظ» فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرق درعها ثمَّ سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثمَّ أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرَّات قال ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «فذلك سعي النَّاس «فلذلك سعي النَّاس» بينهما فلمَّا أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت صهٍ تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضًا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواثٌ «غواثٌ» فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوِّضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف قال ابن عبَّاس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يرحم الله أمُّ إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا معينًا قال فشربت وأرضعت ولدها...» أخرجه البخاري.

 

الثقة بهدايته:

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد

ومن صور الثقة بالله تعالى الثقة الكاملة بربوبية الله تعالى

فالله هو الهادي إلى الصراط المستقيم

والله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين

و الله تعالى هو الشافي من أمراض القلوب و أمراض الأبدان قال الله تعالى ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [الشعراء: 75 - 83].

لماذا نخاف الضيعة؟

لأننا ضيعنا أوامر الله تعالى

لماذا نخاف الفقر؟

لأن قلوبنا أقفرت من الثقة بالله

لما انتشرت الأمراض ولم نجد لها دواء؟

لأننا تركنا الشفاء والداء ورا ظهورنا كتاب الله تعالى

أما خليل الرحمن فثقته بالله تعالى هاديا ورازقا و شافيا لا يحدها حد ويتصورها أحد إلا الله تعالى يقول صاحب الظلال -رحمه الله- ونستشعر من صفة إبراهيم لربه، واسترساله في تصوير صلته به، أنه يعيش بكيانه كله مع ربه. وأنه يتطلع إليه في ثقة، ويتوجه إليه في حب؛ وأنه يصفه كأنه يراه، ويحس وقع إنعامه وإفضاله عليه بقلبه ومشاعره وجوارحه.. والنغمة الرخية في حكاية قوله في القرآن تساعد على إشاعة هذا الجو وإلقاء هذا الظل، بالإيقاع العذب الرخي اللين المديد..

 

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 78].. الذي أنشأني من حيث يعلم ولا أعلم؛ فهو أعلم بماهيتي وتكويني، ووظائفي ومشاعري، وحالي ومآلي: ﴿ فهو يهدين ﴾ إليه، وإلى طريقي الذي أسلكه، وإلى نهجي الذي أسير عليه. وكأنما يحس إبراهيم عليه السلام أنه عجينة طيعة في يد الصانع المبدع، يصوغها كيف شاء، على أي صورة أراد. إنه الاستسلام المطلق في طمأنينة وراحة وثقة ويقين.

 

﴿ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾ [الشعراء: 79، 80].. فهي الكفالة المباشرة الحانية الراعية، الرفيقة الودود، يحس بها إبراهيم في الصحة والمرض. ويتأدب بأدب النبوة الرفيع، فلا ينسب مرضه إلى ربه وهو يعلم أنه بمشيئة ربه يمرض ويصح إنما يذكر ربه في مقام الإنعام والإفضال إذ يطعمه ويسقيه.. ويشفيه.. ولا يذكره في مقام الابتلاء حين يبتليه.

 

﴿ والذي يميتني ثم يحيين ﴾.. فهو الإيمان بأن الله هو الذي يقضي الموت، وهو الإيمان بالبعث والنشور في استسلام ورضى عميق.

و قد كشف لكم النبي - صلى الله عليه و سلم - ما أنتم فيه من بلاء و عناء حدد لكم الداء و بين في ثناياه الدواء عن عبد الله بن عمر، قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط، حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة، وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله، وعهد رسوله، إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم "

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد

الثقة بأمره سبحانه وتعالى:

و من أجل و أروع صور الثقة في حياة خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام-الثقة بأمر الله تعالى، فالله تعالى لا يأمرنا إلا بالخير و لا ينهانا إلا عن شر فأمره خير و نهيه خير،و تتجلى الثقة بأمر الله تعالى في حياة الخليل في مواطن كثيرة نذكر منها:

الثقة بأمره لما امر هان يذبح ولده و فلذة كبده إسماعيل عليه السلام- ما سأل عن الحكمة و لا عن المغزى من ذبحه لعلمه أن أمر الله تعالى خير كله،يصور الله تعالى ذلك المشهد بقوله ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الصافات: 102 - 111].

يا لله! ويا لروعة الإيمان والطاعة والتسليم..

 

هذا إبراهيم الشيخ. المقطوع من الأهل والقرابة. المهاجر من الأرض والوطن. ها هو ذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام. طالما تطلع إليه. فلما جاءه جاء غلاماً ممتازاً يشهد له ربه بأنه حليم. وها هو ذا ما يكاد يأنس به، وصباه يتفتح، ويبلغ معه السعي، ويرافقه في الحياة.. ها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد، حتى يرى في منامه أنه يذبحه. ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية. فماذا؟ إنه لا يتردد، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة، ولا يخطر له إلا خاطر التسليم.. نعم إنها إشارة. مجرد إشارة. وليست وحياً صريحاً، ولا أمراً مباشراً. ولكنها إشارة من ربه.. وهذا يكفي.. هذا يكفي ليلبي ويستجيب. ودون أن يعترض. ودون أن يسأل ربه.. لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد؟!

 

ولكنه لا يلبي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع، ولا يطيع في اضطراب.. كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء. يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب:

﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ [الصافات: 102].

 

فهي كلمات المالك لأعصابه، المطمئن للأمر الذي يواجهه، الواثق بأنه يؤدي واجبه. وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن، الذي لا يهوله الأمر فيؤديه، في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي، ويستريح من ثقله على أعصابه!

 

والأمر شاق ما في ذلك شك فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة. ولا يطلب إليه أن يكلفه أمراً تنتهي به حياته.. إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده. يتولى ماذا؟ يتولى ذبحه.. وهو مع هذا يتلقى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره، وأن يرى فيه رأيه!

إنه لا يأخذ ابنه على غرة لينفذ إشارة ربه.

 

وينتهي. إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر. فالأمر في حسه هكذا. ربه يريد. فليكن ما يريد. على العين والرأس. وابنه ينبغي أن يعرف. وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلاماً، لا قهراً واضطراراً. لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم!

 

إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى..

فماذا يكون من أمر الغلام، الذي يعرض عليه الذبح، تصديقاً لرؤيا رآها أبوه؟

 

إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه:

﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ... ﴾ [الصافات: 102]

إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب. ولكن في رضى كذلك وفي يقين..

﴿ يا أبت ﴾.. في مودة وقربى. فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده. بل لا يفقده أدبه ومودته.

﴿ افعل ما تؤمر ﴾.. فهو يحس ما أحسه من قبل قلب أبيه. يحس أن الرؤيا إشارة. وأن الإشارة أمر. وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب.

 

ثم هو الأدب مع الله، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال؛ والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية، ومساعدته على الطاعة:

﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات: 102]..

 

ولم يأخذها بطولة. ولم يأخذها شجاعة. ولم يأخذها اندفاعاً إلى الخطر دون مبالاة. ولم يظهر لشخصه ظلاً ولا حجماً ولا وزناً.. إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه، وأصبره على ما يراد به: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾.

 

يا للأدب مع الله! ويا لروعة الإيمان. ويا لنبل الطاعة. ويا لعظمة التسليم!

ويخطو المشهد خطوة أخرى وراء الحوار والكلام.. يخطو إلى التنفيذ:

﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ [الصافات: 103].

 

ومرة أخرى يرتفع نبل الطاعة. وعظمة الإيمان. وطمأنينة الرضى وراء كل ما تعارف عليه بنو الإنسان.. إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعداداً. وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعاً. وقد وصل الأمر إلى أن يكون عياناً.

 

لقد أسلما.. فهذا هو الإسلام. هذا هو الإسلام في حقيقته. ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم.. وتنفيذ.. وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم.

 

أيها المسلمون الموحدون: من لم يستطع منكم أن يأتي البيب تلانه منه بعيد فعليه برب البيت فانه أقرب إليه من حبل الوريد.

من لم يستطع منكم أن يذبح هديه بمني فليذبح هواه هنا فقد بلغ المنى.

 

أيها المسلمون الموحدون: اذبحوا أضاحيكم و كلوا و تصدقوا و تهادوا قال الله تعالى ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الحج: 36].

في سنة أبيكم إبراهيم عليه السلام وهي قربة إلى رب الأنام وسبيل إلى دار السلام.

وأخيرا قبل أن تضحي أريدك أن تضحي بتلك العداوة والشحناء التي بينك وبين أخيك أو جارك و صديقك.

 

لابد أن تبدأ الأن بها:

استبدل ناره العداوة بنور المحبة والألفة

استبدل الشحناء والبغضاء بالمحبة والإخاء

استبدل ظلمة القطيعة بنور الصلة والتواصل

أيها الناس صلوا الأرحام و اطعموا الطعام و افشوا السلام و صلوا بالليل و الناس نيام تدخلوا الجنة بسلام

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد

كل عام أنتم بخير و تقبل الله منا و منكم صالح الأعمال

 

تركة الزبير رضي الله عنه

أيها الناس: من سنن الله تعالى في عباده، وجزائه المعجل لهم أن من ترك شيئا له سبحانه عوضه خيرا منه. وهي سنة لا تتخلف أبدا، وقد هاجر الصحابة رضي الله عنهم من مكة إلى المدينة، وتركوا بيوتهم وأموالهم خلفهم فرارا بدينهم، فما هي إلا سنوات قلائل حتى صار المهاجرون رضي الله عنهم من أثرياء

نسيان الانسان لنفسه وعقوبته

ومن جملة ما جاء في هذا القرآن العظيم موعظة الله جل وعلا لعباده، وتذكيرهم بما يجب عليهم وتحذيرهم من ما يضرهم ومن تامل في قول الله تعالى في سورة الحشر ( ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ) هذا الاية تاخذك إلى آفاق من جمال بيان الله تعالى وإعجازه , في عصر

تاريخ اليهود المظلم

فما فتئ أعداء الله من اليهود يكيلون المؤامرات تلو المؤامرات لإبعاد البشرية عن منهج الله.. فلقد حارب اليهود الإسلام منذ بعث الله نبيه محمداً، وكادوا لهذا الدين المكائد والدسائس الخبيثة فمن ذلك: أولاً: تظاهروا بالدخول في الإسلام نفاقاً، ليعملوا على تخريبه من الداخل، وليطّلعوا عل