هل أنت على التعظيم لله حقـا ؟

خاص عيون نت

التاريخ: الخميس 17 اغسطس 2017 الساعة 06:13:17 مساءً
هل أنت على التعظيم لله حقـا ؟

   يقول الله جل وعـلا: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } (الزمر:67).

     أخي الكريم، تعالَ نقف قليلا، وقفة تدبر واعتبار، أمام أية كريمة، لننظر ما يكون حالنا مع الله ربنا، ونسائل أنفسنا هل نحن فعلا نعظم الله تعالى كما يحب وكما أمر، وكما يليق بعظيم قدره وجلال وجهه وعظيم سلطانه ومجده ؟. لاشك ان واقع أحوالنا شاهد على كثير منا بعكس ذلك، وان كنا نشهد أنه الله الذي لا اله الا هو، ونعترف انه صاحب الفضل العظيم علينا بالاسلام والايمان والنعم التي لا تحصى ولا تستقصى، وأننا مفتقرون اليه ونرجو عنايته وتوفيقه وعفوه ورحمته ورضوانه. وكأني بالقرآن الكريم يخاطبنا في هذا الأمر نحن بالذات، ويصرح بحالنا مع االله كما جاء على لسان نوح عليه السلام لقومه : { مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } (نوح 13). ألا ترى أن خطاب التوبيخ لقوم نوح، اصبح يعنينا ويدين تقصيرنا في تعظيم الله سبحانه وتوقيره في ذاته واسمائه وصفاته وحرماته !  فهلا راجعنا أنفسنا وحاسبناها في ظلال هذه الآية، لننظر ماذا يكون حالنا مع ربنا جل وعلا فيما توجبه علينا ربوبيته وألوهيته، وتقتضيه عبوديتنا له، من الاجلال والتعظيم والتوقير، ومن الأدب معه في الاقوال والافعال؟.

  إنه لمن الغريب المؤسف، أن يكون بين المسلمين اليوم من لا يرجون لله وقارا، ولا لدينه اعتبارا، فلا يتورعون عن الاستهتار بقواعد الأدب مع الله وكتابه ورسوله، وهم يدّعون الاسلام . فان من الشعوب الوثنية من يقدسون الاحجار والانهار والأبقار، ويعظمونها ويوقرونها ويتعاملون معها بمنتهى الأدب والاحترام، ويشعرون بالسعادة فيما يفعلون راضين تجاه معبوداتهم من دون الل !. ذاك حال الوثنيين في تعظبم أوثانهم صونا لعقائدهم وهم على ضلال. فهل يعقل أو يليق  بالمسلمين، وهم أهل التوحيد ودين الحق، أن يفرطوا في جوهر دينهم وتدينهم، وهو التعظيم والتوقير لرب العالمين !. وقد عاب القرأن الكريم على أهل الزيغ والضلال كونهم لا يقدرون الله حق قدره، وهم معرضون عن آيات وجوده ووحدانيته وكمال قدرته وارادته : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } (الزمر:67).

   لا شك أن هذا الواقع المؤسف المرير، هو من أثار فتنة الافكار والأيديولوجيات المادية الوافدة علينا من الثقافات الغربية، وقد شوشت على صفاء العقيدة ونقاء الايمان، ونشرت نزعات الاستخفاف والاستهتار بمقام الله تعالى وحرماته وشعائره بين ضحايا الجهل والانبهار، حتى بلغ الاستهتار ببعض المحسوبين على الاسلام مبلغ الجراءة على الله وكتبه ورسله، مدعومين باجواء الحرية المزعزمة وغياب المحاسبة، فيرسلون ألسنتهم وأقلامهم على الاسلام وشعائره بالطعن والغمز واللمز، فكانوا كما وصف القرآن أمثالهم الأولين:   { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } (الزمر 45).

   فهل تساءلت أخي الكريم يوما، وانت مسلم، عما يعنيه التعظيم والتوقير لله تعالى وما يستلزمه من إحسان الأدب معه سبحانه..؟ واليك التعريف والبيان:

   ان التعظيم والتوقير لله جل وعلا، لا يكون إلا بصحيح الاعتقاد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وذلك بصادق الايمان وخالص التوحيد، وتمام الانقياد والخضوع لجلاله، والذل والانكسار أمام هيبته وعظيم سلطانه، ثم ما يقتضي ذلك من تعظيم حرماته وشعائره، علما واقرارا بوجوبها، وقياما عمليا بحقوقها. ويشمل كل ما يجب احترامه وحفظه وصيانته ورعايته، مما شرع الله الايمان به والتقرب اليه به، في ذاته واسمائه وصفاته وكتبه ورسله وشرائعه وأحكامه، وشعائره ومناسكه التعبدية وأزمنتها وأمكنتها .. كل ذلك متضمن في معاني قوله تعالى :{ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } [الحج : 30].

  واذا طلبت مثالا توضيحيا لذلك، فانظر الى حال تصرفاتنا مع أي انسان عظيم القدر في نظرنا، ممن نحبه ونجله، كيف نراقب من أجله أقوالنا وأفعالنا حتى لا نسيء الى مكانته عندنا، وحتى لا يرى منا أو يسمع ما لا يرضيه أو لا يليق بمقامه، وخاصة حين تكون حاجتنا عنده.. اننا ـ ولا شك ـ نتخذ كل احتياطاتنا بوعي وحزم لكي نتأدب معه، ونتقرب اليه بالتودد والتواضع، اعترافا منا بما نكن له من المحبة والتقدير والتعظيم. هذه حالنا مع الناس، وهم بشر مثلنا، فكيف نرضى التهاون والتقصير في توقير الله وتعظيمه، وهو أهل لذلك وأحق به ايمانا ومحبة وصدقا واخلاصا ؟ لماذا نقصر في مقتضى الأدب مع الله، مع أن ذلك من أسس ايماننا وعقيدتنا ، ومن مقتضيات ومستلزمات كوننا عبيدا عابدين لرب العالمين، والعبد يعظم سيده ويعلن عبوديته وافتقاره اليه ؟ !.

  بهذا تعلم ـ اخي الكريم ـ ان التعظيم والتوقير لله تعالى شاهد ايمانك وبرهان تقواك: { ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} (الحج:32)، وله حقائق وتجليات في أحوال قلبك وعقلك وجوارحك: في مشاعرك وخواطرك، وفي أفكارك وتصوراتك، وفي أفعالك وتصرفاتك. ولك في كل ذلك برهان هيبتك لله وخشيتك له، فتعمل بمقتضى ذلك في طاعته والادب معه ومع سائر شعائره وحرماته. حينها يكون طلب رضا الله هو الهم الأكبر عندك، في كل مناحي حياتك . ومن جعل الهموم هماً واحداً لنيل رضاه، كفاه الله هموم الحياة وغمومها .

   وحين يستقر تعظيم الله تبارك وتعالى في قلبك، مدعوما بالعلم الصحيح والاعتقاد الراسخ، فإنه يستقيم لك إيمانك، وتنضبط حياتك بشرع الله تعالى، وتقوى لديك الغيرة على دينه ومقدساته، فلا ترضى فيها دنية ولا مهانة. وتشتد خشيتك لربك بقدر معرفتك به سبحانه، كما هي حال العارفين به عن علم ويقين:{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ  عِبَادِهِ الْعلَمَاءُ } [فاطر:28].  قال ابن القيم رحمه الله: ( انهم لو عظموا الله وعرفوا حق عظمته لوحدوه وأطاعوه وشكروه. فطاعته سبحانه واجتناب معاصيه والحياء منه هو بحسب وقاره في القلب).وقال أيضـاً: ( من أعظم الجهل والظلم أن تطلب التعظيم والتوقير لك من الناس وقلبك خال من تعظيم الله وتوقيره ). وهكذا يلزم ان يحضر التعظيم والتوقير عند المسلم في كل أمور دينه وتتجلى فيه  حقائقه وشواهده .

   فاجتهد أن تكون في زمرة المؤمنين الصادقين الذين تمتلئ قلوبهم هيبة وخشية واجلالا، كلما ذكر الله او سمعوا آياته، فذلك برهان صدق إيمانهم:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }. [الأنفال:2]. اولئك الذين يزدادون بآيات الله إيمانا به ويقينا وتعلقا وتوكلا. وأما من هانت عظمة اللـه في نفسه فتساهل بالمعاصي، فليعلم انه ما ضرَّ إلا نفسه، وأن للـه جل وعلا عبادا  لا يعصون ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يسبحون الليل والنهار لايفترون.

   وتدبر معي وصية القرآن العظيم في آيتين كريمتين تحضان على التعظيم: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ، لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوه بُكْرَةً وَأَصِيلاً} (الفتح 8ـ9):

  ـ  فالآية الأولى: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً } تنص على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وغايتها، وقد بعثه الله شاهدا ومبشرا ونذيرا : شاهدا بما أوحى الله اليه من دين الحق الذي لا بديل له ولا مثيل، ومبشرا بفضل الله تعالى ورضاه ورضوانه لأهل الايمان والاستجابة والاستقامة، ونذيرا محذرا من سخطه وعذابه لأهل الجحود والاعراض عن دينه ورسالته.

  ـ والآية الثانية:{ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } تنص على مقاصد تلك الرسالة ومغزاها، وهو الايمان بالله ورسوله، وتوحيد المولى تعالى واخلاص العبادة له، وتعظيمه وتوقيره، ومواصلة التسبيح له بكرة وأصيلا. وفي التسبيح كل معاني الاجلال والتنزيه لذات الله عن كل ما لا يليق بوحدانيته في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. لذلك ترد كلمة (سبحان الله) في مقام التعظيم والتنزيه، حيثما نسب الى الله تعالى ما ينافي حقيقة التوحيد: { سُبحانَ ربِّك رَبِّ العِزةِ عمّا يَصِفونَ }.

    إن النفس واقعة بين الانجذاب الى بارئها بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، وجاذبية الدنيا الفاتنة وغواية الشيطان، ولابد في طريقك الى الله من التعلم والتربية والتزكية والمران. فمرِّن نفسك على الاقبال على الله واستشعار عظمته وهيبته. فبقدرما تمرّن نفسك وقلبك على التفهم والتدبر والخشوع والخضوع في جنب الله، تقوى في قلبك خشيته ومحبته، ولا تفارقك  هيبته في جميع أحوالك وأعمالك. فإذا سولت لك النفس أمرًا أو زين الشيطان لك سوءًا، تبرأت منهما قائلاً: إني أخاف اللـه رب العالمين.

    وبعد هذا ـ أخي الكريم ـ فالعجب كل العجب لمن يزعم انه مسلم ويعرف اللـه تعالى ثم لا يحبه، ويسمع نداءه ثم يتأخر عن الإجابة،  ويعرف قدر الربح في معاملته ثم يعمل لغيره، ويدري قدر غضبه، ويتعرض لسخطه،  ويذوق ألم الوحشة في معصيته و لا يطلب الأنس بطاعته، ويعاني العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا يهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابة إليه. وأعجب من هذا علمه انه لابد له من الله وانه أحوج شيء إليه ثم هو عنه معرض وفيما يبعده عنه راغب ! وليته يسمع ويفقه نداء ربه وما فيه من اللطف والرأفة والعناية،والدعوة الى الاقبال عليه: { يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ }( الانفطار).

 الخطبــة الثانيـــة:

وبعد ـ أخي في الله ـ اعلم ان لأحوال قلبك مع الله تجليات عملية تترجمها جوارحك، في أفعال وأحوال، تبرهن عن مدى تعظيمك لله وتوقيره، في ذاته سبحانه، وفي شعائره وحرماته، تعظيما لدينه وكتابِه ورسوله وبيوته وعباده المؤمنين..

  ـ فعليك بتعظم الله تعالى، بالحياء منه أن يطلع على قلبك، أو أفعالك فيرى منك ما لا يرضى. ولا تكن كمن يستحي من الناس، ولا يستحي من الله وهو يراه ويعلم سره ونجواه : {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } (الأحزاب :37)، فتجد أحدهم يرى من يوقره من الناس، فيلقي السيجارة من يده، أو يتوارى وهو على الذنب، أو يلتزم الأدب في مكالمته أو مجالسته،  ولكنه، مع الله، لا يتحرك قلبه ولا ضميره بمقتضى التعظيم والأدب، فيجاهره بالمعصية وينتهك حرماته بلا حياء !: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً }(النساء : 108). ، فان المؤمن الحق هو الذي يستشعر هيبة الله وخشيته، ويذعن لجلاله، ويخاف غيرته تعالى على حرماته وحدوده. يقول النبي الكريم : ( أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) (رواه البخاري).

 ـ وعظم ربك بتعظيم دينه، تعظيما تقدر فيه عظيم نعمته عليك بهداية الاسلام، فيكون هاجسك الأهم هو  همّ  الاسلام،  همّ العقيدة، هم الغيرة على الاسلام والعيش مسلما، والاعتزاز به، ولا ترضى به بديلا، ولا تفبل فيه تنقيصا ولا زراية .. حينها ستهون عندك هموم الدنيا مهما تشعبت ؛ هموم الرزق والوظيفة و الزواج  و الابناء والمسكن والتعليم  وغيرها .

  ـ  وعظم مولاك بتعظيم كتابه، القرآن الكريم، وليس ذلك بتجويد قراءته فحسب، ولا بتعليقه على جدران البيوت ولا بجعله افتتاحاً واختتاماً للمؤتمرات والمنتديات والبرامج الاذاعية، ولا بقراءته على الأموات في المقابر، بل بإجادة تلاوته، والاحتكام إليه، والعمل به، وتوقير المصحف وآياته وأحكامه ، والعمل فيه بأمر الله تعالى :{ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } (الأعراف/204 ) والسير على هدى نوره ومنهاجه ، فلو انزل على الجبال لتصدعت لهيبته :{ لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (الحشر 21)

     ـ وعظم ربك يتعظيم رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، وذلك بمحبته، والتسليم والرضا بما جاء به، و اتباع سنته، والدفاع عنها { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [آل عمران:31]. وقد حذر القرآن من اساءة الأدب مع النبي لأن ذلك محبط للأعمال :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ} (الحجرات:2). فلا يكتمل إيمانك حتى يكون النبي ـ بعد الله تعالى ـ أحب إليك من نفسك وأهلك والناس أجمعين، وهو الثائل: ( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين ) [البخاري].

ـ ومن تعظيمك لله وشعائره، تعظيم المساجد وهي بيوت الله تعالى، وتقدير مكانتها، والسعي في تشييدها وعمارتها بذكر الله وإقامة شرعه فيها، والمحافظة على صلاة الجماعة بها، قال تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَأَقَامَ الصلاةَ وَءاتَى الزكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ }(التوبة:18). وبصورة أولى وألزم تعظيم الحرمين الشريفين : المسجد الحرام والمسجد النبوي، وهما أشرف واعظم قدرا وبعدهما مكانة المسجد الاقصى. فقد قال الله تعالى محذراً من انتهاك حرمات المساجد أو منع ذكر الله فيها ونشر نور الهداية من على منابرها، وذلك ظلم وعدوان : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }[البقرة:114).

   ومن ذلك ايضا تعظيم حرمة المؤمن واحترام حقوقه وعدم النيل من كرامته أو الاعتداء  عليه بشيء  في نفسه أو ماله أو عرضه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : (..إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا..) (البخاري)، ويقول  ابن عمر يوماً بعد ما نظر إلى الكعبة: (ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمنون عند الله أعظم حرمة منك ).

   هكذا تكون مقتضيات التعظيم والتوقير لله تعالى ودينه وشعائره وحرماته، وأوامره ونواهيه، في العقائد والعبادات وما يتعلق بها من الثوابت والمقدسات المادية والمعنوية ، وذلك من مظاهر التدين الصحيح ايمانا وعملا.

    فيا أخي الكريم، عظم ربك حق التعظيم، ووقره في ذاته وأسمائه وصفاته، وفي كتابه ورسوله، وسائر شعائره وحرماته، وتأدب معه في كل ذلك شعورا وتفكيرا، وقولا وعملا. واحذر الوقوع فيما يقع فيه السفهاء والمبطلون، فان ذلك وخيم العواقب في ميزان الاسلام. قال القاضي عياض رحمه الله: ( واعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه أو سبهما أو جحده أو حرفاً منه أو آية،  أو كذب به أو بشيء منه أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته، على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع ) ( شرح الشفاء  2 / 549 )

فالبس رداء الهيبة من الله والرهبة لعظمته، ولا ترض من السفهاء استهتارهم بمقامه سبحانه، ولا تخالطهم او تجالسهم، بل اعتزلهم وما يقولون او يفعلون، عملا بوصية مولاك سبحانه:

{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُم آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ، إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } (النساء 139). فهذا نهي صريح، وتحذير من الله تعالى للمؤمنين من أن لا يخالطوا الفاسقين والمنافقين الذين يستهزئون بالله سبحانه، ويستخفون بكتابه ورسوله، وأن يعرضوا عنهم حتى لا يصيبهم معهم إثم المشاركة والرضا بما يصنعون.

   فماذا يتبقى من الاسلام والايمان، عند الذين يكرهون دين الله تعالى، ويسخرون ألسنتهم وأقلامهم للسخرية منه ومن شعائره والطعن في أحكامه، وينعتونه جهرة بالرجعية والظلامية ودين الارهاب، مستجيبين بقصد أو غير قصد لاملاءات الاعداء وفلسفاتهم: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ .إِن يعْفَ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ تعَذِّب طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } (التوبة 65ـ  66).

  ثم ماذا يكون حكم المحسوبين على الاسلام وهم يتجرؤون على الله تعالى في صورة بشعة من الاستهتار، تدل منهم على اقفار القلوب من كل خير، وهم يرسلون ألسنتهم بسب الله جل وعلا، أو سب دينه أو رسوله. وانها لجريمة نكراء لا تطيقها السموات والجبال، لكن واقع المسلمين يكاد يطيقها وياللعجب !، وهو يتغاضى عن أصحابها، وهم يتطاولون على أصل الأصول في الدين والايمان، والله تعالى يقول في أمثالهم الأولين من المشركين والمنافقين: { وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } ( التوبة 12)، سماهم الله تعالى أئمة الكفر وهم يطعنون في الدين، فكيف بمن يتجرأون على ذات الله جل وعلا !؟.

     فاللهم انا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك، انت سبحانك كما أثنيت على نفسك .

  وصل اللهم وسلم على خير خلقك محمد وآله وصحبه.

نفسٌ مطمئنةٌ بنور ربِّها

عناصر المادة 1- نورٌ وكتابٌ مبينٌ 2- الشهوات والحكمة من خلقها؟ 3- أسباب انتشار الشهوات المحرّمة 4- علاج الشهوات مقدمة: يصارع الإنسان خلال مراحل حياته المختلفة بعض الشّهوات الإنسانيّة، ولا شكّ أنّ كبح جماح هذه الشّهوات يشكّل تحدياً للإنسان الّذي يطمح إلى المثاليّة والكمال في حي

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح