والله يعلم وانتم لا تعلمون

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 12 اغسطس 2017 الساعة 06:18:09 مساءً

كلمات دلالية :

الايمان
والله يعلم وانتم لا تعلمون

الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، أحاط بكل شيء علما وهو على كل شيء شهيد، علا بذاته، وقهر بقدرته، وهو أقرب إلى عبده من حبل الوريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدخرها ليوم يشيب لهوله الوليد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، بشّر وأنذر وحذر يوم الوعيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.ايها الاخوة المسلمون :يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)﴾ سورة القمر. وقال الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)﴾ سورة الفرقان.

إن الإيمان بالقدر خيره وشره واجب أي أنه يجب على الإنسان أن يؤمن بأن كل ما دخل في الوجود من خير وشر هو بتقدير الله الأزلي، فالخير من أعمال العباد بتقدير الله ومحبته ورضاه، والشر من أعمال العباد بتقدير الله وخلقه وعلمه ولكن ليس بمحبته ولا برضاه. فالله تعالى خالق الخير والشر لكنه يرضى الخير ولا يرضى الشر. الله تعالى خالق أفعال العباد ونياتهم ومشيئتهم شرّها وخيرها.

واعلموا أنه لا يجري شىء في هذا العالم إلا بتقدير الله سبحانه وتعالى. والقدر هو جعل كل شىء على ما هو عليه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإيمانُ أن تؤمنَ بالله وملائكتِهِ وكتبهِ ورُسله واليومِ الآخرِ والقدرِ كلِّه خيرِهِ وشرِهِ“ رواه الإمام أحمد، أي أن المخلوقات التي قدرها الله وفيها الخير والشر إنما وُجِدت بتقدير الله الأزلي.

والإيمان بالقدر هو من الأمور المهمة ويكون باعتقاد أن كل شىء يحصل بتقدير الله ويدخل في ذلك عمل العبد الخير والشر، وأن إرادة الله نافذة في كل ما أراده بمشيئته الأزلية على حسب علمه الأزلي، فما عَلِمَ الله كونَه أراد كونه في الوقت الذي يكون فيه، وما علم أنه لا يكون لم يرد أن يكون فلا يحدث في العالم شىء إلا بمشيئة الله.

وفعل الأسباب لا ينافي التوكل على الله، ولا ينافي اعتقاد أن كل شىء بتقدير الله، فإن المريض إذا تناول الدواء الذي هو سبب للشفاء لا ينافي هذا اعتقاده أن الشافي على الحقيقة هو الله تعالى، لأن أفكارنا وأعمالنا ومشيئاتنا هي بخلق الله وتقديره ومشيئته التي لا تتغير ومن اعتقد خلاف ذلك فليس بمسلم.

 ايها االاخوة :لا يحصل شىء إلا بمشيئة اللهقال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)﴾ سورة التكوير، وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علَّم بعض بناته أن تقول: “ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن” رواه أبو داود. فكل ما شاء الله أن يكون كان وما لم يشأ أن يكون لا يكون ولا تتغير مشيئته، وهذه كلمة أجمع عليها المسلمون سلفهم وخلفهم.

 ان الله يفعل ما يشاء ويستحيل في حقه الظلم جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أبو داود والإمام أحمد في مسنده وابن حبان عن ابن الديلمي قال: أتيت أُبَي بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شىء من هذا القدر فحدثني بشىء لعله يذهب من قلبي، قال: “إن الله لو عذّب أهل أرضه وسمواته الجن والإنس والملائكة لعذّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم. ولو رحمَهم كانت رحمتُه خيرًا لهم من أعمالهم -إحسانًا منه لا وجوبًا عليه-، ولو أنفقتَ مثلَ أحدٍ ذهبًا في سبيل الله ما قَبِلَه الله منك حتى تُؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك -من خير أو شر- لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مِتَّ على غيرِ ذلك دخلتَ النار“. قال: ثم أتيتُ عبد الله ابن مسعود فقال مثل ذلك قال: ثم أتيتُ حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك قال: ثم أتيتُ زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.

وقد قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه “الفقه الأكبر” عن الله تعالى: “هو الذي قدّر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شىء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره”.

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: “من أعظم أصول الإيمان القدر فمن أنكره فقد كفر”. وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه “العقيدة الطحاوية”: “وأصل القدر سِرُّ الله تعالى في خلقه، لم يطَّلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمّق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسُلَّم الحرمان ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه -خلقه- ونهاهم عن مرامه -طلبه- كما قال تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)﴾ -سورة الأنبياء- فمن سأل لـِمَ فعل -أي على وجه الاعتراض على الله- فقد ردَّ حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين”.

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: “يا غلامُ إني أعلّمُك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجدْهُ تُجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلَم أن الأمةَ لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشىء لم ينفعوك إلا بشىء قد كتبَهُ الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشىء لم يضروك إلا بشىء قد كتبه الله عليك رُفعت الأقلامُ وجفَّت الصُحُف” رواه الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن صحيح. فإذًا لا نافع ولا ضار على الحقيقة إلا الله.

ايها الاخوة المسلمون: اعلموا ان كل تقدير يقدره الله يكون مألوه في نهايته الى خير في كل شيء

فقد روى الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لما كانت الليلة التي أُسري بي فيها وجدتُ رائحة طيبة فقلت: ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها قلت: ما شأنها؟ قال: بينا هي تَمشُط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها فقالت: "بسم الله"، قالت بنت فرعون: أبي؟ فقالت: لا، ولكن ربي وربك ورب أبيك الله، قالت: وإن لك ربًّا غير أبي؟ قالت: نعم، قالت: فأُعلمه بذلك؟ قالت: نعم، فأعلمته بذلك، فدعا بها فقال: يا فلانة ألكِ ربٌّ غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله الذي في السماء، فأمر ببقرة من نحاس فأُحميَت ثم أخذ أولادها يُلقَون فيها واحدًا واحدًا فقالت: إن لي إليك حاجة قال: وما هي؟ قالت: أُحبُّ أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد فتدفنَّا جميعًا قال: ذلك لك بما لك علينا من الحق، فلم يزل أولادها يُلقون في البقرة حتى انتهى إلى ابن لها رضيع فكأنها تقاعسَت من أجله فقال لها: يا أمَّهْ اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ثم أُلقيَت مع ولدها، وتكلم أربعة وهم صغار: هذا، وشاهد يوسف، وصاحب جُريج، وعيسى ابن مريم.

مجزرة يَرتكِبها فرعون ويَرتكبها كل الفراعنة من بعده، مجزَرة تستهدف الأبرياء الأطفال والنساء، قدَر كونيّ يُقدِّره المولى - عز وجل - في أن تذهَب هذه المرأة وأبناؤها ضحية لجَريمة من جرائم الطُّغاة والجبابرة، لكن ما نجهله نحن تلك المنزلة العالية التي نالتْها تلك الأسرة المباركة، حتى فاح طِيب رائحتهم ليَشمَّها أهل السماء جميعًا، فرغم عظيم الفاجعة إلا أن الله أعدَّ للضحية جنة عظيمة، فما نراه اليوم من جريمة هنا أو هناك ويقع من ضحاياها الأبرياء ما هي إلا لَمحة من تلك اللمحات، وكأني بكل ضحية بَريء تَفوح رائحته الطيبة الزكية عند أهل السماء، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون.

نحن ما رأينا إلا الظواهِر ولا نعلم البواطن، نحن ما رأينا إلا الآثار أما النتائج فإننا لا نعلمها، لكن ليكن أحدُنا على يقين بأن الله مُطَّلع على كل شيء؛ ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59]، ﴿ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ﴾ [فاطر: 11].

فما نراه من جريمة اليوم هنا أو هناك لا تَخرج أبدًا عن قوله - عز وجل - ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، ما نراه اليوم لا يخرج أبدًا عن قوله - سبحانه -: ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [النور: 11].

إخوة يوسف - عليه السلام - أرادوا قتله فلم يَمُت، أرادوا محوَ أثره فارتفع شأنه وعلا نجمه، أرادوا بيعَه مملوكًا فأصبح ملكًا، أرادوا أن يُزيلوا محبته من قلب أبيهم فما ازداد أبوهم إلا حبًّا وشغفًا به، وكأن الله - عز وجل - يقول: ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [النور: 11].

يأتي موسى والخِضر - عليهما السلام - ويخرق الخضر السفينة، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون، ويقتل الغلام فالله يعلم وأنتم لا تعلمون، ويمنَع الرزق عن الأيتام ببناء الجدار، والله يعلم وأنتم لا تعلمون؛ لأن ما أخفاه الله من لطفه بعباده أعظم وأعظم.

ثمامة بن أثال - رضي الله عنه - يقع أسيرًا بيد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فيَمكث في أسره ثلاث ليال هي خير ليال كانت سبب إسلامه، فكان أسرُه خيرًا له، والمرأة السوداء التي قصَّ لنا البخاري قصتها يوم اتَّهمها قومها بالسرقة فخرجَت مُهاجِرة لتدخل المدينة فترى النبي - صلى الله عليه وسلم - فتُسلم على يدَيه، فكانت تلك المظلمة لهذه المسكينة السبب في دخولها الإسلام.

رجل في بادية في يوم واحد مات حمارُه وكلبُه وديكه، فضاق أهل البيت مما أصابهم، وفي تلك الليلة غزاهم قوم فأخذوا يَستدلون على الخيام بنهيق الحمير ونباح الكلب وصراخ الديك، فأحرقوا كل خيام القرية، إلا خيمة الرجل المسكين، فكان الأمر خيرًا له، فأنت لا ترى لطفه - عز وجل - في تقديره ولا تَشعُر به إلا في بعض ما يشاء هو - سبحانه.

وهذا رسولك - صلى الله عليه وسلم - ذهب ليَعتمر فتعترضه قريش بصُلحِ الحديبية، فلم تَحصل لهم العمرة وضاق بعض الصحابة بهذا الصلح، فكان خيرًا لهم، فسمَّاه الله فتحًا فقال - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 27] فعلم ما لم تعلموا، ما أجملَها من عبارة، وما ألطفَه من تقدير! وكما قال يوسف - عليه السلام -: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾ [يوسف: 100].

ففوِّض أمرك إلى الله في كل ما يَجري حولك، فكل شيء يسير وَفْقَ تقديره - عز وجل - وهو يعلم ونحن لا نعلم، وتأمّل في أمر يعقوب - عليه السلام - يوم أن خاف على يوسف أن يأكله الذئب؛﴿ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ﴾ [يوسف: 13]، ففقد يوسف وفقَد بصره، لكنه يوم أن فوَّض أمره إلى الله فقال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾ [يوسف: 83] عاد له يوسف وعاد له بصره.

تذكير المؤمنين بوعد رب العالمين

أيها المسلمون، إنَّ معركة المصير التي قضَى الله ألاَّ تَخبُوَ نارُها، ولا تُخْمَد جَذوتها، ولا يَسكن لهيبُها، بل تظلُّ مستعِرةً، حتى يَرِث الله الأرض ومَن عليها، هي معركة الحق مع الباطل، والهدى مع الضلال، والكفر مع الإيمان. وإن هذه المعركة في واقعها - يا عباد الله - انتفاضةُ الخ

في طريقك الى الله عوائـق

يقول الله جل وعلا: { الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّـا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِيــنَ } (العنكبوت 1ـ2). اخي في الله، وقد علمت ما يعن

الأمر بالعدل والإحسان

اعلموا أيها المسلمون: أن الله جل وعلا يقول: ﴿ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: ٩٠]. فالله جل وعلا يأمركم بالفضائل وينهاكم عن الرذائل، وما من