" ثــق بــربــك واطـمـئــن "

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 8 اغسطس 2017 الساعة 09:58:05 صباحاً

      الحمد لله رب العالمين، الملك الحق المبين، رب السموات والارض وما بينهما ورب الاولين والاخرين، سبحانه وتعالى، عز جاره وجل ثناؤه وتقدست اسماؤه ولا اله غيره. خلق خلقه بقول كن لا يعجزه شئ في الارض ولا في السماء، اذا قضى امرا فانما يقول له كن فيكون، بيده ملكوت كل شئ واليه ترجعون. اشهد انه الله لا اله الا هو وحده لاشريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله، ارسله الرحمن الرحيم رحمة للعلمين، ومحجة للسالكين وحجة على العباد اجمعين، فبلغ الرسالة و ادى الأمانة ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى اتاه اليقين. فاللهم صل عليه وعلى أل بيته الطيبين، وصحابته الكرام والتابعين ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين.

      أخي الكريم، ونحن في عالم مشغول ومهووس بمشاغل الابدان ومطالبها المادية، من المأكل والملبس والمسكن والملذات.. أدعوك الى اطلالة فاحصة على عالمك الباطني، وبالذات على فلبك، لتنظر ما هي حاله؟ وما حظه من الاغذية الايمانية الروحية التي لا يحيا ولا يصح ويقوى الا بقدر الانطواء عليها. وهي التي تجعله موصولا بالله بارئه، متعلقا به، متفانيا في عبوديته. فالقلب مناط الاولوية، وما تراجعت همم الطاعات وعزائم القربات في تدين اكثر المسلمين الا حين اختل نطام الاولويات، حيث جعلوا الإهتمام بأعمال الجوارح مقدما على اعمال القلوب. وانما الاساس في اعمال القلوب، وما الجوارح الا ترجمان عملي لها. فهلا اهتممت بما يصلح قلبك وهو سلطان جوارحك في فعلك وانفعالك.

  وأعظم ما يحيي قلبك، ويقوي ايمانك، ويشحذ عزائمك في الطاعات والقربات، هو  معرفتك بالله عزّ وجلّ عن علم ويقين وبصيرة. فمن عرفَ الله ووجده فقد وجدَ كلّ شيء، ومن فقد الطريق الموصلة إليه ولم يعرفه فقد هلكَ وخسر. وبقدر معرفتك بربّك سُبحانهُ وتعالى يكون الإيمان به واليقين والثقة والتوكّل وحسن الظنّ بهِ، والطمأنينية لحكمه وقضائه وتدبيره.

   فاعلم ،هداك الله، ان علاقتك بالله تعالى قائمة أولا وأساسا على ما يملأ قلبك بعد الايمان من المشاعر القلبية نحوه، وهي الثمار الطيبة لإيمانك، ومنها: الحب والاخلاص والخشية والرجاء واليقين والثقة والتوكل والرضا والانس وغيرها. فمتى كانت هذه الاعمال القلبية صحيحة صادقة، صح ايمانك وقويت صلتك بربك، واستقامت لك العبادات البدنية، وسما قدرك في مدارج العبودية. ومع الأسف تجد هذا الاساس القلبي في العبودية والعبادة لا ينال الاهتمام المطلوب عند كثير من الناس الذين قد يتنافسون في الطاعات البدنية، ولكن بحرارة قلبية باهتة،وهمم واهية، وكيف تستقيم صلاة او صيام او ذكر على غير حرارة المحبة والاخلاص والثقة وغيرها من اعمال القلوب ؟ ! .

    فهل تدرك ما هي حقيقة الثقة بالله؟ وما فضيلتها وثمارها على المؤمن الواثق، في نفسه ودينه وحياته ؟

   ـ فالثقة ائتمان مع اطمئنان، فاذا وثقت بفلان ائتمنته واطأننت اليه، لما تعلم عنه من أنه أهل لذلك. والثقة في شرع الله، اقبال القلب على الله بالرضا والتسليم والاستسلام، اطمئنانا الى حكمه وحكمته، لا يخالط فلبك شك ولا توجس، فيكون تعلقك به وحده في ابتغاء الخير واتقاء الشر، مفوضا اليه الامر كله في السراء والضراء { وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.( غافر: 44 )

  والثقة بالله تعالى ثمرة معرفته، فمن عرف ربه يقينا وثق به ثقة مطلقة تسكن اليها نفسه ويطمئن قلبه راضيا. ومن ذلك الثقة بشمول علمه وكمال حكمته، وسعة رحمته، ومطلق قدرته ومشيئته، وأنه إعلم بعباده وأرحم بهم من أنفسهم، وأدرى بمصالحهم الدينية والدنيوية { ألا يَعلمُ مَن خَلقَ وهُو اللطيفُ الخَبيرُ} (الملك14). لذلك كانت الثقة واقعة بين قوة اليقين وهو منطلقها، وصدق التوكل على الله وهو نتيجتها. وهيَ معنى واسع تجتمع فيه معاني الإيمان الراسخ بالله واليقين الصادق به والاطمئنان إلى أحكامه وقضائه ونصره ووعده ووعيده وثوابه وعقابه، وأن كلّ أمرٍ من أموره أو أوامره نافذ، وكلّ قضاء له واقع، فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه.

    فبـادر ـ اخي الكريم ـ لتملأ فلبك ثقة بالله، كي يذوق بها برد اليقين وسكينة الرضا، وسعادة الحياة لله ومع الله، وينعَـم بجنة الطمأنينة في الدنيا قبل جنة الخلد في الاخرة.. وحينها يهون عليك كل شيء سوى الله من متاع الدنيا الفانية، الذي يشقى الناس بالتنافس فيه والصراع من أجله. ماذا تخشى او يهمك وانت في جنب الله. بل ماذا تفقد إذا وجدت مولاك، وماذا تجد لو فقدته . فلو أنك خسرت الدنيا كلها وانت مع الله، ما خسرت شيئا، ولكنك لو ربحت الدنيا كلها وانت بعيد عن الله، فقد خسرت كل شيء. فما هي الا دنيا دنية لا تعدل عند الله جناح بعوضة : ( لو كانت الدنيا تَعدِل عند الله جناحَ بعوضة ما سقى كافرا منها شَربة ماء ) (الترمذي).

   انما هي " دُنيا وستنقضي"، كلمة خلفها معانٍ كبيرة، ومواساة عميقة إن تدبرتها بإمعان. أرأيت الى سحرة فرعون بعد أن استقر الإيمان بالثقة في قلوبهم وأيقنوا أنها دنيا ستنقضي .. ماذا قالوا حين توعدهم فرعون بالعذاب الأليم ؟ : {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}. انظر كيف زالت كل المخاوف ووقفوا بقوة وثبات أمام سطوة الطغيان والتهديد والوعيد ؛ لأنهم علموا ان الله ربهم، حقا، بعد ان كانوا عبيدا لفرعون ظلما وزورا، وذاقوا للتـوّ سعادة اليقين، وايقنوا ان الله سيجزيهم بدار البقاء، فارتفعوا عن الدنيا وكسروا اغلال الضلال، وخَرّوا لله سُجـدا  !.

   أقبل على الله بقلب تغمره طمانينة الثقة بالله، ولا تشكُ هما ولا غما إلا اليه وحده، فلا بد من فرج قريب.. اليس الله هو الذي قال : { فانّ مَع العُسرِ يُسْرا انّ معَ العُسرِ يُسرا } وهو الذي قال لعباده : ".. لا تَقنَطُوا.." ، ولك في سيَر الانبياء وصايا الواثقين بربهم مطمئنين، فقد قال يعقوب لأولاده " لا تيأسوا..." . وقال يوسف لأخيه " لا تبتَئِس.." ، وقال شعيب لموسى " لا تخف..." وقال نبينا لصاحبه في الغار:" لا تَحـزَن إنّ اللهَ معَنا..."

ـ إنها الثقة بالله التي تجدها في إبراهيم عندما أُلقي في النار.. فقال بعزة الواثق بالله: حسبنا الله ونعم الوكيل.. فجاء الأمر الإلهي: {.. يا نارُ كونِي بَرداً وسَلاماً على إبراهِيمَ}.

ـ والتي تجدها في هاجر عندما ولى زوجها و تركها في واد غير ذي زرع.. فقالت: يا إبراهيم لمن تتركنا.. قالتها فقط لتسمع منه كلمة يطمئن بها قلبها.. فلما علمت أنه أمر إلهي قالت بعزة الواثق بالله.." إذن لا يضيعنا "، ففجر لها ماء زمزم، وخلد سعيها.. ولو أنها جزعت وهرعت لما تنعمنا اليوم ببركة ماء زمزم.

 ـ وهي الثقة بالله التي خاطب بها موسى قومه المذعورين، لما خرج بهم من مصر، وأدركهم فرعون وجنوده { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}(الشعراء 25) فكان جواب موسى الواثق من معية الله وعنايته: { قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} فجاء الفرج حالا :{ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ َفكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ}(الشعراء 63 ـ 66).

 ـ والثقة بالله التي تجدها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لصاحبه وهما في الغار، والمشركون واقفون بالباب: " لا تحزن ان الله معنا "..

ـ وهي الثقة بالله التي  كانت عند الصحابة الكرام، حين قيل لهم.. " إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم.."  ولكن ثقتهم بالله أكبر من قوة أعدائهم وعدتهم.. فما زادهم ذلك الا ايمانا ويقينا:{ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ }.

    فاذا صحت منك الثقة بالله، علمت يقينا ان لا أحد يملك لك نفعا ولا ضرا الا بمشيئته، فاخلص الدعاء له فيما يهمك واثقا انه سميع قريب مجيب :

ـ فمن يملك ان يفرج عنك الضيق غير الله..{ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } (التوبة 118)

ـ ومن يملك ان يكشف عنك كربتك غير الله..{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } (الانبياء 76)

ـ ومن يملك رفع الضر عنك غير الله..{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُـرٍّ } (الانبياء 84)

   تدبر هذه الكلمات لابن القيم رحمه الله : " إذا عطش قلبك فلا تسقه إلا بالقرآن.. وإذا استوحش فلا تؤنسه إلا بذكر الرحمن.. فمن أوى إلى الله آواه.. ومن فوض أمره إلى الله كفاه ..ومن باع نفسه إلى الله اشتراه .. فطوبى لمن آواه ربه وكفاه، واشتراه فرضي عنه وأرضاه. لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة.. عوقب بالخروج منها. ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا، لبث فيه بضع سنين. فلا تسأل غير الله فليس دونه واسطة ".

   فثق بمولاك واخلص الرجاء فيه، ولا تشْكُ همك الا له، فإانه لا يعلم ما يحمل صدرك من الهم او الغم او الحزن سوى الذي يعلم سرك ونجواك، وهو الله.{ أليسَ اللهُ بِكافٍ عَبدَه}. فلِمَ اللجوء الى المخلوق، والله يكفيك ويحميك ويعطيك. فعليه توكل، وبه استـغنِ عن الناس، فانه كلّما خرجت من دائرة التعلّق بما عند الناس، وأقبلت على ربّ الناس، زادَ اليقين والثقة في نفسك بربّك. واذا رايت الناس يتخلون عنك في الشدة، فاعلم ان الله مولاك يريد ان يتولى امـرك..

  روى أحدهم فقال : " سمعني شريح بن الحارث الكندي ـ تابعي جليل- أشتكي بعض ما أغمّني لصديق، فأخذني من يدي، ومال بي جانباً، وقال: يا ابن أخي .. إيَّاك والشكوى لغير الله عز وجل، فإن من تشكو إليه لا يخلو أن يكون صديقاً أو عدوًّا، فـأمَّا الصديق فتحزنه بشكواك، وأمَّـا العدو فيشمت بك. ثم قال: انظر إلى عينِي هذه - وأشار إلى إحدى عينيه – فو الله ما أبصرتُ بها شخصاً ولا طريقاً منذ خمسَ عشرة سنة، ولكني ما أخبرتُ أحداً بذلك إلَّا أنت في هذه الساعة. أما سمعت قول العبد الصالح: ( إنَّمَا أَشْكُوا بَثِّيْ وحُزْنِي إِلَى الله ).

   وإذا كنت على ثقة بالله صادقة، فأنت راض بقضائه، واثق من حكمته ورحمته فيما يقضي، مطمئن الى ما يأتيك منه في السراء والضراء. إن اصابتك سراء كنت له شاكرا، ولك جزاء الشاكرين، وإن اصابتك ضراء صبرت واحتسبت، ولك جزاء الصابرين، فإن البلاء إذا اشتد على أهل الإيمان قويت ثقتهم بالله تعالى ولم تضعف. تلك حال المؤمن الواثق الذي تعجب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ، إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ .) رواه مسلم .

  فالجأ الى الله مولاك، وألق همومك واسرارك وكل ما عندك بين يديه سُبحانهُ، وأقبل عليه بالدعاء في جوف الليل وهجير النهار، واثقا أنه هو السميع العليم، وستفتح لكَ أبواب الرحمة والقبول والرضا. فإن موسى الرضيع، وهو في منتهى ضعفه لم يغرق.. وغرق فرعون وهو في قمة جبروته !. فسلّم أمرك لربك على ثقة ويقين، فالثقة بالله ازكى أمل، والتوكل عليه أوفى عمل، ولن يصيبك الا ما كتب الله وقـدّر.. وقل الحمد لله على كل حال، فهو المدبر الحكيم. وتدبر قوله تعالى: { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} ( الطلاق: 2- 3)

 

الخطبــة الثانيــة :

        عن الْبَراءِ بن عازبٍ (رض) قال : كَانَ رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم إذا أَوَى إلى فِرَاشِهِ نَامَ عَلى شِقَّهِ الأَيمنِ، ثُمَّ قال : « اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إليْكَ ، وَوجَّهْتُ وَجْهي إلَيْكَ ، وفَوَّضْتُ أَمْرِي إلَيْكَ ، وَأَلجَأْتُ ظهْري إلَيْكَ ، رَغْبةً وَرهْبَةً إلَيْكَ ، لا مَلْجأ ولا مَنْجى مِنْكَ إلاَّ إلَيْكَ ، آمَنْتُ بِكتَابكَ الذي أَنْزلتَ ، وَنَبيِّكَ الذي أَرْسَلْتَ » (رواه البخاري).

 دعاء نبوي جميل، جامع لكل معاني عبودية التوحيد على ثفة بالله لا حدود لها، و تمام التوكل عليه، وتفويض امر المحيا والممات اليه وحده. فاجعله ـ أخي الكريم ـ زادك ومنهجك في ثقتك بربك، بمطلق الرضا والتسليم والتفويـض.

    ثم اليك قصةً طريفة في يقين الثقة بالله على الرضا والطمأنينة :

   سافر زوجان في رحلة بحرية، وبعد أيام في البحر، ثارت عاصفة برياح عاتية وامواج هائجة كادت أن تودي بالسفينة. وساد الذعر والخوف بين كل الركاب حتى قائد السفينة، وأيقنوا انهم هالكون، الا أن تحدث معجزة الهية. وفي هلع وصياح، اقبلت الزوجة على زوجها تستصرخه، لكنها فوجئت به كعادته جالساً هادئاً، لا يكترث بما حوله، فازدادت غضباً وعويلا، و اتّهمتهُ بالبرود واللامبالاه. لكنه نظر اليها بوجه عابس وعين غاضبة، واستل خنجره، ووضعه على صدرها، وقال لها بكل جدية وصرامة: ما الذي يخيفك الأن ، العاصفة أم الخنجر ؟ قالت: لا والله ما أخاف خنجرك !، قال: و لِمَ لا تخافين؟ قالت: لأنه في يد من أثق به وأحبه ؟ فابتسم الزوج وقال: هكذا أنا على كل حال، فهذه الأمواج الهائجة ممسوكة بيد من أثق به وأحبه، فكيف أخاف إن كان هو المسيطر على كل الأمور، وهو المدَبر اللطيف الخبير ؟

   أخي الكريم، إذا أتعبتك أمواج الحياة ..وعصفت بك رياح المكاره، وصار كل شيء ضدك ..فلا تخف ! فلربك القدرة على تصريف كل ريح عاصفة !!..فإن كنت تومن به حقا وتحبه وتجله، فثق به ودع أمورك له يتدبرها بعلمه وحكمته، وتوكل عليه، { ومَن يتوكّلْ على اللهِ فهُو حَسبُه }. وتأمل أحوالك ووقائع حياتك، فستجد ما يزيدك ثقته به ويقينا في حكمه وتدبيره، وقد مررت ولا شك بمواقف صعبة حصلت معك أو مع غيرك، فانظر كيف نجّاك الله تعالى منها ومن الضرر الذي كان سيلحقك جراءها.

   ولأهمية الثقة بالله ومنزلتها في علاقتك بالمولى تعالى، فإن ما يواجهك من الابتلاءات ليس اختبارا لقوتك الذاتية، بل هي اختبار لمدى ثقتك بالله وصدق توكلك عليه. لذا فان الواثق بالله يحيا في كل أحواله على الرضا وسكينة النفس، لا يشقيه هم ولا غم، ولا يساوره شك ولا يأس، ما دام على يقين الاعتقاد أن له ربا عليما حكيما رحيما، يتولى أموره في السراء والضراء، وأنه لا حول له ولا قوة إلا به، في إيمانه وطاعاته، وفي صحته ومرضه، وفي غناه وفقره، وفي سعيه وكسبه وإنفاقه، وفي كل حياته ومماته:{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الانعام 162).

 

استدراج الشباب للشبهات

قال لي أحد الشباب " أنا ما أحب أحد يفكر عني، أنا عندي عقل واقدر أحكم بنفسي ما هو الصواب وما هو الخطأ". قلت له "لم أفهم؟" قال " يا أخي التفكير النمطي الذي تعودتم عليه تغير ولا بد أن نعيد قراءتنا لبعض المفاهيم والموروثات في ظل معطيات العصر الحديث" قلت "وضح لي أكثر" قال " أنا أعترف

أرض ربّك ولو سخط الخلق عليك

عناصر المادة 1- التماس رضا الله تعالى 2- طريقان لا ثالث لهما 3- صور من الثبات على الحق طلبا لمرضاة الله 4- كيف ينال العبد رضا الله عزوجل مقدمة: إنّ العاقل من يحفظ جانب الله تعالى – وإن غضب الخلق عليه – وليس من يحفظ جانب المخلوقين ويضيع حق الخالق عز وجلّ فليتك تحلو والحياة م

اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا

أيها المؤمنون/ عباد الله: الاستعانة بالله تحقيق للتوحيد، و عصمة للقلب، وملاذ للنفس، وطمأنينة للفؤاد، ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل ولا أحفظ ولا أسلم للمؤمن من الاستعانة بالواحد الأحد - جل وعلا.. فهل يُهْزم من استعان به؟ وهل يخاف من لجأ إلى محرابه؟ وهل يحرم من انطرح على أعتابه؟ إن ا