الدعاء والتضرع في ظلمة السجون

التاريخ: الأحد 23 يوليو 2017 الساعة 05:02:55 مساءً

كلمات دلالية :

الخشوع الدعاء
الدعاء والتضرع في ظلمة السجون

السجنُ من أنواع البلاءِ الذي يبتلي اللهُ به عبادَه المؤمنين؛ ليمتحن صبرهم وفراقهم لأهلهم وذويهم، وليمحِّصَ صبرهم وثباتهم، وقد أصاب هذا البلاء الكثير من العلماء والفقهاء والصالحين والمجاهدين، فكان السجن لهم مدرسة تزوَّدوا منها بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وكان الحبس لهم دورة يأخذون منها الدروس والعبر، ويستلهمون منها العظة والخبرة، فخرجوا من غيابات السجون أكثر إيمانًا وصبرًا، وأعظم ثباتًا وعلمًا ويقينًا، وبعضهم فضَّل البقاء فيه حتى ينجلي الحق، وينكشف زيف الباطل، بالرغم من مرارة البقاء، وقسوة المكان، وسواد الجدران.

 

ولا ريب في أن بقاء الإنسان بين الجدران لا يرى فيه أحدًا فيستأنس بحديثه، أو جليسًا يسامره، بل قد يجالس من لا يرغب برؤيته، وتنفر الطباع من مقارنته وصحبته، إضافة إلى أن الحبس يمنع الإنسان من مباهج الحياة ولَذَّاتِها، وسرور الحياة ومتعتها، ويحجبه عن رؤية الأحباب والأصدقاء، ومزاولة عمله ونشاطه في السراء والضراء، بل أعظم من ذلك أن يحال بينه وبين أهله وفلذات كبده، وجلب ما يفرحهم ويمتعهم، ويسعدهم ويؤنسهم، وفيه أن المسلم يحرم من الصلاة في الجمعة والجماعات، ونقل الأقدام إلى الصلوات، وأعظم من ذلك أن يمارَس عليه أنواعٌ من التعذيب النفسي والجسدي، فالأمر ليس بالسهل واليسير، بل هو أقرب إلى الأمر العسير، ولا يصبر عليه ألا أهلُ التقوى والإيمان، والإرادة القوية والعلم والبيان، حتى لخَّص بعض الشعراء حالة السجين ونفسيته بقوله:

خَرَجْنَا من الدنيا وَنَحْنُ مِنَ اهْلها

فَلَسْنا منَ الأمواتِ فيها ولا الْأَحْيَا

إذا دخلَ السجَّان يومًا لحاجة

عَجِبْنا، وقلنا: جاءَ هذا من الدنيا

ونفرحُ بالرؤيا، فَجُلُّ حديثِنا

إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا

فإنْ حسُنت كانت بطيئًا مجيئُها

وإن قبُحت لم تنتظرْ وَأَتَتْ سَعْيا

 

فلا ينبغي لأحد أن يتمنَّى البلاء، أو يرجو حصوله؛ لأنه لا يعلم العاقبة، أو المصير والمآل، وقد تخونه قواه، ويفقد عزيمته، وتزلُّ قَدَمُه، ولذا جاء الحديث عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لا يَتَمَنَّى أَحَدُكُم الْمَوْتَ، وَلا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُم انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلا خَيْرًا))؛ رواه مسلم.

 

لكن من ابتُلي به فعليه أن يستثمر وقته، ويتزوَّد منه، ويكثر من الدعاء والتضرُّع وبثِّ الشكوى إلى المولى سبحانه أن ينجِّيَه ويرزقه العافية، ويخلو مع ربه ويراجع حساباته، ويكثر من تلاوته للقرآن، والذكر والتسبيح والاستغفار.

 

وممن ابتُلي بهذا البلاء فنجَّاه الله من الغم، وأبدله فرحًا ونجاة، وتوبة وسرورًا: سيدنا يونس عليه السلام حيث حبس في بطن الحوت، وسجن في ظلمات ثلاث؛ قال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 87، 88].

 

ومنهم سيدنا ونبيُّنا يوسف عليه السلام اتخذ من السجن مدرسةً للتعليم والدعوة، ومكانًا للخلوة والعبادة والذكر والتسبيح، وفي النهاية وبعد سنين أبى أن يخرج من السجن حتى يُظهر اللهُ الحقَّ، ويكشف زيف الباطل، وكان يكثر من الدعاء بأن يصرف الله عنه كيد الكائدين: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 33 - 37]، فخرج من السجن مرفوعَ الرأس، ومكَّنه الله من الحكم وخزائن الأرض يقسم بالسوية والعدل، وينشر الرحمة والفضل.

 

ومن أصحاب نبيِّنا ورسولنا صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل خبيب بن عدي رضي الله عنه لمَّا حبسه المشركون ليقتلوه، وقيَّدوه لينتقموا منه حصل له من الكرامة ما يحصل لأولياء الله سبحانه، تقول مارية مولاة حجير بن أبي إهاب: "حُبِسَ خبيب في بيتي، ولقد اطَّلعت عليه، وإن في يده لقطفًا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه"، فلمَّا خرجوا به من الحرم إلى التنعيم ليقتلوه، جعلوا يفاوضونه على إيمانه وثباته ليتنازل عنه، فكان إيمانه قويًّا كالجبال الرواسي.

 

ومن أئمة الهدى الإمام أبو حنيفة النعمان حينما سُجن في بغداد بسبب رفضه تولِّي القضاء، فأمر الخليفة بضربه وسجنه، ولسان حاله يقول كما قال سيدنا يوسف: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ [يوسف: 33]، وفي ظلمة السجن لقي من التضييق والتشديد، والعنت والتنديد، ولكن عزيمته لم تلن، وإيمانه لم يخبُ حتى فاضت روحه إلى خالقها.

 

ومنهم الإمام ابن تيمية رحمه الله؛ فقد سجن سبع مرات مجموعها تقريبًا ست سنوات، منها سجنه بدمشق مدة ستة أشهر، وقد استثمرها في التأليف وكتابة الرسائل والردود على المخالفين، وأطول الفترات هي محبسه للمرة السابعة، مدتها عامان وثلاثة أشهر ونصف تقريبًا، ومنها أخرجت جنازته من سجن القلعة إلى مثواه الأخير، وقد فتح الله عليه العلم والدعاء، ولذَّة المناجاة والعبادة بالرغم من حرمانه من قراءة الكتب، ووسائل الكتابة، فكان زاده في الخلوة الدعاء، وقوته فيها التضرع والبكاء، وغذاؤه الذكر والالتجاء، يقول تلميذه البار ابن القيم رحمه الله وهو يصف أحواله، وينعت أخباره، ويحكي لنا أسراره: "قال لي مرَّة: ما يصنعُ أعدائي بي؟! أنا جنَّتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بدلت لهم ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما سببوا لي فيه من الخير، وكان يقول في سجودِه وهو محبوس: اللهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وقال لي مرة: المحبوس من حُبس قلبُه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه، ولما دخل القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَاب ﴾ [الحديد: 13]، وعلم اللهُ: ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قطُّ، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرِّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتدَّ بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب عنَّا ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، وكان يقول: إن في الدنيا جنَّة من لم يدخلها لا يدخل جنَّة الآخرة، فسبحان من أشهد عباده جنَّته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها".

 

وقد سجن أحد مشايخنا حفظه الله في السجن الانفرادي وهو من أشد أنواع الحبس حيث يبقى المحبوس واقفًا على قدميه طيلةَ أشهر عدة، فاستغل فترة وجوده في ترتيب أولوياته، ومراجعة حساباته، وما تعلَّمه من علوم ومعارف، وحفظه لكتاب الله حتى أَلَّفَ في مخيِّلَتِه كتابًا، ورتَّبَ في ذهنه مؤلَّفًا، وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء.

 

فالواجب أن يتأسَّى المؤمن بهؤلاء الأئمة، وأن يحذوَ حذوهم، ويسير على منوالهم، ويقتفي أثرهم؛ لتكون له العاقبة الحميدة والسيرة المجيدة، وألا يظهر الشكوى لغير المولى، وليحذر من اليأس والقنوط، وليعلم بأن الفرج مع شدة الكرب.

 

فاللهم فَرِّجْ عن إخواننا المعتقلين في سجون العراق، ونفِّس عن كلِّ مكروب، وأرجعْه سالمًا غانمًا لأهله وذويه، وارحم من مات منهم وارزقه الجنان، وارزق أهله الصبر والسلوان.

وصلِّ اللهم وسلِّمْ على سيد البشر نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين.

الابتلاء أم التمكين

سئل الشافعي رحمه الله أيمكن للعبد أم يبتلي قال لا يمكن للعبد حتى يبتلي. قال تعالى "ولنبلونكم بشي من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين". أي الذين هدى الله قلوبهم فعلموا أن ما أصابهم إنما هو بقدر الله تعالي وعلمه وحكمه وأنهم لا خلوص منه ولا مفر وأنهم مم

العبادة والراحة النفسية

للعبادة اثر كبير في وعلى الراحة النفسية هذا ان لم نقل انها كلها طالما ان هدف الانسان الوحيد او ان علة وجوده الوحيدة هي عبادته كما امره سبحانه ومع تضاعف وتعقد الحالات الاجتماعية والقلق المصاحب للحياة اليومية وكثرة الانشغالات والتفكير في عدة جوانب اجتماعية واقتصادية وغيرها .. يكاد

أين تذهب دعوات المظلومين؟

ابتلاء شديد، وربما غير مسبوق ذلك الذي تمر به الأمة المسلمة اليوم، سواء على المستوى الفردي أو المستوى المجتمعي، تحوّلت المجتمعات إلى ما يشبه الغابة في قوانينها، القوي يعتدي على الضعيف، والكبير يسحق الصغير، والمسؤول لا يراعي الله في مسؤوليته، والأنظمة تنتقم من شعوبها، فأصبح الموت ه