فنون ومهارات التواصل الدعوي

التاريخ: الإثنين 17 يوليو 2017 الساعة 12:04:37 صباحاً

كلمات دلالية :

التواصلالدعوة
فنون ومهارات التواصل الدعوي

أولا «الابتسامة»:

البسمة وإدخال السرور على قلوب الناس، من أهم فنون الدعوة الخارجية، ومن أهم فنون التواصل والاتصال بين الناس؛ كما أكدها علماء التنمية البشرية والتطوير الإبداعي، بينما لا أستطيع أن أبدأ حديثي معك بدون أن أبدأ بكلام أشرف خلق الله وأطهرهم وأنقاهم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم؛ فليسعهم منكم بسط الوجه، وحسن الخلق»( ). وهكذا أخي الداعية ما ترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سبيلاً إلى قلوب الناس إلا وسلكه ما لم يكن حراماً، فإذا كان كذلك كان أبعد الناس عنه (صلى الله عليه وسلم).

وكم يحزنني ما نراه من تكشير بعض المسلمين، ولا سيما لو وقع ذلك في حياة الدعاة

ولننظر في حياة النبي الحبيب قائد البشرية وقدوة الخلق أجمعين: كان يقول: «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة»( ) وكان جرير بن عبدالله البجلي يقول: «ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسم في وجهي»( ) وقد تكون البسمة سببا في إسلام غير المسلمين: تحكي لنا كتب السير قصة إسلام خالد بن الوليد، وبين ثناياها يحكي لنا سيف الله المسلول رحلة هجرته إلى المدينة إلى الرسول، فيقول سيدنا خالد: {ولما اطلعت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سلمت عليه بالنبوة فرد علىَّ السلام بوجه طلق، فأسلمت وشهدت شهادة الحق}( ) فانظر كيف أنه ما تذكر من قصة إسلامه سوى بسمة رسول الله وطلاقة وجهه الشريف.

يقول عالم النفس الأمريكي الشهير (ديل كارنيجي): “إن تعبيرات الوجه تتكلم بصوت أعمق أثرا من صوت اللسان، وكأني بالابتسامة تقول لك عن صاحبها إني احبك انك تمنحني السعادة، إني سعيد برؤيتك”( ).

وقد قرأنا كثيرا هذا المثل الصيني: «من لا يستطيع أن يبتسم فلا يمكنه أن يفتح متجرا!!» وتخيل أنت كداعية مهمتك ووظيفتك ورسالتك أخطر وأدقّ وأرقى من صاحب محل تجارة!! فأنت تدعو إلى أعظم بضاعة (بضاعة الدين – وهى البضاعة الرابحة دوما) فابتسم يرحمك الله!!

ثانيا: «الاستماع الجيد إلى الآخرين عند الحوار مهما كان مخالفا لك في الرأى»:

من أهم فنون التواصل مع الآخرين عند دعوته والحوار معه: أن تستمع إليه – تعطيه فرصة ليتكلم ويعبر عن رأيه ووجهة نظره، وكانوا يقولون: (لقد أعطى الله الإنسان أذنان وأعطاه لسانا واحدا ليستمع أكثر مما يتكلم) لكننا ندرك الآن أن البعض يتكلم أكثر مما يستمع، والمصيبة أعظم إذا كان ذلك سلوك داعية في حواره مع المدعويين، وأضرب لك نموذجا فريدا خلدته لنا السيرة النبوية توضح لنا أهمية الاستماع إلى الآخر:

ذكرت لنا كتب السير قصة مساومة الرسول على ترك الدين والعقيدة وهى أهم قضية في حياته، وكانت المساومة من طرف ممثل المشركين (عتبة بن ربيعة -وهو رجل رزين هادىء- وكان يكنى بأبي الوليد)، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها … وهنا أقف وقفة مهمة:

انظر اليوم نحن نتعارك على أخف الأشياء وأتفه الأمور –أحيانا الزوجة تصنع لك طعاما غير الذي كنت تريده فتقوم الدنيا ولا تقعد، وأحيانا أخرى نتعارك مع زملائنا على أمور هى أبسط مما يمكن أن نتعارك عليها، وعلى كل حال فأنت وهو أو أنت وهى مسلمون، فانظر الآن إلى هذا الحوار بين الرسول وبين ممثل عن المشركين وهم كفرة، ويساومونه على أغلى شيء في حياته وهى عقيدته ودينه ويستمع وينصت إليه إلى نهاية قوله دون مقاطعة حتى انتهى مما أراد أن يقول، فيقول عتبة:

1. إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا.

2. وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا فلا نقطع أمرا دونك.

3. وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا.

4. وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ.

فلما فرغ من قوله.. تلا رسول الله عليه صدر سورة فصلت( ). ولما عاد عتبة إلى القوم أنكر تماما أن يكون الرسول شاعر أو مجنون أو ساحر أو كاهن، ومدح القرآن بكلمات أعتقد أن بعض المسلمين لن يستطيعوا أن يمتدحوه بمثلها، وفي استماع وإنصات النبي لعتبة عبرا ودروسا؛ لم ينشغل بشيء، ولا حتى التفكير فيما يعرض، أثناء عرض عتبة عليه ما عرضه، ولم يقم النبي بمقاطعته، وبذلك ضمن من عتبة ألا يقاطعه خجلا من أدبه صلى الله عليه وسلم.

 

ثالثا: «نداء الآخر بأحب الأسماء إليه»:

إن من الفنون الدعوية -أيضا- لفتح قلوب وكسب أفئدة، وأسر أجساد وعقول: أن ننادي الناس بأحب أسمائهم إليهم، وهو نوع من التقدير الجميل للآخر ففي الحوار السابق بين الرسول المصطفى وبين عتبة بن ربيعة، لما انتهى عتبة من حديثه ناداه الرسول قائلاً: أفرغت يا أبا الوليد، فاستخدم النبي اسمه في الحوار معه بالكنية التي كان يحبها، ونحن منذ صغرنا نقرأ في التاريخ ألقابا لأسماء واشتهر بها أصحابها: فهذا أبو بكر الصديق وهذا الفاروق عمر، وهذا ذو النورين عثمان، وهذا أبو تراب علي، وهذا أبو عمير الذي كان يلعب بالنغير.

ومن تمام احترام دعوتك أن تسأل من تتحدث معه عن اسمه، ثم تستخدمه معه أثناء الحوار، وأقسم لك أن لو كان بينك وبينه مشكلة وناديته باسمه الطيب لما تتردد في لحظته أن يستسلم لك بكليته، فأحب الأسماء إلى الإنسان اسمه:

يقول د/ علي الحمادي( ) «ينبغي للمرء أن يسعى للتعرف على أحب أسماء الآخرين ومن يتعامل معهم؛ فإنه من باب غرس المحبة في نفوس الناس، وهو مفتاح من مفاتيح القلوب».

نظرة على الواقع:

ولو نظرنا إلى واقعنا لرأينا بين البعض جفافا في المشاعر لدرجة أنه يستحي أن ينادي أخاه باسم يحبه، أو ينادي زوجته باسمها الذي تهواه، رغم أن رسولنا كان ينادي عائشة بقوله: (يا عائش( ) و يا عويش( )). والناس تهوى وتحب أن تنادى بأسمائها الجميلة فلماذا نبخل على الناس؟!!، وكما نحب نحن أن نُنَادَى فلنُنَادِي الغير، والدليل على أن الآخرين يحبون ذلك الأسلوب: ما أخرجه الترمذي في سننه بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال:{إن النبي قال لأبي بن كعب: إن الله عز و جل أمرني أن أقرأ عليك (ألم يكن الذين كفروا) -سورة البينة- فقال أُبَيّ بن كعب: أسماني لك؟ قال الرسول: نعم، فبكى أُبَيّ بكاءً شديداً}( ) وفي رواية أنه انهار يبكى ويقول: أنا الذي سماني ربى. أنا الذي سماني ربى.

ورحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين كان يقول: «ثلاث يصفين لك من ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيت، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه»( ).

 

رابعا:«الاحتواء المتميز للآخرين عند الخطأ وعدم جَرْح المشاعر»:

وهذه النقطة من أهم فنونك كداعية إلى الله، فكثيرا ما يخطئ الآخرون ونحن كذلك فلا يوجد منا بشر معصوم من الخطأ سوى المعصوم المصطفى -صلى الإله عليه وسلم- ومن أروع ما ذكرته سيرة نبينا قصة تعامله مع المخطئين وعدم إحراجهم وحماية مشاعرهم من الخدش أو الاستهتار بهم، وتلك مهارة تحدث عنها علماء التربية وبينوا أثرها في تعديل سلوكيات الأفراد، وقد كان سيد الدعاة إذا أراد أن يوضح خطأً لمخطئ، أو يبين اعوجاج تفكير أو خلل في فهم، فإنه كان يقول: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا» في حديث الرهط الثلاثة( )، وهذا يدل الداعية على أن من الحكمة عدم مواجهة الناس بالعتاب سترا عليهم ورحمة بهم ورفقا لقلوبهم وأنفسهم وذويهم؛ وكما يعلق عليها ابن حجر في فتح الباري( ) بقوله «وهذا من أحكم الأساليب -يقصد أساليب الدعوة إلى الله تعالى-».

وقليل من يصنع ذلك اليوم؛ وانظر «جاء أعرابي فبال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء، أو سجلا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين»( ). فانظر إلى رفق الرسول ورحمته بالغير عند التغيير والدعوة والنصح، وفي رواية الترمذي: أن الرجل دعا دعوة ضحك منها النبي: تبين لنا أثر الرحمة والرفق والاحتواء للآخرين، يذكر أبو هريرة قائلاً: «فلما فرغ قال: اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لقد تحجرت واسعا»( ). فتأمل ماذا صنع الرفق بالرجل حتى كأنه أراد ألا يرحم في الأرض سواه وهذا الرجل الرفيق به في تغيير ما ارتكب.

خامساً: «إنزال الناس منازلهم»:

لا يجوز بحال من الأحوال أن ينزل الداعي من منزلة الناس فما أحقر ذلك!! ولا يجوز للداعية أن يستصغر شأن أي إنسان أو أن يستهين به؛ لأن من حق كل مخلوق على وجه الأرض من البشر أن يُدْعَىَ وأن يكون مَدْعُوًّا برسالة الإسلام، وكثير من البشر بأسلوب همجي لا يحترمون الناس، ولا ينـزلون الآخرين منازلهم ولا يحترمون الألقاب، والمصيبة الكبرى: أن يقع ذلك في حياة بعض الدعاة، ممن يتحدثون عن الله، ونسى هؤلاء أن الله تعالى في كتابه كان ينادي المؤمنين بقوله: «يا أيها الذين آمنوا» ولننظر في حياة النبي محمد عليه الصلاة والسلام؛

1. ففي سيرته ينادي على الأنصار فيقول لهم لما دخل سعد بن معاذ وكان سيد الأنصار: «قوموا لسيدكم»( ) فأنزله النبي منزلته واحترم مكانة الرجل، وهكذا نحن مطالبون.

2. وفي يوم فتح مكة: طلب عم الرسول سيدنا العباس من ابن أخيه رسولنا الحبيب أن يجعل لأبي سفيان مكانة: فقال النبي «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»( ).

3. ولما تنازع المهاجرون والأنصار على سلمان الفارسي وهو رجل غير عربي، فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار ذلك، فأراد رسولنا أن يُعْلِم القوم بمكانة ذلك الرجل المقدام سلمان، فقال: «سلمان منا أهل البيت»( ).

4. وقد أكَّدها النبي في التعامل الإنساني -عامة- قائلًا: «‏لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ ‏ ‏ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا ‏ ‏حَقَّهُ»( ). فلنقدر الناس وننزلهم منزلتهم، ونكسب ودهم وثواب ربنا قبل كسب ودهم وحبهم.

5. موقف انتظار النبي لرأى الأنصار (أهل المدينة) في غزوة بدر الكبرى، وأنزلهم منزلتهم، ولعل الذي ترجم ذلك، قول زعيمهم سعد بن معاذ: لعلك تريدنا يا رسول الله!! وهكذا علمتنا الدعوة: «كونوا بين الناس كالشجر يرميه الناس بالحجر فيرميهم بأطيب الثمر». أليست هذه دعوتنا؟!! بلى والله!!.

الأخت الداعية وفن الإلقاء

على الداعية مراعاة عناصر الكلمة والمحاضرة الجيدة تتعلق الوسائل الدعوية القولية أساسًا بالإلقاء أو (الخطابة)، وهو: فن مخاطبة الجماهير بطريقة إلقائية، لإقناعهم بهدف سام، ودفعهم واستمالتهم لتحقيق هذا الهدف. وهي من الوسائل البارزة من وسائل الدعوة وبها بدأ النبي – صلى الله عليه وسل

ثلاث وصايا للدعاة

[خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ(199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201) ]. {

زوجي داعية مبدع

مهارة الإبداع تصنع العجائب، وهي ليست قوة غامضة أو موهبة خارقة يحتكرها الأشخاص ذوو الحظ السعيد، بل يعتبر الإبداع طاقة يمتلكها كل إنسان بدرجات متفاوتة، ويمكن لكل شخص أن يكتسب هذه المهارة ويصبح من المبدعين، والبيئة أحد العناصر المحددة لظهور الإبداع، ويقال: «الإنسان ابن بيئته» أي أن