العجب وآثاره المدمرة على الأفراد والدول

خاص عيون نت

التاريخ: الإثنين 10 يوليو 2017 الساعة 05:45:49 مساءً

كلمات دلالية :

الظلمالعجب
العجب وآثاره المدمرة على الأفراد والدول

الحمد للَّه رب الأرض ورب السماء، خلق آدم وعلمه الأسماء وأسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة دار البقاء  ,نحمده -تبارك وتعالى- على النعماء والسراء، ونستعينه على البأساء والضراء، ونعوذ بنور وجهه الكريم من جهد البلاء ودرك الشقاء وعضال الداء وشماتة الأعداء..  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ليس له أنداد ولا أشباه ولا شركاء..  وأشهد أن سيدنا محمدا خاتم الرسل والأنبياء وإمام المجاهدين والأتقياء اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الأجلاء وعلى السائرين على دربه والداعين بدعوته إلى يوم اللقاء ما تعاقب الصبح والمساء ومادام في الكون ظلمة وضياء .. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عبــــــــاد الله: العجب مرض فتاك وداء عضال، يصيب الأفراد والمجتمعات والدول والشعوب، فيتولد عنه أمراض كثيرة، كالغرور والكبر والظلم والبغي واستحقار الآخرين ورد الحق، وبسببه تقطع الأرحام وتقوم الفتن والخلافات وتظهر الصراعات بين الأفراد والمجتمعات والدول، وبسبب العجب تطمس الحقائق، وقد يقود إلى الكفر والشرك بالله سبحانه وتعالى، وبسببه ترد الأعمال ولا تقبل الطاعات والعبادات ولا يدخل صاحب هذا المرض جنات رب الأرض والسماوات، والعجب هو مرض خفي يصيب القلوب فتظهر آثاره السيئة على الأعمال والأقوال والجوارح، والعجب نذير شؤم على صاحبه سواء كان فرداً أو مجتمع أو دول، لأنه يخالف سنن الله وأحكام شرعه وتوجيهات رسوله صل الله عليه وسلم.

ومن يرى مشاكل المسلمين اليوم سواء كانوا أفراد أو مجتمعات أو دول، يجد أن العجب أخد أسباب هذه المشاكل والخلافات حتى على مستوى الأسرة والبيت الواحد، لذلك ينبغي أن نقف مع هذا المرض ونتعرف على حقيقته وأسبابه ومظاهره وآثاره المدمرة وطرق علاجه.

 

 وحقيقة العُجب هو الزهو بالنفس والفرح بأحوالها والإحـســـاس بالتمـيّز، واستعظام الأعمال وإضافتها إلى النفس, والركون إلى الأسباب، ونسيان الخالق -سبحانه وتعالى-.

وقد نهى الله عباده عن الإعجاب بالنفس والاعتداد بالطاعات، فالعبد لا يدري ما المقبول منها وما المردود؟، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) [النساء: 49]. وقال تعالى لنبيه وهو أكثر الناس عبادة وأعظمهم خشية لربه: (وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ) [المدثر: 6]، قال الحسن البصري: "لا تمنن بعملك على ربـك تسـتـكثره". فالإنسان مهما أكثرَ من الطاعة والعمل ففضل الله أعظم، وحقه أكبر لا يقدر الإنسان أن يوفيه شكراً. وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث مهلكات: شحُّ مطاع, وهوى متبع, وإعجاب المرء بنفسه". [أخرجه البيهقي وحسنه الألباني]..  إن العجب داء مهلك, مفسد للعمل, قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "الهلاك في اثنين: القنوط والعجب". وذلك لأن السعادة لا تنال إلا بالطلب والسعي، والقانط يائسٌ فلا يطلب، والمعجب يظن أنه قد ظفر بمراده فلا يسعى.

والعجب نوع من الشرك في النية؛ لأنه التفات لغير الله واعتمادُ عليه, قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وكثيراً ما يقرن الرياء بالعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس, وهذا حال المستكبر, فالمرائي لا يحقق قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ), والمعجب لا يحقق قوله: (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ), فمن حقق قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) خرج عن الرياء, ومن حقق قوله: (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) خرج عن الإعجاب".

أيها الناس: إن هذا الداء خفي قد يتسلل إلى قلوب الخلق، الصالح منهم والطالح دون أن يشعروا به, قال عبد الله ابن المبارك -رحمه الله-: "لا أعلم في المصلين شيئا شرا من العجب", وقال مطرِّف بن عبد الله -رحمه الله-: "لأن أبيت نائماً، وأصبح  نادماً، أحب إليّ من أن أبيت قائماً وأصبح معجبا", وقد تسلل شيء من العجب لبعض من خرج مع الرسول -عليه الصلاة والسلام- في غزوة حنين, فقد أعجبوا بكثرة عددهم, فقالوا: "لن نُغْلَب اليوم من قلة", فكان لهذه الكلمة أثراً عظيماً في هزيمة المسلمين أول المعركة؛ تأديباً من الله لعباده أن لا يثقوا بكثرة عددهم ولا قوتهم, بل كل اعتماد المؤمن يكون على الله تعالى, قال تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) [التوبة: 25].

معاشر المسلمين:  آفة العجب طريق للكبر والغرور، فإبليس أعجب بأصل خلقته، فدفعه ذلك إلى الكبر, وعصيان أمر الرب تعالى بالسجود لآدم -عليه السلام-. قال ابن قدامة: "اعلم أن العجب يدعو إلى الكبر؛ لأنه أحد أسبابه, فيتولد من العجب الكبر، ومن الكبر الآفات الكثيرة وهذا مع الخلق. فأما مع الخالق فإن العجب بالطاعات نتيجة استعظامها, فكأنه يمنّ على الله تعالى بفعلها, وينسى نعمته عليه بتوفيقه لها".

عباد الله: وللعجب أسباب كثيرة, منها: جهل الإنسان بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله، وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به، يجعله معجباً بنفسه وعمله, قال أبو حامد: "وعلّة العجب الجهل المحض".

ومنها: إطراء الناس للشخص وكثرة ثنائهم عليه؛ مما يعين عليه الشيطان؛ فيعجب بنفسه, وفي الحديث الصحيح: "مدَحَ رَجُلٌ رَجُلًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ". (البخاري ومسلم)

ومنها: قلة الورع والتقوى, وسوء النية, والافتتان بالدنيا, والنفس الأمارة بالسوء.

ومن أسباب العجب وبواعثه: انحراف المُرَبّي في هذا الجانب؛ إذ يلمس منه الطالب حب المحمدة، ودوام تزكية النفس؛ فيتأثر به من تحت يده.

ومنها: صُحبة المُعْجَبين بأنفسهم، إذ تسري الأخلاق بين الأصحاب، والمرء على دين خليله

ومنها: المنصب والشهادة, فكثير من أهل المناصب والشهادات العليا قد يدخله العجب بنفسه, وبما وصل إليه من علم, فإن لم يلجمه بالتقوى تمكن منه وأهلكه.

أيها الأحبة: العجب آفة قلبية خفية, والإنسان أعلم الناس بنفسه, فهو أقدرهم على اكتشاف مظاهر العجب في نفسه،  لكن  بعضها لا يخفى على الناس، إذ ما في القلوب يظهر أثره على الجوارح, فمن مظاهر العجب:

- التبختر والخيلاء في المشي وتصعير الخد, قال تعلى عن لقمان الحكيم يوصي ابنه: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [لقمان: 18].

-  الإكثار من الثناء على النفس ومدحها، لحاجة ولغير حاجة، تصريحاً أو تلميحاً، وقد يكون على هيئة ذم للنفس أو للآخرين والتنقص منهم، يراد به مدح النفس وأنه بخلاف ما هم عليه من العيوب، ويشعر في قرارة نفسه أن أحسن من غيره .

وقال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)[الكهف: 103-104]. وهذا يرجع إلى العجب بالعمل.

- حب التصدر في المجالس قبل النُضُوج والتربية، وأن تكون له منزلة خاصة عند حضوره وجلوسه, وهذا يضاد التواضع.

- النفور من النصيحة وكراهيتها؛ إذ يرى غيره غير أهلاً لنصحه وإرشاده.

- الاعتداد بالرأي، وازدراء رأي الآخرين.

أيها المؤمنون: لقد قص الله تعالى علينا نماذج من المعجبين وما آل إليه حالهم, فصاحب الجنتين أعجب بماله وثروته (ودَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً) [الكهف:35]، فعاقبه الله تعالى, (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) [الكهف: 42].

 وفرعون أعجب بملكه وقوته, وغره ذلك حتى قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: 38], فأغرقه الله وأهلكه, وأزال ملكه, وبدد قوته.

 وهذا قارون أنعم الله عليه بالمال والجاه، وكثرة الأتباع، فقادع العجب بنفسه وماله إلى الكبر والغرور، فتكبر على الله، وظن إنما حصل عليه من مال، ومن كنوز الذهب والفضة؛ إنما كان بسبب ذكائه وحنكته، فقال تعالى مبيناً عاقبة هذا العجب ، محذرا كل مسلم ومسلمة من عواقبه: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)[القصص: 76- 77].

فكان رد قارون جملة واحدة، تحمل شتى معاني الفساد: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)[القصص: 78].

لقد أنساه غروره مصدر هذه النعمة وحكمتها، وفتنه المال، وأعماه الثراء.

فلم يستمع قارون لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه فكانت النتيجة : (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ)[القصص: 81].

عباد الله:  إن مآل العجب ونتيجته مخزية، حيث يُحْرم المُعْجَب من توفيق الله، فالخذلان موافق له ومصاحب له, قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً) [الأعراف:146] فالمعجب يناله غضب الله ومقته، إن لم يتب, ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "مَنْ تَعَظَّمَ فِي نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" [أحمد وصححه الألباني].

المُعْجَب يجعل بينه وبين من هو حوله فجوةً لا تكاد تُردم، فالقلوب جُبِلَت على بغض من يتعالى عليها، وهو عُرْضَة لانتقام الله العاجل والآجل, قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بَيْنَما رَجُلٌ يَمْشي في حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ، مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ؛ إِذْ خَسَفَ اللهُ بِهِ، فَهْوَ يَتَجَلْجَلُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ" [متفق عليه ], وفي رواية لمسلم: (يتبختر في حلة), وقوله: "إِذْ خَسَفَ اللهُ بِهِ" يدل على سرعة نزول العذاب, وقوله: "فَهْوَ يَتَجَلْجَلُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ" أي يغوص في الأرض مع اضطراب شديد, ويندفع من شق إلى شق. فنعوذ بالله من هذا الحال.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله...

الخطبة الثانية: الحمد لله أهل للثناء، والصلاة والسلام على عبده المصطفى, وآله وصحبه وأتباعه أولى النهى، أما بعد:

أيها المسلمون: العجب داء خطير وعلامة نقص وعيب في النفس السوية، وهو آفة يتوجب الحذر منها ومعالجتها , وله صور كثيرة منها :

فمن صور العجب، أن المرء يعجب بجماله وهيئته, وحسن صوته, فيلتفت إلى جمال نفسه, سُئل عبد الله بن المبارك -رحمه الله- عن مفهوم العُجْب؟ فقال: "أن ترى أن عندك شيئًا ليس عند غيرك". وعلاجه: هو التفكر في حقيقة خلقه في أول أمره, وفي آخره, وفي الوجوه الجميلة والأجسام الناعمة كيف بعد الموت؟! قال الأحنف بن قيس: "عجبت لمن خرج من مجرى البول مرتين، كيف يتكبر".

وغرور المرء بشخصيته يتأتى من إعجابه بنفسه وشكله ، أو بصورته وهيئته أو علمه وعمله ودينه أو قوته وجاهه ، أو سلطانه وجماله ، وهذا كله من وحي الشيطان الذي يعدهم ويمنيهم ، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا .

قال تعالى: ( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، ما أنت؟ والله ما أنت بشيء، ( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ) [النحل: 53]

ولقد يعجل الله العقوبة للمعجب بنفسه المغرور بما عنده من الدنيا ، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (بينما رجل يتبختر في بردين وقد أعجبته نفسه خسف الله به الأرض فهو يتجلجل  فيها إلى يوم القيامة )( متفق عليه).

ومنها: أن يعجب بقوته, كما حكى الله عن قوم عادٍ أنهم قالوا (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) [15: سورة فصلت]. وعلاجه: أن يتفكر أنه في أي وقت قد يفجأه مرض فيشل حركته, ويذهب قوته.

لقد ذم الله تعالى الإعجاب بالنفس وجعله من محبطات الأعمال ، وأن الإعجاب بالنفس لا يغني من الله شيئا ، قال سبحانه وتعالى: ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) [التوبة 25].

ومن صور العجب كذلك: أن يعجب بنسبه, وقد يظن أنه ينجو بشرف نسبه وأنه مغفور له, وعلاجه: أن يعلم أن الشرف بالتقوى والطاعة والعلم والخصال الحميدة, قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [13: سورة الحجرات] لقد وقف صلى الله عليه وسلم يخاطب هذه الأمة في خطبته في حجة الوداع، وطلب من الحاضر أن يبلغ الغائب؛ لأن الأمر هام وعظيم، فقال: "يا أيها الناس! إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] ألا هل بلغت؟" قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "فيبلغ الشاهد الغائب"[رواه البيهقي في الشعب(4/289) والمنذري في الترغيب والترهيب (3/375) وصححه الألباني].

 ولو كان النسب أو الجنس أو المكانة تنفع صاحبها عند الله لكان ابن نوح -عليه السلام-، وهو فلذة كبده، وقطعة من فؤاده معه في الجنة، قال تعالى مبيناً تلك الحال، وذلك المآل: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ) [هود: 42-43].

وقال الأصمعي: بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة في أيام الحج؛ إذ رأيت شاباً متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يقول:

يا من يجيب دعا المضطر في الظلم *** يا كاشف الضر والبلوى مع السقم

قد نام وفدك حول البيت وانتبهـوا*** وأنت يا حي يـا قيـوم لـم تنـم

أدعوك ربي حزينـاً هائمـاً قلقـاً *** فارحم بكائي بحق البيت والحـرم

إن كان جودك لا يرجوه ذو سعة*** فمن يجود على العاصيـن بالكـرم

ثم بكى بكاءاً شديداً، وسقط على الأرض مغشياً عليه، فدنوت منه، فإذا هو زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهم أجمعين-، فرفعت رأسه في حجري، وبكيت، فقطرت دمعة من دموعي على خده، ففتح عينيه وقال: "من هذا الذي يهجم علينا؟" قلت: أنا الأصمعي، ما هذا البكاء والجزع، وأنت من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة!؟ فقال: هيهات هيهات يا أصمعي إن الله خلق الجنة لمن أطاعه، ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان حراً قرشياً، أليس الله -تعالى- يقول: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)[المؤمنون: 101-103].

لقد سفكت الدماء، وتفرقت الكلمة، وانقسم الناس، وصنفوا إلى أصناف متعددة، ودرجات متفاوتة، وحلت القطيعة، وظهرت الكثير من المشاكل؛ بسبب هذه النبتة الخبيثة؛ التفاخر بالأحساب والأنساب؛ فأين الأخوة الإيمانية؟ وأين تقوى الله؟ وأين التزين بالعمل الصالح والخلق السوي؟

 كلنا من تراب، وإلى التراب، ويوم القيامة تخرس الألسن، وتطيش الأفئدة، وتذهل العقول، وتسقط الرايات، ولا ينفع إلا إيمانك بالله، وعملك الصالح، فلا تعتز إلا به، قال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[فاطر: 10].

ومن صور العجب: أن يعجب بكثرة العدد من الأولاد والخدم والعشيرة والأقارب والأتباع, قال تعالى عن الكفار: (وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا) [35: سورة سبأ]. وعلاجه: أن يتفكر في ضعفه وضعفهم, وأن كلهم عبيد عجزة, لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعا, وأنهم سيتفرقون عنه إذا مات, فيدفن وحده, لا يرافقه أهلٌ ولا ولد ولا قريبٌ ولا عشير.

ومنها: أن يعجب بكثرة ماله, كصاحب الجنتين الذي قال: (أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) [34: سورة الكهف]. وعلاجه: أن يتفكر في آفات المال وكثرة حقوقه وعظيم تبعاته, وليعلم أن المال غادٍ ورائح ولا بقاء له.

ومن ذلك: أن يعجب برأيه وذكائه, وجميع أهل البدع والضلال إنما أصروا عليها لعجبهم بآرائهم. وعلاجه: أن يكون متَّهماً لرأيه أبداً لا يغترُّ به إلا أن يشهد له قاطع من كتاب أو سنة, فإن خاض في الأهواء والبدع والتعصب في العقائد هلك من حيث لا يشعر.

اليوم أصبح العجب بالرأي منزلق خطير في حياتنا، وأصبح كل فرد معجب برأيه ويدافع عنه ولو كان خطأ وفيه ضرر القيم والأخلاق وتتأثر بسببه  المجتمعات والأوطان، فأين التواضع واتباع الحق وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية.

 

 عباد الله: وجماع الكلام في علاج العجب ما قاله الامام ابن حزم -رحمه الله-: "من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه, فإن أعجب بفضائله؛ فليفتش ما فيه من الأَخْلاَق الدنيئة, فإن خفيت عليه عيوبه جملة, حتى يظن أنه لا عيب فيه؛ فليعلم أن مصيبته إلى الأبد, وأنه لأتم الناس نقصاً وأعظمهم عيوباً, وأضعفهم تمييزاً, وأول ذلك أنه ضعيف العقل جاهل".

أيها المؤمنون: العجب طريق إلى الكبر وهو سبب للهلاك والدمار للأفراد والمجتمعات والدول، قال الله -تعالى­-: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ)[فصلت: 15-16].

وفرعون عندما أعجب بالملك والمال والأتباع والجنود، لم يغني عنه ذلك من الله شيئاً ، قال تعالى: ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ ﴾ [الزخف: 51، 52]

 وقال تعالى سبحانه: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)[القصص: 38-40]...  وانظروا في التاريخ قديماً وحديثاً، كيف يعاجل الله بعقوبته على المعجبين بأنفسهم، وكيف يجعل منهم عبرة للمعتبرين، سواء كانوا أفراداً أو دول وحضارات، قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا) (مريم: 98)

فالمعجب بنفسه سواء كان فرداً، أو حزباً، أو جماعة، أو جيشاً، أو دولة، أو نظاما، فإنه إلى زوال وخسران؛ سنة الله في خلقه: (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الفتح: 23]...  ومن اغتر اليوم بحلم الله عليه لن يستثنى من عقابه سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة .

يَا مُدَّعِي الكِبْرِ إِعْجَابًا بِصُورَتِهِ *** أَقْصِرْ خَلاَكَ فَإِنَّ النَّتْنَ تَثْرِيبُ

لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَاذَا فِي بُطُونِهِمُ *** مَا اسْتَشْعَرَ الكِبْرَ شُبَّانٌ وَلاَ شِيبُ

هَلْ فِي ابْنِ آدَمَ غَيْرُ الرَّأْسِ مَكْرُمَةٌ *** وَهْوَ بِخَمْسٍ مِنَ الآفَاتِ مَضْرُوبُ

أَنْفٌ يَسِيلُ وُأُذْنٌ رِيحُهَا سَهِكٌ *** وَالْعَيْنُ مُرْفَضَّةٌ وَالثَّغْرُ مَلْعُوبُ

يَا ابْنَ التُّرَابِ وَمَأْكُولَ التَّرَابِ غَدًا *** أَقْصِرْ فَإِنَّكَ مَأْكُولٌ وَمَشْرُوبُ

 

عبــــــاد الله: إن لابد من تربية النفوس وتزكيتها ومعالجة أمراضها، حتى تحل السكينة والطمأنينة بين أفراد المجتمع، وحتى ينتشر الحب والتراحم والأخوة والتعاون والتكافل بين الناس، وحتى يتوجه الأفراد والمجتمعات والشعوب والدول إلى البناء والإعمار والإنتاج والارتقاء بالأوطان والعمل على ازدهارها وحمايتها والحفاظ عليها، وإقامة شرع الله الذي تكفل للناس جميعا بحياة طيبة وآخرة سعيدة، ولنتذكر أن مصيرنا إلى الموت والرحيل عن هذه الدنيا، ولن يبقى معك في قبرك إلا أعمالك الصالحة والخالصة لوجه الله، فاتقوا الله عباد الله، وأحسنوا الظن بالله وأحسنوا العمل تفلحــــوا، والله عز وجل لن يضيع أعمالك وستصابون بالدهشة وأنتم ترون رحمة الله بعباده في الدنيا والآخرة  ..

ألا صلوا وسلموا على الحبيب المصطفى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

اللهم أصلح شأن المسلمين, ويسر أمورهم, اللهم اجعل لأمة الإسلام من كل هم فرجاً, ومن كل ضيق مخرجاً, ومن كل عسر يسراً, ومن كل بلاء عافية, اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين, والحمد لله رب العالمين.

محن المسلمين وابتلاؤهم من أنفسهم ومن أعدائهم

عباد الله؛ نعيش في هذه الآونة وقد امتلأت الأخبار وملئت الأسماع وملئت الأبصار بما يحدث من استضعاف للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في فلسطين وفي غيرها من بورما وما شابه ذلك، هذا يا عباد الله قدر كوني للمسلمين في حال الضعف وفي حال أن المسلمون لم يعرفوا قدرهم، ولم يتوجهوا لربهم سبحا

العالم فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ

عبـاد الله : إن في تقلب الدهر عجائب، وفي تغير الأحوال مواعظ، توالت العقبات، وتكاثرت النكبات، وطغت الماديات على كثير من الخلق فتنكروا لربهم ووهنت صلتهم به .. حتى تعلقَ الناسُ بالناسِ، واعتمد الناس على الناس وذل بعضهم لبعض وأرضى يعضهم بعضا ولو سخط الله وذهبت القيم الأخلاق فكان الط

الفضائل والأسرار في عبوديـة الإفتقـار

بقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ، وَاللَّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } (فاطر: 15ـ 17)، حين تضعف علاقة العباد بربهم، وتتلاشى وشائج الايمان