الرفق خلق الإسلام

خاص عيون نت

التاريخ: الإثنين 10 يوليو 2017 الساعة 05:43:15 مساءً

كلمات دلالية :

الرفقالاخلاق
الرفق خلق الإسلام

 عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

 (من أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق، فقد حرم حظه من الخير) (1).

 لا تكاد ساحة من ساحات الإسلام إلا وللرفق فيها النصيب الأكبر والحظ الأوفر، سواء على مستوى التشريع الفقهي أو في جانب العلاقات الاجتماعية أو في المعاملة حتى مع الخصوم والأعداء أو في غيرها من المواطن، هذا فضلاً عن أنه تعالى- عرف نفسه لعباده بأنه الرفيق الذي يحب الرفق، وكان رسوله - صلى الله عليه وسلم - آية في هذا الشأن ما لم تنتهك حرمة من حرمات الله، كل هذا الارتباط الوثيق بين الإسلام والرفق جعل منه بحق دين الرحمة والسماحة مهما تعسف المغرضون في وصمه بالعنف والإرهاب.

 

الرفق ضد العنف وهو المداراة مع الرفقاء ولين الجانب واللطف في أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها قال تعالى-: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ، إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران: 159 فالناس في حاجة إلى كنف رحيم وإلى رعاية فائقة وإلى بشاشة سمحة وإلى ود يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم..في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه ويجدون عنده دائماً الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء...

 

وهكذا كان قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهكذا كانت حياته مع الناس(2).

 

وقال - عز وجل -: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الشعراء: 215 فهو اللين والتواضع والرفق في صورة حسية مجسمة، صورة خفض الجناح كما يخفض الطائر جناحيه حين يهم بالهبوط وكذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع المؤمنين طوال حياته (3) وقال أيضا-: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) الفرقان: 63 الهون مصدر الهين وهو من السكينة والوقار أي يمشون حلماء متواضعين وقيل لا يتكبرون على الناس(4).

 

وقوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: (من أعطي حظه من الرفق) أي نصيبه منه (فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير) كله إذ به تنال المطالب الأخروية والدنيوية وبفوته يفوتان، وقال في اللمعات: يعني أن نصيب الرجل من الخير على قدر نصيبه من الرفق، وحرمانه منه على قدر حرمانه منه، ولهذا قال نسطور لما بعث صاحبيه ليدعوان الملك إلى دين عيسى وأمرهما بالرفق فخالفا وأغلظا عليه فحبسهما وآذاهما فقال لهما نسطور: مثلكما كالمرأة التي لم تلد قط فولدت بعد ما كبرت فأحبت أن تعجل شبابه لتنتفع به فحملت على معدته ما لا يطيق فقتلته(5).

 

والنصوص النبوية عديدة ومتنوعة في تأكيد هذا المعني فقال - صلى الله عليه وسلم -: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) (6) ‌وفيه فضل الرفق وشرفه، ومن ثم قيل الرفق في الأمور كالمسك في العطور, وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله تعالى- يحب الرفق في الأمر كله) (7) أي لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل والدفع بالأخف وقوله: (في الأمر كله) في أمر الدين وأمر الدنيا، حتى في معاملة المرء نفسه، ويتأكد ذلك في معاشرة من لا بد للإنسان من معاشرته كزوجته وخادمه وولده، فالرفق محبوب مطلوب مرغوب، وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف مثله من الشر.

 

وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه ويعين عليه ما لا يعين على العنف) (8) وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله تعالى- رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف) (9) فقوله: (إن اللّه تعالى- رفيق) أي لطيف بعباده يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فيكلفهم فوق طاقتهم، بل يسامحهم ويلطف بهم (يحب الرفق) لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، أي يحب أن يرفق بعضكم ببعض (ويعطي عليه) في الدنيا من الثناء الجميل ونيل المطالب وتسهيل المقاصد وفي العقبى من الثواب الجزيل (مالا يعطي على العنف) وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف من الشر مثله. نبه به على وطاءة الأخلاق وحسن المعاملة وكمال المجاملة ووصف اللّه - سبحانه وتعالى -- بالرفق إرشاداً وحثاً لنا على تحري الرفق في كل أمر(10).

 

وقال - صلى الله عليه وسلم - لعائشة -رضي الله عنها-: (عليك بالرفق إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) (11) لأن به تسهل الأمور، وبه يتصل بعضها ببعض، وبه يجتمع ما تشتت ويأتلف ما تنافر وتبدد ويرجع إلى المأوى ما شذ وهو مؤلف للجماعات جامع للطاعات، ومنه أخذ أنه ينبغي للعالم إذا رأى من يخل بواجب أو يفعل محرماً أن يترفق في إرشاده ويتلطف به(12).

 

وقال - صلى الله عليه وسلم -: (ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم) (13) وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) (14) وذلك بأن يرفق بعضهم ببعض، والرفق لين الجانب واللطف والأخذ بالأسهل وحسن الصنيع.

 

قال الغزالي: الرفق محمود وضده العنف والحدة والعنف ينتجه الغضب والفظاظة، والرفق واللين ينتجهما حسن الخلق والسلامة، والرفق ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق ولا يحسن الخلق إلا بضبط قوة الغضب وقوة الشهوة وحفظهما على حد الاعتدال ولذلك أثنى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - على الرفق وبالغ فيه(15).

 

وقال ابن عمر: العلم زين والتقوى كرم والصبر خير مركب، وزين الإيمان العلم وزين العلم الرفق وخير القول ما صدقه الفعل(16).

 

وعن حبيب بن حجر القيسي قال: كان يقال ما أحسن الإيمان يزينه العلم، وما أحسن العلم يزينه العمل، وما أحسن العمل يزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم (17).

 

وعن جابر -رضي الله عنه- قال: الرفق رأس الحكمة(18).

 

وعن ابن عباس قال: لو كان الرفق رجلاَ كان اسمه ميموناَ، ولو كان الخرق رجلاَ كان اسمه مشؤوماَ(19).

 

وقال جرير: الرفق في المعيشة خير من كثير التجارة(20).

 

وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية، فقال له والله لأقتلنك فقال الرجل يا أمير المؤمنين تأن علي فإن الرفق نصف العفو، قال: فكيف وقد حلفت لأقتلنك؟ قال: يا أمير المؤمنين لأن تلقى الله حانثاً، خير لك من أن تلقاه قاتلاً، فخلى سبيله(21).

 

وعن نصر بن علي قال: دخلت على المتوكل فإذا هو يمدح الرفق فأكثر، فقلت: يا أمير المؤمنين أنشدني الأصمعي:

 

ولم أرى مثل الرفق في لينه * * * أخرج للعذراء من خدرها

 

من يستعن بالرفق في أمره * * *  يستخرج الحية من جحرها

 

فقال يا غلام الدواة والقرطاس فكتبهما(22).

 

----------------------------

 

(1) رواه الترمذي - كتاب البر والصلة - باب ما جاء في الرفق رقم 2013، ورواه أحمد في المسند 1/193 رقم 393 ورواه البخاري في الأدب الفرد 1/164 رقم 464 وفي مسند الشهاب للقضاعي 1/247 رقم 444 والحديث (صحيح) انظر حديث رقم: 6055 في صحيح الجامع السيوطي / الألباني.

 

(2) في ظلال القرآن - سيد قطب ص 501.

 

(3) الظلال 2620.

 

(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - تفسير الآية من سورة الفرقان ج 5 ص 4919 بتصرف.

 

(5) انظر فيض القدير للمناوي 2/458 وتحفة الأحوذي بشرح الترمذي للمباركفوري - كتاب البر والصلة - باب ما جاء في الرفق ج 6 ص 121 ط دار الفكر.

 

(6) رواه مسلم وأحمد وأبو داود عن جرير انظر حديث رقم: 6606 في صحيح الجامع. (7) رواه البخاري عن عائشة انظر حديث رقم: 1881 في صحيح الجامع.

 

(8) رواه الطبراني عن معدان (صحيح) انظر حديث رقم: 1770 في صحيح الجامع.

 

(9) رواه أبو داود عن عبد الله بن المغفل (صحيح) انظر حديث رقم: 1771 في صحيح الجامع.

 

(10) فيض القدير للمناوي 2/465.

 

(11) رواه مسلم عن عائشة انظر حديث رقم: 4041 في صحيح الجامع.

 

(12) فيض القدير 2/785.

 

(13) رواه الطبراني عن ابن عمر(صحيح) انظر حديث رقم: 5541 في صحيح الجامع.

 

(14) رواه أحمد عن عائشة، والبزار عن جابر(صحيح) انظر حديث رقم: 303 في صحيح الجامع. ‌

 

(15) فيض القدير 2/625.

 

(16) الفردوس بمأثور الخطاب ج: 3 ص: 70رقم 4196.

 

(17) الزهد لابن المبارك ج: 1 ص: 470 رقم 1336.

 

(18) الفردوس بمأثور الخطاب ج: 2 ص: 280رقم 3298.

 

(19) الفردوس بمأثور الخطاب ج: 3 ص: 341رقم 5027.

 

(20)الفردوس بمأثور الخطاب ج: 2 ص: 280رقم 3300.

 

(21) تاريخ بغداد ج: 10 ص: 191.

 

(22) تاريخ بغداد ج:13 ص: 287.

الكرم والعطاء

الكرم: هو سعة الخلق، فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر من الإنسان، ولا يقال هو كريم حتى يظهر منه ذلك، فيقال للشخص بأنه كريم إذا ظهر منه أعمالٌ كبيرة: كإنفاق مال كثير في عُسرة، أو تحمل حملٍ تُحقن به دماءُ قوم. وأكرم الأفعال المحمودة ما يقصد به أشرف الوجوه، وأشرف الوجوه

إنظار المعسر

قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.[1] مع كونِ الإسلام قد تكفَّل بحفظ الحقوق؛ كما قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَ

السعادة في الرضا

الراحة هي المبتغى الذي لا يبلغ في الدنيا , والسعادة هي الغاية المأمولة من الحياة بأسرها , والرضا هو السبيل إليهما معا .. فكثير من الناس غير راضين على أحوالهم , ولا عن أنفسهم , ولا عن شيء قد حققوه في حياتهم , فهم متأسفون على ما مضى إذ لم يجمعوا مالا ولم يصيبوا جاها , ولو جمعوا