المؤسسات التعليمية ومجتمعنا لا يحفل بالمبدعين

التاريخ: الخميس 6 يوليو 2017 الساعة 05:04:07 مساءً

كلمات دلالية :

المدرسة
المؤسسات التعليمية ومجتمعنا لا يحفل بالمبدعين

لا نريد أن نوجه التهم جزافاً للجيل الجديد، لكنه رغم ذلك متهم بالجهل والسطحية وقلة الثقافة ويعاني من غياب الوعي الثقافي ولا يجد وقتاً لمجرد قراءة الصحف التي يكتفي منها بالعناوين في أحسن الأحوال، ويعزو البعض سبب هذا الابتعاد عن الثقافة إلى إيقاع العصر السريع وأدوات اللهو التي تشغل الشباب عن الكتاب كالقنوات الفضائية والإنترنت وكأن لكل شيء ضريبة حتى لو كان التقدم نفسه، والسؤال لماذا هذا الجفاف الثقافي عند الشباب؟ يرى التربويون أنه من الخطأ القول بأن معظم الشباب يفتقد إلى الثقافة بشكل تام، بل تتفاوت درجات الثقافة من شاب لآخر وذلك لا يعني انعدامها، وكل ما يحتاج إليه الشاب هو الطريق لإظهار ما لديه وتنميته، فالواقع يقول لكل شاب مجال فكري يبدع فيه وهذا هو التجسيد الصحيح للثقافة، كما أن للشاب جوانب من الثقافة يخفق فيها دائماً وهي الجوانب التي تحتاج إلى مطالعة دائمة، وفي هذا التحقيق نسلط الضوء على أسباب ابتعاد الشباب عن مصادر الثقافة.

 

وقد كان من المناسب أن نتوجه أولاً إلى الشباب للتعرف على أسباب هذا الابتعاد.

 

رأي الشباب:

 

1- هيفاء عندما سألناها عن مفهوم الثقافة عندها وهل تجد لها وقتاً أم لا؟ فقالت: طبعاً لا يوجد وقت يكفي التليفزيون والقنوات الفضائية والإنترنت التي تقدم لنا كل ما نحتاجه ثم إننا لا يوجد عندنا وقت لكي نتابع حركة ثقافية أو نقرأ كتاباً يكفينا ما قرأناه من الكتب الدراسية والتي كنا حتى لا نقرأها، بل نعتمد على الملخصات في نهاية العام، ثم إننا لنا اهتمامات أخرى تماماً غير الثقافة منها الاهتمام بالمظهر الجديد الذي يظهر كل أسبوع تقريباً والذي يجب أن نجاريه حتى نكون شباباً على الموضة دائماً وإلا سوف نصبح متخلفين عن العصر الذي نعيشه.

 

2-هند تقول: اتجه في أوقات فراغي القليلة إلى التسلية أو الجلوس على النت ومن ثم العودة بروح جديدة قادرة على استذكار الدروس والمحاضرات التي يكون قد امتلأ بها دماغنا خلال ساعات النهار، وبصراحة وعلى الأقل حالياً اهتم بناحية الثقافة، كل ما يهمني هو النجاح والتخرّج.

 

3- أحمد يقول الحقيقة أن معظم الشباب الآن لا يوجد عنده وقت للقراءة أو الثقافة أو الاطلاع وهذا شيء طبيعي لأننا عندنا أشياء أخرى تماماً نستطيع الحصول منها على أية معلومة نريدها وأهم هذه الوسائل بخلاف الإعلام هي الكمبيوتر والإنترنت فلماذا أضيع وقتي في قراءة كتاب أو صحيفة وأنا امتلك جهازاً تتوافر فيه كل المعلومات التي أريدها وفي أي وقت وهل يمكن بعد ذلك أن يتوافر لدينا وقت لنقرأ كتباً ثقافية؟ طبعاً لا لأن الوقت المتوافر لدينا يجب أن نقضيه في أشياء ممتعة أكثر من القراءة منها مثلاً أن نلتقي بأصدقائنا أو نجلس على الشات.

 

4- إبراهيم يقول: "مفهومي للثقافة بشكل يختلف عن ذلك الذي يتجلى في الانغماس والتعمق في المعلومات التاريخية والأدبية العتيقة، حيث أرى أن الثقافة وفي ظل الثورة المعلوماتية تكمن في المعلومة المتخصصة التي تنم عن وعي كل إنسان بمجال تخصصه" أما عن الوضع الثقافي الراهن للشباب فإن غالبية الشباب يهتمون بشؤون الرياضة والفن بالإضافة إلى الولع المعلوماتي الذي يجدونه في الإنترنت وهذه الاهتمامات تشكل في حد ذاتها ثقافة يمكن أن نسميها بالثقافة العصرية. ثقافة أن الشباب المعاصر يواجه تحديات كبيرة تعتبر أقوى من التحديات التي واجهتها الأجيال السابقة والتي لم تتجاوز الجوع والعطش.

 

ضياع صوت الشباب:

 

الدكتورة ليلى صالح زعزوع الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز تقول: إن رعاية جيل أو أجيال هو هدف لنا جميعاً في المجتمع وبخاصة المثقفون الذين لهم أولويات يودون لو تحققت في أبناء وطنهم وشبابه.

 

وتواصل د. ليلى قائلة إن الأندية الأدبية لدينا لا تهتم بالأدباء والمفكرين والمثقفين والشعراء، فكيف سترعى الشباب فهي في برج عاجي تؤدي واجباً لتظهر في الصورة كمؤسسات ثقافية في المجتمع وإلا لكنا لمسنا منها رعاية أو اهتماماً بالمواهب الثقافية الشابة ولا ننسى أن هناك تجاهلاً للأفكار الشبابية المنتجة والمبدعة، بل حتى طباعة إنتاج الشباب والأخذ بأيديهم ورعايتهم ونشر إنتاجهم وتشجيعهم ونحن في ثورة الاتصالات والإعلام فكيف نهتم بهم وبصقل مواهبهم، ولنسأل أنفسنا لِمَ معظم الشباب يهتمون بـ(الشات) على مواقع الإنترنت رغم غلاء الخدمة وتكلفتها ومع أنها ليست خدمة في متناول أيديهم وحتى إن كانت غير ذات جدوى لكنها استقطبت الشباب والشابات شئنا أم أبينا فخاطبت عقولهم ودغدغت أحاسيسهم فحتى هذه لم نوجه خدماتها في إنشاء مواقع رسمية موثقة تطرح كل جديد دون التخفي بأسماء لإعطاء الشاب ثقة في الكشف عن اسمه. ولا ننسى الإناث فالشباب هم من الذكور والإناث والاهتمام يجب أن يكون منصباً على النوعين معاً فالشابات شق آخر من المجتمع.

 

وتضيف: إن نوادينا الأدبية مقصرة في عملية التنوع في الأنشطة والبرامج والفئات المستهدفة، فإذا لم يكن مثقفاً وأديباً مشهوراً فليس له مكان فيها، بل حتى الأنشطة الأدبية لا نعلم عنها حتى انتهائها من الصحف فهي شبه جلسات مغلقة. إن استثمار الطاقات يعني التوجه إلى الشباب في كافة أنشطته المختلفة من رياضة وقصيدة وقصة ولوحة مرسومة وعمل فني أو تقني.. إلخ، وهو المعنى الحضاري لثقافة العقل والبدن، وبينت د. ليلى أنها لا تتفق مع القول أن أكون متعلماً ولكن ليس مثقفاً.

 

محاكاة الآخرين أسس البلاء:

 

الدكتور أحمد الدريويش الأستاذ المشارك بقسم الفقه في كلية الشريعة يقول: إن شباب اليوم يفتقرون إلى العلم الشرعي الصحيح والحكمة والدراية بأحوال العباد والبلاد وظروف الزمان والمكان واختلاف البيئات والأحوال حتى تجرؤوا، وقالوا على الله بغير علم ولا هدى ولا صراط مبين، فالمسؤولية في ذلك على الجميع: علماء ودعاة ووعاظاً وقضاة ومربين ومعلمين وآباء وأمهات وأرباب أسر ومثقفين وموجهين وتربويين وغيرهم.. فلا بد من تشخيص الداء، ومن ثم استخلاص الدواء، وإعطاء العلاج الناجع، والدواء المفيد الشافي بإذن الله. وانتقل د. الدرويويش أسباب الفتون كثيرة ومنها العزلة عن العلماء، وعدم ربط الناشئة بهم، والإدانة لهم بالمرجعية الدينية والفتي.

 

عدم إدراك أهمية الفقه في الدين، وفهم الحقوق والواجبات الدينية وفق الكتاب والسنَّة.

 

الغزو الفكري، والتبعية الثقافية للغرب أو الشرق والزهد فيما لدينا من تراث علمي وفكري ومعرفي زاخر، وجوانب ثقافية مختلفة أضاءت للعالم أجمع طريق الهداية والسعادة والتقدم والرقي والحضارة.

 

التقصير من قبل مراكز البحوث العلمية في مختلف الجوانب الحياتية ومن أبرزها الجانب الثقافي والعلمي.

 

تقاعس الكثير منّا عن أداء دوره في التربية والتوجيه والنصح والإرشاد.

 

المناط به شرعاً ووظيفياً، والتقصير في هذا والاتكال على الآخرين لأدائه، مع أن المسؤولية متعلقة بعاتقه، ولا سيما من قبل الآباء والأمهات والمربين من أساتذة وتربويين، وأئمة مساجد ومعنيين بأمور الدعوة والإرشاد. والانشغال بالمهم عن الأهم، التقصير في دور المسجد العلمي والمعرفي في المجتمع والقائمين عليه.

 

انتشار وسائل التقنية الحديثة من الحاسوب، والإنترنت وغيرهما، واعتماد الكثير من الناشئة عليها في الحصول على المعلومة الثقافية أو العلمية المرادة منها بأسهل طريق وأيسره.

 

الانشغال بما تبثه القنوات الفضائية المختلفة من مواد إعلامية متنوعة والاستغناء بذلك عن القراءة والاطلاع والمناقشة والتحليل.

 

وسائل العلاج:

 

ثم انتقل د. الدريويش إلى علاج هذه السلبيات وقال: إن العلاج يكون بتكاتف الجهود والتعاون المستمر بين كل من المدرسة والمنزل والمسجد ووسائل الإعلام على اختلافها والعلماء والدعاة والقضاة وأئمة المساجد وطلاب العلم والمدرسين والمربين والموجهين، ومراكز البحوث، والمكتبات، ودور النشر - عن طريق تيسير نشره وإيصاله إلى العامة بسعر مناسب - وكذا غرس أهمية العلم بمختلف فروعه وفنونه في نفوس الناشئة بنين وبنات، وعرض ذلك بلغة العصر مع الاعتناء بالتأصيل، والحفاظ على الثوابت الدينية، والالتزام بمنهج السلف الصالح في التلقي والطلب، وكذا توجيه الناشئة إلى الأخذ بالأهم فالأهم من العلوم، والالتزام بآداب طالب العلم.. والتي من أبرزها الاستشعار بأن طلب العلم عبادة يحتاج إلى خشية الله، وإخلاص له، ومتابعة لما جاء عن الله ورسوله، فضلاً عن الإعراض عن مجالس اللغو، ومصاحبة الأشرار، أو أهل البدع والأهواء، أو الأفكار الضالة والابتعاد عن الغلو والإفراط أو التشدد والتطرف والعنف في الأعمال والأقوال، والالتزام بالوسطية والرفق في كل الأمور.

 

مسؤولية جماعية:

 

الدكتور إبراهيم الخضير يعتقد عن رعاية جيل يعتني بالثقافة والأدب فهذه مسؤولية مشتركة بين الأهل ووزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة والإعلام فبداية يأخذ الطفل أفكاره وثقافته من الأهل، فالسلوك جزء أساسي ورئيس من الثقافة، فالأب الذي يغرس في نفوس أبنائه الصدق الحقيقي ويكون نموذجاً لهم في ذلك هو البداية في خلق الجيل الذي يعرف ما هي الصفات الحميدة والأب الذي يتعامل مع أبنائه باللين والحنان والديمقراطية داخل المنزل ويغرس تقبل أفكار الآخرين بأفق واسع ويكون هو القدوة لهم في ذلك، لا يجب غرس المظاهر الخادعة في الأبناء من صغرهم ويجب ألا يتم الحكم على الناس من خلال مظاهرهم، فكم خدعت هذه المظاهر شباباً وألقت بهم في غياهب الجهل والعنف والعدوانية، سكوت الأهل على السلوك غير السوي سواء كان في الترف والغلو أو التفريط والمبالغة في أي منهما، الكثير يرمي باللوم على مناهج التعليم والمدرسة في سطحية الشباب وضيق أفقهم في التفكير، وعلى التدريس والمدرسين الذين لم يعد لهم دور حيث انشغلوا بكسب رزقهم وانخرط هؤلاء. في الدروس الخصوصية لم يعد هناك دور للمدرسة في التثقيف.

 

ويواصل: أهم ما يثري الثقافة والأدب عند الشباب هو تشجيع القراءة والقراءة الجادة دون الحاجة إلى التدخل في توجيه الشباب إلى نوعية القراءة إلا في أضيق الحدود، الحرية المسئولة في القراءة ضرورة لندع الشباب يقرأ في مختلف المجالات، ويكتشف بنفسه ما هو الخطأ وما هو الصواب، فهذه تخضع للانطباعات الشخصية والمسألة نسبية فيما يناسب الأشخاص في مرحلة الشباب للأسف، لكن لا يوجد ما يشجع على القراءة الآن.. فوسائل الترفيه الأُخرى سحبت البساط من تحت حب القراءة والقراءة الجادة، المطلوب إصدار كتب عن الأدب العالمي والعربي والمحلي وتشجيع الشباب على القراءة غير تسهيل حصول الشباب على الكتب، سيقول البعض إن الشباب لا يقرؤون وأن المكتبات تشكو من قلة روادها من القراء الشباب، ولكن لم يسأل أحد لماذا لا يذهب الشباب إلى المكتبات؟ ببساطة لأن الموجود في المكتبات المحلية كتب قد تستهوي وتجذب نوعية معينة من الشباب، بينما هناك شباب يطلب الكتب التي يرغبها من مكتبات خارجية خاصة من بيروت وبعض العواصم العربية الأخرى لأنه يجد بها ما يتوق لقراءته. الكتَّاب والمؤلفون السعوديون ليس لهم أي تشجيع سواء من الشباب أو من غير الشباب، بل إن أكثر المؤلفات الروائية مثلاً تطبع وتباع خارج المملكة، وبغض النظر عن نوعية هذه الروايات (والرواية فن أدبي رفيع يجذب قطاعاً لا بأس به من الشباب) فإنه يجب أن يترك للشباب حرية الاختيار وعدم الوصاية عليهم مما يترك فراغاً في نوعية كتب مطلوبة لشريحة كبيرة من الشباب، والدليل أن دور النشر في دول عربية تعتمد بشكل كبير على القراء خاصة فئة الشباب، لذلك يجب ترك الحرية للشباب في قراءة ما يرغب وندع له الفرصة ليكتشف بنفسه ما الذي يريد أن يقرأ؟ ويضيف: إن الأندية الأدبية لا تلعب دوراً إيجابياً في الحياة الثقافية بوجه عام وهي عبارة عن أسماء دون أفعال حقيقية في تشجيع ودعم الثقافة، وتتجه الأندية الأدبية اتجاهاً قد لا يجذب الكثيرين من الناس سواء الشباب أو غير الشباب فيجب تغيير الطريقة التي تنتهجها الأندية الأدبية في عملها بحيث يواكب الحياة الحديثة، ويتذكر القائمون عليها أننا نعيش في القرن الحادي والعشرين.. عصر العالم القرية الذي أصبح من الصعب التحكم فيه والسيطرة على أفكاره وما يقرأ، يجب أن تنزل الأندية الأدبية إلى الواقع وتحاول جذب الشباب إليها بطرق مدروسة وأبحاث عن ماهية رغبة الشباب وما هو توقعاتهم من الأندية الأدبية. لم يعد هناك مجال للأندية الأدبية التي تعمل بطريقتها القديمة فذلك لن يزيد الشباب إلا بعداً عنها، وأتمنى أن تستعين الأندية بأشخاص متخصصين لدراسة عزوف الشباب عنها، وقد يبدو ذلك صعباً وربما غير عملي لكن لو استطاعت جذب الشباب وتغيير طريقة التعامل معهم ونشر إبداعاتهم فسوف يكون لذلك أثر كبير نوعياً وليس كمياً فنحن بحاجة للنوعية الجيدة أكثر من حاجتنا لكم من الحضور.

 

أين أبناؤنا من المعارض؟

 

العميد الدكتور سعيد بن ناصر المرشان من كلية الملك خالد العسكرية يقول: أثارت زيارتي لمعرض الرياض الأخير للكتاب في نفسي عدداً من التساؤلات، ليس بقصد البحث عن إجابات لها، بقدر ما كان المقصود بالدرجة الأولى البحث عن حلول لما ستأتي به هذه الإجابات، فأول ما استرعى انتباهي في هذه الزيارة التي حرصت على تكرارها أن زوّار المعرض في معظمهم من الفئات العُمرية المتوسطة والكبيرة، حتى صرت أبحث عن الشباب الأصغر سناً، والذين هم بالضرورة في سن التعليم، نظراً لكونهم إحدى أهم الفئات المستهدفة تربوياً وتعليمياً وثقافياً، باعتبارهم القاعدة التي تُبنى عليها الأمم في حاضرها وفي مستقبلها. وأتساءل: ما الذي يجعل شبابنا يعزف عن هذه التظاهرة الجميلة، في حين نجده فاعلاً في أنشطة متعددة أخرى؟ وفتشت عن إجابة لهذا التساؤل، فإذا بجملة من التساؤلات الفرعية تتوالى، ليس بقصد تبرئة هؤلاء الشباب مما هم واقعون فيه من تقصير، بقدر ما كانت كما أسلفت محاولة للبحث عن حلول تسمح ببناء جيل على قدر كبير من الثقافة والوعي بما يتلاءم والمستقبل، هل شجّعنا أبناءنا على القراءة والاطلاع؟ وهل هيأنا لهم البيئة الصالحة للقراءة؟ وهل تحقق لهم ذلك في المنزل وفي المدرسة؟ وهل خصصت مكتبة لكل مدرسة؟ وهل منح البرنامج الأسبوعي فرصة مناسبة للقراءة الحرة؟ وهل بمكتبة المدرسة إن وُجدت محتوى ثري ومتنوع يشدّ انتباه الطلاب؟ وهل من بين هيئة التدريس في كل مدرسة متخصص في شؤون المكتبات لإرشاد الطلاب وتعريفهم بأهمية القراءة؟ وهل منهاج اللغة العربية يسعى إلى تطوير مهارة القراءة لدى الطالب؟ ثم هل اصطحبنا نحن الآباء أبناءنا إلى مكتبة عامة خلال العام الدراسي؟ وهل جعلنا في حياتنا اليومية مساحة زمنية للقراءة حتى تصبح برنامجاً يومياً لنا ولأبنائنا؟

 

أسئلة كثيرة تواردت على الذهن، وكان النفي مع الأسف هو العنوان الغالب على إجاباتها.

 

مدارسنا:

 

ويضيف المرشان: ومن ثم كان لا بد من مناقشة الأمر من وجهة أخرى، ألا وهي وجهة العملية التعليمية برمتها، باعتبارها الأساس والمنطلق الذي يهيّئ الطالب للحياة في حاضره ومستقبله، نظراً لأنها العامل الرئيس الذي يبني عقله، ويُصيغ فكره، ويصنع وجدانه، إن للدولة جهوداً لا تُبارى في مجال اهتمامها بالتعليم من وجوه متعددة، انطلاقاً من أنه يشكِّل أهمية قصوى في تطوّر المجتمعات وتقدم الشعوب، إلاّ أن العملية التعليمية بجوانبها المختلفة كما في كثير من الدول العربية تعاني من عدد من المعوّقات التي تحول بينها وبين تحقيق أهداف التعليم السامية. وتقتضي النظرة الموضوعية إلى هذه القضية، الاعتراف بغلبة الطابع النظري على مناهج التعليم، واستمرار المظاهر السلبية في بعض جوانبه، مثل: الدروس الخصوصية، وارتفاع كثافة الفصول، والمركزية الشديدة في إعداد وتطوير المناهج بمعزل عن المدرسة والمعلّم، ولا تقتصر المعوقات على المنهج دون طرق التدريس، ودور المعلم، والتقويم التربوي، فكل جانب منها يعاني مشكلات ومعضلات؛ فطرق التدريس ما زالت تعتمد في معظم المدارس على التلقين والحفظ والاسترجاع، بعيداً عن التطبيق والتجريب، ومن ثم فهي لا تؤهل الطلاب للحوار والمناقشة والتفكير وإبداء الرأي؛ فضلاً عن وجود علاقة إجبار من قِبَل المعلم وإذعان من جانب الطالب، كما أن بعض المعلمين ليسوا مؤهلين بدرجة كافية قبل الخدمة أو أثناءها، ولا يشاركون في جهود التطوير، ويمتد الحديث إلى آخر جوانب العملية التعليمية، وهو عملية التقويم التربوي، فإن هذا التقويم لا يزال مقتصراً على الجانب المعرفي دون مراعاة لقدرات التفكير الذاتي لدى الطلاب ومدى تحديهم للمشكلات، كما أن أسلوب التقويم المتمثل غالباً في الامتحانات يركز بدرجة قصوى على ما تم استيعابه دون محاولة الكشف عن قدرات وإمكانات ثقافية مكتسبة. لهذه الأسباب وغيرها، عزف معظم الشباب عن القراءة والاطلاع، وأعطوا كل اهتمامهم لإنهاء المراحل التعليمية كيفما اتفق، دون النظر إلى المستقبل وما يجب أن يكونوا عليه من ثقافة وإدراك لما حولهم، ليصبحوا جيلاً فاعلاً في مسار التنمية وتعزيزها.

 

عندما يصبح التعليم ظهيراً للثقافة:

 

وأحسب أن بناء الشباب (ثقافياً) يمكن أن يتحقق في أحد جوانبه من خلال منهج يعطي الطالب فرصة التعليم الذاتي، ويحدد للمدرسة وللطالب أهدافاً واضحة يتم التقويم بناءً عليها؛ ويتيح قدراً كبيراً من الشراكة من جانب الأهل والمجتمع للقيام بدور الناقد والداعم للإصلاح التربوي؛ وأن تسود المدرسة علاقة حميمة تقوم على الاحترام المتبادل؛ وأن يتمكن المعلم من طرائق التدريس المتطورة؛ وأن تعيش المدرسة جواً يسمح بالتطوّر والتفاعل الإنساني؛ وأن يتم توجيه فرص حقيقية للارتقاء بقدرات الطالب وتوسيع مداركه داخل وخارج إطار المدرسة، بل يمتد الاهتمام بالتعليم إلي إعطاء قضاياه المختلفة جزءاً أكبر من المساحة الإعلامية، عندئذٍ يصبح التعليم ظهيراً للثقافة، وحاملاً للوائها، ورافداً ثرياً لجوانبها، وهذا هو المأمول من عملية الإصلاح الواسعة التي يشهدها مجتمعنا الآن، فجميعنا مستفيد منها، ومن ثم يتعين علينا جميعاً دعمها، كل حسب طاقاته وقدراته.

 

أسرى الوظائف:

 

قال الدكتور هاني السبكي استشاري الطب النفسي: الحقيقة أن الشباب معذور فعلى الرغم من أهمية الثقافة والوعي الثقافي الذي يعد واحداً من أهم الأسلحة التي يجب أن يتسلح بها شبابنا أمام تحديات المجتمع وتطور العلم والتكنولوجيا إلا أنه في نفس الوقت يشعر بأنه يحارب طواحين الهواء، وذلك لأن ظروف البطالة وقلة فرص العمل تجعل أغلب الشباب اليوم يعمل بعد تخرجه في أية وظيفة أو فرصة عمل تقابله والتي غالباً ما تكون بعيدة كل البعد عن مجال تخصصه أو دراسته مما يجعله يضطرب نفسياً ويعيش حالة من عدم الاتزان والخوف حتى على هذه الوظيفة البسيطة وأن يفقدها مما يضطره إلى أن يركز كل جهده وتفكيره فيها ولا يفكر في أي شيء آخر، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يسعى إلى تثقيف نفسه أو شراء الكتب التي تدعم وعيه الثقافي وتقويه، هذا بالإضافة إلى أن معظم الشباب الآن يعاني من السطحية وعدم الرغبة في فعل أي شيء ايجابي لأنه يشعر أصلاً بضآلة حجمه وعدم وجود من يستمع له، والحقيقة إننا لا بد أن نلتمس له العذر لأن معظمه أصبح يعاني من اضطرابات سلوكية، وبالتالي فهذا الغياب عن المشاركة في أي مجال كان ثقافيا أو أدبياً هو رد فعل طبيعي للضغوط النفسية والاضطرابات السلوكية التي يعاني منها لأنه يشعر أصلاً أنه عامل غير مؤثر في كل من حوله، ومع ذلك فيجب أن يعلم شبابنا أن الوعي الثقافي والاهتمام بالثقافة العامة والتواصل معها شيء مهم له هو قبل أي شخص آخر، فالثقافة والاطلاع يضيفان الكثير لشخصية الشاب والفتاة وينميان مداركهما ونحن كل ما علينا هو الاجتهاد والسعي مؤمنين بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً والسعي إلى التثقيف يعد سعياً إلى الله أيضاً فهناك بعض الكتب التي تتكلم في الثقافة الدينية وتقربنا أكثر من الله، ويضيف: قضية الضياع النفسي والفكري التي يعيشها الكثير من الشباب هي قضية بالغة الخطورة، وللأسف نحن كآباء ومعلمين غفلنا عنها زمناً طويلاً، فقد غاب التوجيه الأسري والتربوي والإعلامي الذي كان يجب أن يرشد شبابنا الآن منذ طفولتهم إلى أهمية الثقافة في التأثير على مستقبلهم المهني والاجتماعي، وأظن أنه قد آن الأوان لإشراك الشباب في صنع مستقبلهم ومصارحتهم ومكاشفتهم بكل ما يدور على الساحة الخارجية والداخلية فهم أن لم يكونوا كل المجتمع فهم جزء منه لصنع الغد.

 

الوقت والقراءة:

 

الدكتورة سهير عبد العزيز أستاذ علم الاجتماع تقول: الحقيقة أن ثقافة الشباب الآن في ظل المتغيرات السريعة والحديثة التي نعيشها الآن أصبحت ضرورة ملحة لا مفر مها لأن الثقافة هي الجسر الوحيد الذي يستطيعون أن يعبروا عليه للوصول إلى أحلامهم وطموحاتهم، وثقافة اليوم تشمل الاطلاع على كل ما هو حديث وجديد في كل المجالات سواء الأدب أو السياسة أو الاقتصاد، بالإضافة إلى الإلمام بكل ما هو جديد في مجال التكنولوجيا الحديثة والمتمثلة في الكمبيوتر والإنترنت، وأحياناً نجد شبابنا يقول إنه ليس لديه وقت للثقافة وهذا خطأ كبير لأنه لو ضبط إيقاع يومه سيجد لديه متسعاً من الوقت يستطيع أن يستفيد منه استفادة قصوى سواء على مستوى دراسته أو تحقيق لنفسه مستوى ثقافياً عالياً وكل هذا ليس ضد أن يتعامل الشباب مع الثقافة التي يأخذها من الإعلام، لأن التقدم الإعلامي أتاح للشباب الاطلاع على ما يدور في المجتمعات المتقدمة وعقد مقارنات بين أسلوب حياته وأسلوب حياة الشباب بالغرب. وتضيف: مما لاحظته ولاحظه المجتمع في هذا الزمن عزوف كثير من شبابنا عن ثقافة القراءة والاطلاع فمن أسباب هذا العزوف أنه لا يوجد طرح جري لمشكلاتنا المتعلقة بسير حياتنا اليومية، وأهم الأسباب أن التنشئة والتربية منذ سن مبكرة على القراءة لها دور كبير في حب القراءة. فاتجاه شبابنا في هذا العصر على الإنترنت وترك قراءة الصحف لأن به عنصر التشويق وشد انتباه، كما أنني أعتقد بأن عملية الوقت مهمة جداً نحن أمة لا نقدر ثمن الوقت الذي هو أغلى ما يملكه الإنسان العاقل المدرك في هذا الزمن فتجد الشباب يقضي الساعات الطوال أمام شاشة الإنترنت ينتقل من صفحة إلى أخرى من دون أن يحسب للوقت حساباً وهذا الجهل بعينه لأننا لا نستغل الوقت في اختيار ما نقرؤه حتى نستغل الوقت في قراءة ما يعود علينا بالنفع لو نظرنا إلى حديث المصطفى - عليه أفضل الصلاة والسلام - في قوله (اغتنم خمساً قبل خمس وذكر منها شبابك قبل هرمك وفراغك قبل شغلك) لعرفنا قيمة الوقت وقيمة ما يجب علينا قراءته.

فضل العلم ومكانة أهله

العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار من الظُّلَم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكّر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء[1]. للعلماء مكانة في

العلم في كفك

عندما تتصفَّح الكتب، وتنتقل بين حلقات العلم، وتسأل العلماء في أرجاء العالم، كل هذا في جهاز بحجم كفِّ اليد، عندها ندرك مدى تفريط الكثير، وخاصة ممن ينتسبون لطلب العلم الشرعي، وتَعذُّرهم بكثرة الشواغل وبُعدهم عن الدروس العلمية المقامة. فيا طالب العلم، هلَّا تأمَّلت فضلَ العلم، و

عناصر التكامل في بناء شخصية المتعلم

لا بد لكل بِناءٍ من أساس يقوم عليه، ومن دِعامات وأساطينَ يستند إليها، وإنَّ أسمى وأحق شيء بأن يشيد ويبنَى هو الإنسان، ومهمةُ التشييد بلغت من التعقيد ما إنَّ مفاتحَه لتَنُوء بالعصبة أُولِي القوة من المربِّين، فيكون حالهم معه ما بين مُسدِّد ومُقارِب، وهنا مكمن الصعوبة؛ لأن النشء قد