خطبة عيد الفطر 1438هـ أمـة التوحيـد والوحـدة والإتحـاد

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 27 يونيو 2017 الساعة 08:44:39 مساءً

كلمات دلالية :

العيد
خطبة عيد الفطر 1438هـ  أمـة التوحيـد والوحـدة والإتحـاد

{ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا  }                                                                                                              

      الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ....  ( 7 مرات ) ، ولله الحمــــد .

      لله الحمد ، حمدا كثيرا طيبا مباركا، دائما بدوام عزته، و كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه ومجده. انه أهل الحمد والثناء، لا نحصي نعمه ولا نحصي ثناء عليه، هو سبحانه كما أثنى  على نفسه. ونشهد انه الله لا اله الا هو وحده لاشريك له، بديع السموات والارض، اذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون، بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون. واشهد ان محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله الرحمن الرحيم رحمة للعلمين، و محجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، فبلغ الرسالة، و أدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فاللهم صل عليه وعلى أل بيته الطيبين، وارض عن صحابته الكرام والتابعين، ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين. وأحينا اللهم على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا يوم القيامة في زمرته، مع الذين أنعمت عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

                                  الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد .

    الحمد لله الذي اغدق علينا من خيرات رمضان وبركاته، وأتمه علينا بفضله واحسانه، وجمعنا على الفرح والسعادة في هذا اليوم الأغر، يوم عيد الفطر. فجدير بنا ان نقدر نعم الله علينا، ونكون له من الشاكرين، على ما وفقنا له من جميل الطاعات والقربات فعل الخيرات، صلاةَ وصياما وقياما وقرآنا وذكرا وإحسانا، لا نمن بها عليه سبحانه، { بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ماذا كنا تملك من ذلك او نطيق لولا فضل الله واحسانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون} (يونس 5). فطوبى لمن عاشوا الشهر الفضيل لله، ايمانا واحتسابا، على التقوى والاستقامة، صادقين صابرين مخلصين، فلهم البشارة بالرضا والرضوان ونعيم الجنان، كما هو وعد ربنا الرحمن: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } (فصلت 30).

  ومع هذه البشارة العظيمة، يحق لنا أن نفرح ونسعد بوعد الكريم المنان، حامدين شاكرين، وليكن الفرح أشد وأعظم، والحمد والشكرُ أولى وألزم، على نعمة الاسلام، هذا الدين القيم الذي انقذنا الله به من ظلمات الكفر والضلال، وأكرمنا بنور الايمان والهداية والرشاد، وامتنّ علينا فيه بتمام النعم: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } المائدة/3. وكيف لا يمتن الله علينا بنعمة الاسلام، وهو دين النجاة والفلاح، ومنهاج الاستقامة والسداد، والبراءة من مسالك الشرور والفساد: ﴿ قدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ (المائدة: 15، 16). ماذا كنا سنكون بغير الاسلام، وماذا يكون مصيرنا من دونه، وهو الدين الحق الذي لا دين بعده يصح أو يرتضى، ولا في غيره خير يرتجى:{ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (آل عمران 85). فحري بنا وأجدر ان نذكر عظيم فضل الله علينا بنعمة الاسلام ونقدُره ونشكر، معتزين بكوننا مسلمين، راضين بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبمحمد نبيا ورسولا، فلله الحمد والمنة على فضله العظيم وكرمه العميم: { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. } (ال عمران 164).

  وجدير بنا ان نقدر فضل الله علينا بنعمة الاسلام ونستحضر كلمة جعفر بن ابي طالب (ض) أمام النجاشي في الحبشة حين قال: " كُنَّا قَوْمًا  أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ. كُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْنَا رَسُولا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَه وحده، لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَنَترك مَا كُنَّا نَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرّحمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفُحْشِ وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَات، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ.. فآمَنَّا بِهِ وصدقناه وَاتَّبَعْنَاهُ ، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا ليفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا ويَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ "

                                  الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد .

    لله الحمد وقد خصنا في الاسلام بخير كتاب أنزل، قرآنا عربياً مبينا، وأكرمنا بخير نبي أرسل، بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا، وجعلنا به خير أمة أخرجت للناس، أمة الوسطية والاعتدال، والشهادة على سائر الآمم، بالهـدى و دين الحق، دين الرحمة للعالمين، و الحكمة البالغة والتمام والكمال في شريعته، وتعاليمه، واخلاقه. به أخرجها من العدم الى الوجود، ومن الضعف الى القوة، ومن مهانة الجاهلية، وذل العبودية لغير الله، الى عزة العبودية لرب العالمين.. الدين القيم الذي به سادت الامة العالم، ونشرت منارات الهداية شرقا وغربا، وعاشت مئات السنين على أمجاد القوة والعزة والتمكين..

    وما ذلك الا لأن الاسلام أنشأها على مايضمن لها التميز والامتياز بالصبغة الربانية الفاضلة في هويتها الايمانية، وكيانها الوحدوي الأخوي المتماسك اجتماعيا وحضاريا، وفي أسوار مناعتها الصامدة للبقاء والاستمرار.. هذه الغايات الكبرى في ايجاد الامة الاسلامية وحمايتها، لها تجسيد وتفعيل في ثلاثة اركان متلازمة ومتكاملة، يفضي بعضها الى بعض ويدعمه ويشهد له، وهي أصول : التوحيد في الإيمان والاعتقاد ، والوحدة في الكيان والمجتمع، والاتحاد في المواقف والإنجازات.. واليكم البيان والتوضيح:

                               الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد

ـ أيها المؤمنون، نحن أمة الإسلام،  مؤمنون موحدون، والتوحيد هو الركن الاعتقادي الأساس في الاسلام، بل هو حق الله الاعظم، الذي من أجله خلق الخلق اجمعين، ليعرفوه ويوحدوه، على يقين الادراك العقلي السليم، والتصْديق القَلبيّ الجازِم بِوُجودِه سُبحانه ووَحدانيته: ـ  توحيده في ربوبيته، وهو الله الرب الخالق المدبر المهيمن بعلمه وقدرته وارادته. ـ وتوحيده في ألوهيته، وهو الإله الحق، المستحق وحده ان يعبد دون شريك: { ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} (‏الأنعام‏ 102ـ103). ذلك مضمون كلمة الاخلاص:{ لا اله الا الله } التي أَرسلَ الله بها الرسل وانزل الكتب، وجعل مُحَمَّداً (صلى الله عليه وسلم) خاتم النبيئين والمرسلين، على منهاج القرآن الكريم، فَبَلَّغ الرسالة وأدى الأمانة، بإقامة الدين لله وحده، وايجاد الامة الاسلامية على مذهبية ربانية خالصة، موسومة بصبغة إلهية فاضلة:{ صِبغةَ الله، ومَن أحسَنُ من اللهِ صبغةً، ونحنُ له عابِدونَ} صبغة التميز والامتياز، في الايمان والاعتقاد، والعبادات والقربات، والاخلاق والمعاملات، تلك الصبغة التي لها آثارها الطيبة على المسلم المـوحد، في قلبه وشعوره، وفي عقله وتفكيره، وفي سلوكه وتدبيره، يحيا على التكامل والتوازن بين مطالب العقل والروح والجسد، دون إفراط ولا تفريط.

    بهذه العقيدة الصافية ننتسب الى الاسلام معتزين، وبها عرفنا الله تعالى معرفة يقينية، عابدين له مخلصين، إيمانا ومحبة وإجلالا وتعظيما، وخشية ورجاء،  وثقة وتوكلا وتسليما، معتقدين بمشيئته النافذة، راضين بحكمه وقضائه، مطمئنين الى عدله وحكمة تدبيره، واثقين من رحمته وإحسانه، على يقظة من ضمير المراقبة له سبحانه في السر والعلانية. وبهذه المذهبية الربانية تحيا الأمة على الاكتفاء بالاسلام شريعة ومنهاجا وأخلاقا، على هدي كتاب الله وسنة رسوله، دون افتقار أو احتياج الى شيء من عقائد البشر ومذاهبهم، بل ان أمة الاسلام هي المخوّلة بشريعة التمام والكمال، لتكون القدوة الخيّرة للناس اجمعين:{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران 110).

                                 الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد

 يا أمة التوحيد، إن التَّوحيد ليس مجرَّدَ عقيدةٍ وَنِظامِ تفكيرٍ، بل هو أَيضا طِرازُ عيشٍ وَنمطُ حَياة. يجعل المسلم يَعيش على وَعيِ بالعهد والمسؤوليَّةِ تِجاهَ ربّهِ ونفسِهِ وَمُجتمعه. فعلى أساس التوحيد اعتقادا، يقوم ويشمخ كيان الأمة الاسلامية اجتماعيا وحضاريا، محكوما بروابط الوحدة الراقية في التآلف والتماسك والتآخي والتآزر والتعاون. ومنه تستمد مكوناتُه ومقوماته شرعيتها ومزاياها. لذلك فبقدر سلامة ركن التوحيد من شوائب الشرك والضلالات، يسلم للأمة دينها وكيانها الوحدوي والاجتماعي. وكل انحراف أو فساد في أصل الاعتقاد، يؤثر سلبا على وجودها وحياتها أفردا وجماعات.

    فانظروا ـ رعاكم الله ـ كيف كان الناس في الجاهلية قبل الاسلام، كانوا فرقا وقبائل وطوائف لا تربطهم رابطة، أو تجمعهم جامعة. تحكمهم العصبيات، والنزعات العرقية والطائفية، والعلاقات المادية، والصراعات والحروب الدامية. فلما أظلهم الاسلام، ألّف بين قلوبهم، وجمع شملهم، ووحد صفهم، وأعلى منزلتهم، وأبقى ذكرهم. وذلك برابطة الايمان والأخوة، وهي منحة ربانية عظيمة ضمن نعمة الإسلام الكبرى، وقد امتن الله عليهم بها فقال سبحانه: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (آل عمران: 103).  ثم سما بهم الى مراتب النبل والكرامة، في وحدة قوية متينة، بالرغم من تباين أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعشائرهم وبيئاتهم وأقاليمهم. تلك الاخوة الفريدة الفاضلة، التي أمتن الله تعالى بها على رسوله بما ألف من قلوب الصحابه الاخيار وأثنى عليهم: { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ  وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ( الانفال63 ). ثم عزز فيهم دعائم الوحده وأواصر الاخوة وحماها، بما دعاهم إليه من الاعتصام بحبل الله المتين، ودينه القويم، والتحلّي بكلّ خلق كريم، والتخلّي عن كلّ خلق ذميم، مصداق قول الله تعالى: {وَاعتَصِمُوا بِحَبلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيكُم إِذْ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصبَحتُمْ بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُم آيَاتِهِ لَعَلَّكُم تَهتَدُونَ} [آل عمران: 103.

  وكان النموذج الأول لهذه الأخوة في مجتمع الصحابة، أساسا وقدوة لمجتمع الأمة كلها عبر التاريخ، باكتماله ورقيه في الوحدة والتلاحم والانسجام، لا فضل فيه لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود ولا لغني على فقير الا بالتقوى. رابطة الدين فيه فوق كل الروابط، وعلاقة الايمان فوق كل العلائق { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }. أخوة سامية ذابت فيها كل نوازع التنافر والمعاداة والشقاق والافتراق، لتضم في اتساق ومحبة ووفاق، أمثال سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وأبي ذر الغفاري وعمر القرشي، وغيرهم كثير من النماذج التي كانت من قبل متباينة أو متعارضة في العقائد والأعراق والانتماءات، لكنها انصهرت بحكمة الاسلام، في بوثقة الايمان والأخوة لتأخذ صبغة ربانية، أصبح فيها الجميع إخوة الجميع، في صورة وحدوية بديعة لم تعرف لها البشرية مثيلا في غير الاسلام. ثم تتسع هذه الرابطة لتجعل المجتمع الاسلامي، بالمؤمنين المتآخين، جسدا واحدا في التكامل والتجانس والتآزر بأعضائه، محبة ومودة ورحمة، في صورة بديعة أبان عنها التوصيف النبوي البليغ: (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (البخاري ومسلم) كذلك كان المسلمون ويجب ان يكونوا في كل زمان ومكان، ولسان حالهم شعرا:

  يا أخي المسلم في كل مكان وبلـــد          أنت مني وأنا منك كــروح في جســد
 وحــدة قد شاده
ـا الله أضـاءت للأبـــد         وتسامت بشعار : "قـل هو الله احـــــد"

 

الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد

   أيها الاخوة الكرام، إن اركان التوحيد والوحدة التي تأسس عليها كيان الآمة الاسلامية عقديا واجتماعيا، هي التي تضمن لها فعالية الاتحـاد، في المنطلقات والمواقف والغايات. فالاتحاد قوام قوتها في الصمود والثبات، وحافزها الى عظيم الاعمال والمنجزات. وبه حققت أمجاد الجهاد والفتوحات وبلغت في الرقي والعزة والمهابة اعلى المقامات. ولقد آتاها الله تعالى من النصر والتمكين والعزة بقدرما كان المسلمون يعملون بمقتضى قوله تعالى:{ واعتَصِموا بِحَبلِ اللهِ جَميعاً ولا تَفرّقوا} (آل عمران 103). فكانوا جسدا واحدا في البنيان والكيان، وقلبا واحدا في الشعور والوجدان، وصفا واحدا في الصلاة والقربات، ويدا واحدة في النصرة والتعاون وفي الجهاد وحماية البلاد والعباد. فانجزهم الله وعده الحق فضلا وكرما: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ  } (النور55).

 

الخطبـة الثانيــة:

الله أكبر  ،  الله أكبر   ،   الله أكبر ..   ولله الحمــــد

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، دائما بدوام عزته وجلال وجهه وعظيم سلطانه ومجده. نحمده تعالى وهو أهل الحمد والثناء، لا نحصي نعمه ولا نحصي ثناء عليه ، هو سبحانه كما أثنى على نفسه. ونصلي ونسلم على خير خلقه ، محمد وأله وصحبه .

   معشر المسلمين، انه مهما تكن حالنا اليوم من التنازع والانقسام، والخضوع والانهزام، والذلة والهوان فانما ذلك بما كسبت ايدينا. وما ضاعت منا عزة الاسلام وذابت هيبتنا، وانهارت قوتنا، وتجرأ الاعداء علينا، وساءت احوالنا الخلقية والاجتماعية والحضارية، الا بعد ان ابتعدنا عن شرع الله وحكمته في جمع شملنا وبناء وحدتنا وتنظيم حياتنا. وبسبب ما اضعنا من فضائل ديننا، وقواعد نشأتنا، ودعائم وحدتنا، وحوافز اتحادنا، وأبينا إلا أن نسقط فيما يناقضها، في غفلة عن وصايا القرآن الكريم وتحذيراته : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } (آل عمران 46) ووقـوع فيما نهى عنه البشير النذير عليه الصلاة والسلام :( لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرات) بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) (رواه مسلم).

  فلابد من أن تسارع الامة الى الاعتصام بحبل الله المتيت، وتعمل باسباب وحدتها واتحادها، لجمع شملها، وتوحيد صفها، وحماية كيانها وكرامتها، ومقاومة أسباب تفرقها وعجزها، ومواجهة كيد اعدائها..   وكيف لا تتوحد وتتحد، وهي تحيا على شعار التوحيد " لا اله الا الله " وبه تلتقي وتجتمع على رب واحد لا شريك له، وكتاب واحد لا مثبل له، ورسول خاتم لا نبي بعده، وقبلة واحدة !.

   فعلامَ التباغض والتنافر والفرقة، والمسلمون جميعا إخـوة، مهما اختلفت بهم الأجناس واللغات وتباعدت الأوطان. ومن مقتضيات الاخوة الاسلامية، محبة بعضهم بعضا، والاهتمام بهم والغيرة عليهم ومشاركتهم أفراحهم وآلآمهم، ونصرتهم والانتصار لهم. فالله تعالى لا يرضى القطيعة بين المسلمين، مهما كانت الأسباب والذرائع. فكيف نضل بعد ايمان، ونتفرق بعد اجتماع، ونتباغض بعد أخوّة وائتلاف، وكيف نرضى الخضوع لمخططات الأعداء لضرب المسلمين بعضهم ببعض، وتحريض بعضهم على بعض، ومقاطعة بعضهم لبعض،ومحاصرة الاسلام ورميه بتهم الارهاب.{ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (البقرة 217) فلا يغرنكم تطاول الاعداء على الامة وتكالبهم عليها لضرب دينها ونسف كيانها وتدمير بلدانها وسلب ثرواتها، فذلك مبلغهم من الكيد والظلم، ومن وراءهم حكم الله النافذ:{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (الانفال 36). فلا تيأسوا ولا تستسلموا، فمتى عاد المسلمون الى صفاء التوحيد بغير اشراك، وتحكيم شرع الله بغير تعطيل، والى وحدة الكلمة بغير افتراق، جاءهم من الله النصر والتمكين، كما عاشه اسلافنا الاولون. وقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يثلج الصدور اطمئنانا بالمستقبل الاسلام فقال: ( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر ) (أحمد).

فلنفرّ الى الله تائبين، ولنحتكم الى كتابه وسنة رسوله في تصفية عقيدتنا، وتقوية ايماننا، واعادة بناء كياننا الوحدوي القوي، منطلقين من تحقيق التوحيد لله بريئا من الشركيات والضلالات والخرافات، الى بناء الوحدة على الروابط الاخوية المثينة، ومنها الى الاتحاد في المنطلقات والمواقف والقرارات والمواحهات، فانه لا يصلح حال هذه الامة الا بما صلح به اولها، ولنعمل بوصية حبيبنا المصطفى: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي) (مالك ).

   فاهنأوا بعيدكم ـ معشر المسلمين ـ واذكروا نعمة الله عليكم بالايمان وأخوة الاسلام، فانما المؤمنون اخوة، وارعوا بينكم مشاعر هذه الاخوة بالمحبة المتبادلة والتعاون والتراحم والتزاور، فانه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه. واجعلوا يوم العيد منطلقا لتمتين العلاقات وتقوية الصلات والمسارعة في الخيرات واجتناب المنكرات.  لكننا ونحن نعيش فرحة العيد، بسلام وأمان، وراحة واطمئنان، لابد ان نتذكر إخوانا لنا دمرتهم الحروب، وأرقتهم الخطوب، وتوالت عليهم الفتن، وتسلط عليهم الأعداء بالظلم والعدوان، وهم إخواننا في: (لا إله إلا الله محمد رسول اللهﷺ)؛ فكيف يحلو العيد بين الفرح المشروع، والجفون تفيض بالدموع! فلنكن معهم بقلوبنا وصادق دعواتنا، إذ لم نكن معهم بواجب دعمهم ونصرهم والدفاع عنهم. ولنذكر ونحن نعيش فرحة العيد، بحلل الملابس البهية، وموائد الطعام الشهية، إخوانا لنا في محنة الفقر، وشقوة العيش، لا يجد أحدهم لباسا يواريه، ولا مسكنا يؤويه، ولا طعاما يشبعه ويغذيه. فلا ننساهم من دعواتنا الصالحة، ومواساتنا الاخوية، ومن مـدّ يـدِ المساعدة لهم بإحسان {وَما تُقدّمُوا لأنفُسِكُم مِن خَيرٍ تجِدوهُ عندَ اللهِ هوَ خَيراً وأعظمَ أجْراً }.

                                          الختم بدعـوة الخير          

خطبة الأضحى 1440 ( دروس اليقين والرضا)

( دروس اليقين والرضا والتسليم من سيرة الخليل ابراهيم) (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) الله أكبر ، الله أكبر

عيد الأضحى 1440 هـ .. رسالة الإسلام .. رسالة حياة

عيد الأضحى 1440 هـ .. رسالة الإسلام .. رسالة حياة عناصر الخطبة : 1/ عيد الأضحى المبارك من أيام الله العظيمة. 2/ رسالة الاسلام رسالة حياة وبناء. 3/ تعظيم شأن الدماء في الإسلام. 4/ جرم الاعتداء على المسلمين. 5/ تأملات في أحوال الأمة اليوم. 6/ المسلم من سلم الناس من لسانه ويد

الحج مقاصد وفضائل

الحمدُ لله، شرع الحجَّ لعباده رحمةً بهم وإسعادًا، نحمده تعالى ونشكره جعل المناسكَ مورِدًا للحسنات ومنهلاً وازديادًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له شهادةَ من لاذ به خضوعًا لعظمتِه وانقيادًا، وأمّله لبلوغ ذُرى العلياء توفيقًا وسدادًا، وأشهد أنّ نبيّنا وسيّدنا محمّدًا عب