صلة الرحم وتجديد البواعث

التاريخ: الخميس 18 مايو 2017 الساعة 07:19:24 مساءً

كلمات دلالية :

الارحامالبر
صلة الرحم وتجديد البواعث

كانت صلة الأرحام ولا تزال من أهم القربات 1 الصالحات التي يتقرب بها العباد لينالوا بها رضا الرب سبحانه الذي يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً 2 ، ويقول كذلك: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ 3 ، وتحقيقا لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يقول: “أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان” 4 ، والذي يقول أيضا: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه” 5 .

 

لكن، وللأسف الشديد، كثيرة هي المشاهدات والحكايات عن أمهات أهملن، وآباء نخرهم العجز والمرض والفقر، وفي دار العجزة سكنوا وقضوا نحبهم هناك وأهملوا، بل كثيرا ما نسمع، وهذا هو المصاب الجلل الذي يؤذي السمع والفؤاد، عن متدينين تركوا الأهل والأحباب بعد أن سبوا وكفروا وبدعوا، ونسوا المشيمة والحمل تسعة أشهر ووصية الإله والنبي عن الرحم.

 

فكيف نستلهم معاني الصلة، ونحن نعيش أجواء الربيع النبوي، لتجديد البواعث القلبية وإحياء صلات أرحامنا المادية والمعنوية؟ وكيف يكون كرم أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلة رحمه ورحم صويحبات أمنا خديجة رضي الله عنها منارة لنا نهتدي بها في ظلام قطع صلة الرحم الحالك؟

استهلال لغوي

 

مادة وصل تأتي لعدة معاني منها ضم الشيء ولأمه، يقال وَصَلَ الشيءَ بالشيءِ وَصْلاً وصُلَةً بالكسر والضم ووصَّلَهُ: لأَمّهُ.

 

وتأتي بمعنى بلوغ منتهى الشيء، يقال ووصِلَكَ الشيءَ وإليه وُصولاً ووُصْلَةً وصِلَةً: بَلَغَهُ وانتهى إليه، ومن المعاني عدم الانقطاع يقال أوْصَلَهُ واتَّصَلَ: لم يَنْقَطِعْ. فصلة الأرحام هي التواصل معهم وعدم الانقطاع عنهم، والإبقاء على هذه العلاقة متصلة 6 .

 

والرحم بالكسر بيت منبت الولد ووعاؤه في البطن، ومنه قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 7 .

 

وهي تدل على الرحمة والتعطف والرقة، وجاء في مختار الصحاح: رحم: الرَّحْمَةُ الرقة والتعطف والمَرْحَمَةُ مثله وقد رَحِمَهُ بالكسر رَحْمَةً ومَرْحَمَةً أيضا وتَرَحَّمَ عليــــه وتَرَاحَمَ القوم رَحِمَ بعضهم بعضا … والرَّحْمنُ الرَّحِيمُ اسمان مشتقان من الرحمة) 8 .

خاطرة

 

صلة الرحم، صلة الرحم إما زيارة لذي القربى وإكرامهم، أو إفشاء لسلام الإسلام بينك وبينهم، أو عطف وتراحم ومودة أو إحسان وبر مادي ومعنوي إليهم، أو قضاء حاجة من حوائجهم، أو دفع ضر قد ينزل بهم، أو جلب منفعة، عاجلة أو آجلة، اليهم، أو وقوف، في الشدائد والأتراح أو الأفراح، معهم، وهي الرحمة والرقة لهم والرفق بهم، وإن غاروا أو بعدوا أو أساؤوا، وكأنني بالإحسان إليهم قد وصلت ما بيني وبينهم، وأحييت الموات من علاقة القرابة والأخوة الطينية والإيمانية والصهر وما قطعت الصلات بهم، وخفضت جناح الذل لهم والإحسان إليهم، وكل ذلك ابتغاء مرضاة رب العالمين وبرهم.

الترغيب في صلة الرحام

 

لقد وردت أحاديث كثيرة ترغب في صلة الأرحام وتبين أجرها وثوابها، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله ثم صلة الرحم ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” 9 .

 

وهي من أعظم أسباب زيادة الرزق والبركة في العمر، قال صلى الله عليه وسلم: “صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفئ غضب الرب” 10 وقال أيضا: “من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه” 11 ، وفي رواية للترمذي أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر” 12 .

 

وهي من أسباب دخول الجنة؛ ففي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام” 13 .

 

وهذا عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: “لقيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخذت بيده فقلت يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال يا عقبة: “صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك”” 14 . وهذا يدل على أن صلة الرحم من أفضل القربات والأعمال. بل ومن أهم أسباب قبول الأعمال، ومصداق ذلك ما رواه لنا الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم” 15 .

 

وهي كذلك من أسباب حصول الخيرات والبركات، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله قال بصلتهم أرحامهم” 16 ، وقد ورد وصفهم في قوله سبحانه: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ 17 .

 

وهي كذلك من الأسباب التي تؤدي بصاحبها إلى الخاتمة الحسنة بالحسنى، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء فليتق الله وليصل رحمه” 18 .

 

وهكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالين لأرحامهم، فهذا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يقول لملك الحبشة: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء) 19 .

الترهيب من قطع الرحم

 

روى سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت بلى قال فذاك لك” 20 ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اقرؤوا إن شئتم “فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا 21 . ولعل هذا مما يدل على عظم صلة الرحم وتعظيم أمرها وأن صلتها مرغب فيه، وأن قطعها من الكبائر لورود الوعيد الشديد في قطعها،

 

وما يؤكد ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم: “ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم” 22 ، وفي حديث آخر: “أبغض الأعمال إلى الله الإشراك بالله ثم قطيعة الرحم” 23 وقوله صلى الله عليه وسلم: “الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله” 24 .

 

قال القاضي عياض: الرحم التي توصل وتقطع وتبر إنما هي معنى من المعاني، ليست بجسم، وإنما هي قرابة ونسب تجمعه رحم والدة، ويتصل بعضه ببعض، فسمي ذلك الاتصال رحما. والمعنى لا يتأتى منه القيام ولا الكلام، فيكون ذكر قيامها هنا وتعلقها ضرب مثل، وحسن استعارة على عادة العرب في استعمال ذلك، والمراد تعظيم شأنها، وفضيلة واصليها، وعظيم إثم قاطعيها بعقوقهم، لهذا سمي العقوق قطعا، والعق الشق كأنه قطع ذلك السبب المتصل) 25 .

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن للرحم لسانا يوم القيامة تحت العرش يقول يا رب قطعت ظلمت، يا رب أسيء إلي، فيجيبها ربها: ألا ترضين أن أصل من وصلك واقطع من قطعك” 26 .

 

كما أن من صفات أهل دار البوار، قطعهم لما أمر الله سبحانه وتعالى به أن يوصل، قال سبحانه عنهم: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ 27 .

 

وقال القاضي عياض رحمه الله: ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة، قال والأحاديث في الباب تشهد لهذا ولكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ومنها مستحب لو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعا ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لا يسمى واصلا) 28 .

الرحم عامة وخاصة

 

ومما يدل على أهمية صلة الأرحام، أن الإسلام أمر بها ولو كان الموصول غير مسلم، بحيث لا تتعارض مع الإسلام وأحكامه، أو مصالح المسلمين، فقد تكون من أسباب الهداية لهذا الموصول، وقد بين لنا سيد الأنبياء والمرسلين، إمام الواصلين محمد صلى الله عليه وسلم ذلك وضرب لنا أروع الأمثلة فعن عمرو بن العاص رضي لله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول: “إن آل أبي ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين” 29 “ولكن لهم رحم أبلها ببلالها”. يعني أصلها بصلتها.

 

كما نشير إلى أن الرحم رحمان: عامة وخاصة، فالرحم العامة تشمل كل المسلمين وهي رحم الإسلام والدين، ورحم خاصة وهي رحم القرابة.

 

أسوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

تذكر أخي وأختي أن السيدة أمنا خديجة رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق” 30 . وقفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشدائد كلها والمحن، فما نسيها ووصل رحمها وصويحباتها حتى غارت أمنا عائشة رضي الله عنها وما قطعت.

 

ها هو الحبيب صلى الله عليه وسلم يحيي رحمه بزيارة قبر أمه، وما شهدت بعثته، بل يهتم بذوي رحمه ويفتخر ويعتز قائلا: “هذا خالي فليرني أحد خاله” 31 ، بل ويحتضن الحسن والحسين أبناءه وأبناء السيدة أم سلمة ربائبه، فلنسع جميعا إلى التخلق بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلمه وصبره ودعوته وفي صلته لرحمه.

البر بالوالدين والإحسان إلى الأقارب

 

ومن أهم ما يجب الانتباه إليه في صلة الرحم: البر بالوالدين، لذلك يجب أن نعي معنى قوله تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغير 32 ، وعلينا أن نعي كذلك، لماذا جعل سبحانه طاعتهما مقرونة بعبادته وحده، فلا شك أن للوالدين علينا حقا وواجبا يتمثل في طاعتهما والإحسان إليهما، لأنهما قدما لنا كل جميل وكل معروف، فكان علينا مجازاتهما بالمثل. وأفضال الآباء والأمهات على الأبناء لا تعد ولا تحصى، فهاكم بعضها:

 

ألم تحملك أمك تسعة أشهر كاملة، بكل ثقلك وأوجاعك؟ ألم ترضعك بعد ذلك وهي بك رحيمة حنون؟ ألم تتعب لأجل راحتك، ألم تجع المسكينة لتشبع وتسهر لتنام؟

 

ولقد صدقها ربها حين قال: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك، إلي المصير 33 .

 

والأب المسكين، ألم يتعب ويشق بدوره؟ ألم يرب وينفق ويكابد كي يتعلم ولده؟ ألم يحرص أن يجعل من ولده مؤمنا صادقا وفاعلا في مجتمعه؟ ألم يدله على صواب القصد دنيا وأخرى؟ ويتمنى أن يكون ابنه في درجة أحسن منه، ينال بها الآمال والفرح بعد كده وسعيه؟

 

فإذا كنا على علم بذلك، فبرهما يكون بكل ما تصل إليه أيدينا، وتتسع له طاقاتنا من أنواع البر والإحسان، وذلك بغير من ولا أذى، فلطالما أنفقا علينا توددا وكرما، فلنكن الابن الرحيم ولتكوني البنت الودود الطيبة الحنون، فلا نتبرم أو نتكبر عليهما أو نهجرهما.

 

فعن أبي أسيد مالك بن أبي ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من بني سلمة، فقال: “يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما” 34 .

 

لذلك كان بر الوالدين مقدما دائما على سائر الأعمال، حتى على الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام. عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد، فقال: “أحي والداك؟ قال: نعم. قال: فيهما فجاهد” 35 . فالمجاهدة هنا تعني إكرامهما محبة في ثواب الله لنيل ثواب الجهاد، وذلك بالانقياد إلى أوامرهما.

كيف يجدد هذا الواجب في الأمة؟

 

إن صلة الرحم في الإسلام لا تقوم على الفعل ورد الفعل، بحيث نصل فقط إذا وُصلنا، ونقطع إذا قُطعنا، وإنما هي عطاء مستمر دون انتظار مقابل. فالمسلم إنما ينعت بالواصل الحقيقي عندما يصل الرحم التي قطعته، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها” 36 ، إنها قمة الشيم والأخلاق الإنسانية في الكون أجمع، إنها روح التسامح التي طالما حلمت المجتمعات البشرية بتحقيقها.

 

جاء في الشعبة السادسة، وهي بعنوان: الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق، توجيهات مجددة غالية للإمام، يدلنا من هنا الطريق، يقول رحمه الله: من المؤمنين من يفتقد عند توبته مرشدا يدله على الرفق). ومن الرفق التلطف بالقريب وصلة رحمه، فكم أُمَا مسكينة تشتاق إلى رِؤية فلذات أكبادها، غربتهم أوجاع الدنيا، أوالفهم غير السوي للدين، يقول الإمام المجدد رحمه الله: فإذا كان له أبوان وذو رحم سادرون في الغفلات، أو يعلم الله ما عندهم من موبقات، أعلن الابن والابنة الحرب على الوالدين والأقارب، وخسرت الدعوة فرصة لتبليغ الناس أن الإسلام رحمة وطهارة وسلم للعالمين) 37 ، وينسى هذا التائب ذو الشرة أنه أغلق على نفسه بابا عظيما من أبواب الخير، بل ارتكب كبيرة وعصى الرحمان، ويضيف الإمام رحمه الله: يرتكب التائب الذي لا مرشد له كبيرة عقوق الوالدين لمجرد أنه لا يجد عند أمه وأبيه ذلك الالتزام بالسنة كما يقرأه في الكتب) 38 .

 

لقد نسي المسكين أننا نعيش زمن الفتنة، حيث اختلط الحق بالباطل، ونسي أمر ربه: وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ 39 . فلننتبه رحمك ورحمنا الله جميعا، علينا ألا نعق والدينا، ولا نقاطع أقاربنا، باستعلاء العابد الذي يحسب أن ركعاته تغنيه عن بر من أمرنا ببره) 40 .

 

إن العنف لا يأتي بخير، وقد نبذه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعلمنا أن نقود برفق حركة التجديد في الأسر، لتحبيب الإسلام للناس، وتفادي معصية الله تعالى بتعريض النشء للعقوق. ومتى كانت الأم صالحة فهي أول صحبة نافعة أمر الشارع صلى الله عليه وسلم برعايتها. روى الشيخان أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحق الناس بحسن الصحبة؟» قال:)“أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك”. أي الأقرب فالأقرب. هذا إن كانوا صالحين وصحبة الأخيار هي المعتمد على كل حال) 41 .

خاتمة

 

أخي الحبيب، يا من يعاني الفاقة وقلة اليد، صل رحمك تكن أغنى الناس. أختي الحبيبة، يا من تشكو الأوجاع والأسقام والضنك وقلة البركة، صلي رحمك تكوني أسعد الناس. يا من يريد الذكر والأثر الطيب والميتة الطيبة والبشارة في الدنيا والآخرة صل رحمك تنل مناك.

 

هيا بنا نبدأ من الآن حتى لا يكون بيننا قاطع رحم، أيرضيك أخي أيرضيك أختي أن نحرم استجابة الدعاء؟ لا تستشر نفسك، انطلق فصوت أمك وأبيك وأخيك وأختك وخالك وخالتك… وجيرانك وكل أحبابك يناديك: لقد اشتقنا إليك فأقبل وعانق.

[1] جمع قربة وهي ما يتقرب به العبد إلى ربه.\

[2] النساء: 1.\

[3] محمد: 22.\

[4] يحيي بن شرف أبو زكريا النووي، شرح النووي على مسلم، دار الخير، سنة النشر: 1416هـ/1996م، باب إسلام عمرو بن عبسة، رقم: 832.\

[5] محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، صحيح البخاري، دار ابن كثير، سنة النشر: 1414هـ / 1993، رقم: 5787، كتاب التعبير.\

[6] كتاب العين: 7/ 152.\

[7] آل عمران: 6.\

[8] أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، ابن منظور، دار صادر، سنة النشر: 2003، مسألة: الجزء السادس، حرف الراء، ص: 124.\

[9] صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.\

[10] أخرجه الطبراني في الأوسط: 1/ 289، برقم: 943، وفي الكبير: 8/ 265، برقم: 8014، وقال الألباني: حسن انظر الجامع الصغير وزيادته: 1/ 725، برقم: 7245.\

[11] رواه البخاري.\

[12] (حديث مرفوع) رواه ابْنُ جَمِيلٍ عن عَبْدُ اللَّهِ عن عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عِيسَى الثَّقَفِيُّ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.\

[13] رواه أحمد وابن ماجة.\

[14] مسند عقبة بن عامر، (حديث مرفوع) عن حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عن ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أسند بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَثْعَمِيِّ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُجَاهِدٍ اللَّخْمِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ.\

[15] الأدب المفرد للبخاري، رقم الحديث: 61، (حديث مرفوع).\

[16] رواه الحاكم والطبراني. قال المُنذريُّ: “بإسنادٍ حسنٍ”.\

[17] الرعد: 21.\

[18] رواه البخاري (2067) ومسلم (2557) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.\

[19] عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، ابن هشام، السيرة النبوية، مؤسسة علوم القرآن، الجزء الأول، إحضار النجاشي المهاجرين، وسؤاله لهم عن دينهم، وجوابهم عن ذلك، ص: 336.\

[20] شرح النووي على مسلم، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم: 2554.\

[21] محمد: 22- 24.\

[22] محمد بن مفلح بن محمد المقدسي، الآداب الشرعية والمنح المرعية، عالم الكتب، رواه أحمد وأبو داود.\

[23] أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الريان للتراث، سنة النشر: 1407هـ / 1986م، كتاب الأدب، الجزء رقم4.\

[24] صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، ص: 88.\

[25] شرح النووي على مسلم، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، ص: 88.\

[26] جلال الدين السيوطي، لدر المنثور، مركز هجر، سنة النشر: 2003م – 1424هـ، الطبعة: الطبعة الأولى، ص: 438/437.\

[27] الرعد: 25.\

[28] شرح النووي على مسلم، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، ص: 88.\

[29] صحيح البخاري، باب تبل الرحم ببلالها، رقم: 5644. وزاد عنبسة بن عبد الواحد:\

[30] أخرجه الحاكم عن عائشة رضي الله عنها.\

[31] أخرجه الطبراني في الكبير (1 / 144 رقم 323) وكذا ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1 / 168 رقم 211 و213) كلاهما من طريق أبي أسامة عن مجالد.\

[32] الإسراء: 23/24.\

[33] لقمان: 13.\

[34] رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، وزاد في آخره: قال الرجل: ما أكثر هذا يا رسول الله وما أطيبه. قال: فاعمل به.\

[35] رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.\

[36] صحيح البخاري، كتاب الأدب، الحديث رقم: 5645.\

[37] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، مجلة الجماعة العدد الثامن، ص: 142.\

[38] نفسه، ص: 142.\

[39] لقمان: 14-15.\

[40] ياسين عبد السلام، المنهاج النبوي، مجلة الجماعة العدد الثامن، ص: 142.\

[41] نفسه، ص: 142.\

شعبان.. المنحة الربانية!

سمي بشعبان لأن العرب كانوا يتشعبون فيه لطلب المياه، وقيل تشعبهم في الغارات، وقيل لأنه شعب أي ظهر بين رجب ورمضان. وفيه صرفت القبلة على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حسب رواية ابن إسحاق وبه قال الجمهور الأعظم. وشهرنا هذا الذي هل هلاله على ا

شعبان: شهر يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم

قد مضى شهر رجب وفيه من الخير ما فيه وأقبل شهر عظيم هو شهر شعبان ولنا إن شاء الله تعالى وقفة فيه، نحاول من خلالها التتلمذ علي يدي الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه من خلال حاله مع شهر شعبان. عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: “قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور

الحمد لله إحنا في نعمة

نظرت البارحة، فإذا الغرفة دافئة، والنّار موقدة، وأنا على أريكة مريحة، أفكر في موضوع أكتب فيه، والمصباح إلى جانبي، والهاتف قريب مني، والأولاد يكتبون، وأمهم تعالج صوفا تحيكه، وقد أكلنا وشربنا، والراديو يهمس بصوت خافت، وكل شيء هادئ، وليس ما أشكو منه أو أطلب زيادة عليه. فقلت: "الح