رضا الله من مقاصد الصوم

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 13 مايو 2017 الساعة 07:15:46 مساءً

كلمات دلالية :

الرضاالصومرمضان
رضا الله من مقاصد الصوم

الحمد للهِ عزَّ واقتَدَر، وعَلا وقهَر، لا محيدَ عنه ولا مفرّ، أحمده سبحانَه وأشكُره وقد تأذَّن بالزيادةِ لمن شكرَ، وأتوب إليه وأستَغفره يقبَل توبة عبدِه إذا أنابَ واستغفَر، وأشهد أن لا إلهَ إلاّ الله وحدَه لا شريكَ له شهادةً تنجِي قائلَها يومَ العرضِ الأكبر.

إ ذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى  *** تقلب عريانا وإن كان كاسيا

وخير لباس المرء طاعة ربه   *** ولا خير فيمن كان لله عاصيا

وأشهد أنّ سيِّدنا ونبينا محمَدًا عبد الله ورسوله سيّد البشر الشافع المشفَّع في المحشر، صلّى الله وسلَّم وبَارَك عليه وعلى آلِه الأطهار الأخيَار وأصحابِه والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسلّم تسليمًا كثيرًا ما اتّصَلت عين بنظرٍ وأذُن بخبر أ ما بعـد:- 

أيها المؤمنون: إن العبادات في الإسلام لم تشرع إلا لأهداف وغايات عظيمة وحكم بليغه قد يدرك الناس بعضها، وقد فقال تعالى عن عبادة الذبح يوم عيد الأضحى (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُـحُـومُـهَــا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ) [الحج: 37] وقال تعالى مبيننا الحكمة من فريضة الصلاة: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [العنكبوت:45] .. وفي استقبال القبلة إلى البيت الحرام وأداء الصلاة  بين سبحانه وتعالى أن الهدف من ذلك ليس المكان أو الجهة بقدر ما هو تذكير بعبودية الله وتقواه (لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَالمَلَائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ) [البقرة:177] .. وفي عبادة الصوم قال تعالى : (يَا أََيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)) لأجل ((لعلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183] فإذا لم يحدث الصيام للإنسان تلك التقوى، فإنه لم يحقق الغرض الذي شرعه الله من أجله، ويقول صلى الله عليه وسلم-: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ( البخاري) ...  فالصيام فيه تقديم رضا الله على النفس، وتضحية  بالامتناع عن الطعام والشراب، و بالإمساك عن الشهوة وذلك ابتغاء وجه الله وحده ، ومن هنا كان ثوابه عظيمًا، قال صلى الله عليه وسلم-: "كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي" رواه البخاري ومسلم. .. فتقديم رضا الله على هوى النفس من أعظم مقامات العبودية ...  فما معنى أن تمتنع عن الطعام والشراب؟ ولماذا يكون الإمساك والإفطار في  أوقات معينة لا تقبل في غيرها؟ ولماذا يكون الإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من الفجر وحتى غروب الشمس؟ وما هي الحكمة في ذلك؟

لماذا نصلي القيام والتراويح؟ ما الحكمة من الاعتكاف في العشرة الآواخر من رمضان، ولماذا لا يكون الاعتكاف في اوله؟ ولماذا على المسلم أن يبيت النية للصوم؟ وما الحكمة في ذلك كله.. !! ، إنه أمر الله وفيه رضاه وعلى المسلم الالتزام والتسليم.

 

معاشر المسلمين: إننا قد ندرك الحكمة في بعض تشريعات الدين وأحكامه، وقد لا ندرك هذه الحكمة في كثير منها، وهنا يظهر التسليم والقبول والرضا بما أمر الله به ورسوله صل الله عليه وسلم، هنا تقدم أوامر الله ورسوله ، ومحاب الله ورسوله على محاب النفس وشهواتها، حتى وإن لم يدرك العقل البشري هذه الحكمة، مع إيمانناً جملة وتفصيلاً أنه ما من تشريع إلا وله حكمة عقلها البشر أم يعقلوها، وعلى المسلم تقديم رضا الله عن كل شيء قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) (الأحزاب:36)

ولذلك يسارع المسلمون في أقطاب الأرض إلى الصيام برضا وطمأنينة وثقة بوعد الله ووعيده قائلين عند افطارهم كما في حديث ن ابن عمر رضي الله عنهما قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ : ( ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) (حسنه الألباني في صحيح أبي داود) .

عباد الله: الرضا بما أمر الله، وتقديم محاب الله على محاب النفس، والسعي لأن يبتغي العبد بأعماله وجه الله وضاه، عبادةُ الأنبياء وطريق الأولياء وسنة الشهداء وسبيل المؤمنين الأتقياء من أجلها سجدت الجباه وبذلت الأموال وأريقت الدماء وسالت الدموع وتقرحت الشفاه ولذلك لما عاد - صلى الله عليه وسلم - من الطائف وقد رجم بالحجارة من قبل السفهاء والمجانين وسدت في وجهة طرق البلاغ لدين الله لم يزد على أن قال كلمات يطلب فيها رضا ربه قائلاً: ((اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك، أو ينزل بي سخطك. لك العتبى حتى ترضى. ولا حول ولا قوة إلا بك... )).

 

وهذا إبراهيم - عليه السلام - المثل الأعلى في تقديم رضا الله عن كل رضا فقد أخبرنا - تعالى -مبيناً صدقه عندما أمتحنه وابتلاه في أعز ما يملك في هذه الحياة وأمره بذبح ابنه فقال: ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) [الصافات: 102]، والرؤيا في حق الأنبياء وحيٌ من الله ( فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) [الصافات: 103 - 107].

 

أيها المؤمنون: كم من إنسان في لحظة ضعف أو خضوع أو خوف أو حب للشهوة والمنصب والمال والجاه يبيع دينه ودنياه برضى غيره ولو سخط الله عنه فيخسر سعادة الدنيا ونعيم الآخرة ويسقط من عين الله وينزل من قدره بين الناس حتى تبغضه نفوس الخلق ويكتب عليه الشقاء، وكم من أناس زرع الشيطان في نفوسهم وقلوبهم الشهوات والشبهات، وقدموا العقل على النقل الصريح والصحيح وتأولوا كثير من الطاعات والعبادات وأفرغوها من محتواها، وتوقفوا عن بعضها بحجة عدم ظهور الحكمة لعقولهم القاصرة .. وكم من إنسان وقف يرضي ربه بعمل صالح أو كلمة طيبة أو سلوك حسن رغم حاجته وفقره وضعفه لكنه آثر ما عند الله وأنه خير وأبقى... وكم من أناس قدموا رضا المخلوق على رضا الخالق، طمعا في منصب أو جاه أو مكانة، وقد يكون ذلك عن جهل وضلال،  لقد استدعى عمر بن هبيرة والي العراق الحسن البصري والإمام الشعبي ليسأل عما يبعثه إليه الخليفة من أوامر تحتوي على ظلم هل ينفذها أم لا فسأل عمر الشعبي في هذا الموقف أولا، فقال كلاما يرضي الوالي والخليفة، والحسن البصري ساكت، فلما انتهى الشعبي من كلامه التفت عمر بن هبيرة إلى الحسن وقال: وما تقول أنت يا أبا سعيد، فوعظه الحسن البصري موعظة قوية أمره فيها بالمعروف ونهاه فيها عن المنكر، ولم يداهن أو يواري فقال فيما قال: يا ابن هبيرة خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله -عز وجل- يمنعك من يزيد وأن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك، يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله - تعالى -وفي طاعته يكفك بائقة يزيد في الدنيا والآخرة، وإن تك مع يزيد في معصيته فإن الله يكلك إلى يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائنا من كان في معصية الخالق - عز وجل -، فبكى عمر بن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته، وأكرم الحسن البصري إكراما شديدا، ولم يلتفت إلى الشعبي فلما خرج الحسن والشعبي وذهبا للمسجد، واجتمع الناس ليعرفوا خبرهما التفت الشعبي للناس بعد أن تعلم درسا هاما تعلم ألا يرضي أحدا دون الله - تعالى -بعد ذلك قال: يا أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله -عز وجل- على خلقه في كل مقام فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لابن هبيرة قولاً لا أجهله يعني كنت أستطيع أن أقول مثل ما قال الحسن ولكن أردت فيما قلت وجه ابن هبيرة، وأراد الحسن فيما قال وجه الله.. ).

 

وهذا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يضرب لنا في سلوكه وخلقه وتعامله مثلاً رائعاً في تقديم رضا الله ومحابه على رضا النفس والهوى عن الفهري عن أبيه قال كان عمر بن عبد العزيز يقسم تفاح للمسلمين من الفيء فأخذ ابن له صغير تفاحة فانتزعها من فيه فأوجعه فسعى إلى أمه يبكي فسألته فقال لقد أخذ تفاحة من مال المسلمين ووالله لقد انتزعها من ابني ولكأنما نزعتها عن قلبي ولكن كرهت أن أضيع نصيبي من الله - عز وجل - بتفاحة من مال المسلمين... فيا ويل من لم يرضي ربه يوم يبعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور... ويا ويل من ضيع دينه بدنياه وعمل من أجل نيل رضا المخلوق ونسي الخالق - سبحانه -..

 

و عن عبد الله بن مسعود قال: ( لما نزلت (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) قال أبو الدحداح يا رسول الله أو إن الله يريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك قال فناوله، قال فإني أقرضت الله حائطا فيه ستمائة نخلة ثم جاء يمشي حتى أتى الحائط وأم الدحداح فيه وعياله، فناداها يا أم الدحداح، قالت: لبيك قال اخرجي قد أقرضت ربي عز وجل حائطا فيه ستمائة نخلة) .. لم تقل له لقد ضيعتنا وأفقرتنا كيف سنعيش ماذا تركت لأولادك ؟ كلا ..  بل قالت : -

بشرك   الله   بخير وفرح *** مثلك  ما أدى ما لديه ونصح

قد   متع  الله  عيالي  ومنح *** بالعجوة السوداء والزهو البلح

والعبد  يسعى وله ما قد كدح *** طول الليالي وعليه ما اجترح

 

عباد الله: إن الرضا يعني سكون القلب إلى اختيار الرب سبحانه و هو قبول حكم الله في السراء والضراء، والعلم أن ما قسمه الله هو الخير كله، لذا قال الحسين بن علي - رضي الله عنهما -:"من اتكل على حسن اختيار الله تعالى، لم يتمن غير ما اختار الله له"..  وليس الرضا هو الاستسلام لواقع يمكن تغييره بالسعي والأخذ بالأسباب كالتداوي من مرض أو السعي وراء الرزق أو دفع ضرر ما، لأن الاستسلام هو الانهزام وعدم بذل الجهد والأخذ بالأسباب لتحقيق الهدف.. أما الرضا فهو استفراغك الوسع وبذل الجهد والأسباب في تحقيق الهدف، لكن لم توفق إليه، فترضى بما قسم الله لك من غير جزع، أو ضجر، أو سخط، كالذي تزوج ولم يرزق الولد رغم سعيه للعلاج، والذي أصيب بمرض لم يستطع دفعه بالدواء، والذي ابتلاه الله بالفقر وضيق ذات اليد، فاجتهد في تحصيل الغنى فلم يوفق.. هنا يأتي التحلي بصفة الرضا بما كتبه الله وقدره، فتحيل القلب إلى سرور دائم، وتشعر النفس بنعيم مقيم.. قال على بن أبى طالب -رضي الله عنه-: "يعزى رجلا مات ولده إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأثوم.. و قال النبي ا صلى الله عليه وسلم-:(قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه) [مسلم]...  اللهم املاء قلوبنا بالإيمان والراحة والطمأنينة والرضا والأمان .. قلت ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه ....

الخطبة الثانية :  عبــــاد الله :

إن السعيد الحق هو من رضي بما قسم الله له , وصبر لمواقع القضاء خيره وشره , وأحس وذاق طعم الإيمان , كما قال المصطفى - صلى الله عليه وسلم - :(" ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رضي بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً) (مسلم 1/46).. ولذلك تعرضت أمة الإسلام أفراداً وشعوب وجماعات للضعف والهوان والشتات وتعرضت للنكبات والنكسات على فترات من الزمان حين استبدلت الرضا بربها ونبيها ودينها بالرضا بالدنيا وشهواتها بل وسعت إلى طلب رضا أعدائها وتنصلت عن قيمها ومبادئها فزادت تعاستها وزاد شقائها وعندما تعود إلى طريقها المستقيم تعود لها خيرتها ومكانتها فالخير كله في الرضا .. قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي : رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا ، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُرْضِيَهُ ) (مسلم1/46).. ولقد كتب الفاروق إلى أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ يقول له: (أما بعد، فإن الخير كله في الرضى، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر). إن السخط والجزع وعدم الرضا على قضاء الله وقدره وبما قسمه للعباد لا يزيد المرء إلا شقاءاً وتعاسةً وبعداً عن الله ويحرم صاحبه من راحة البال وطمأنينة النفس قال النبي-صلى الله عليه وسلم-:(إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط))[البخاري]. والرضا هو السياج الذي يحمي المسلم من تقلبات الزمن , وهو البستان الوارف الظلال الذي يأوي إليه المؤمن من هجير الحياة والإنسان بدون الرضا يقع فريسة لليأس , وتتناوشه الهموم والغموم من كل حدب وصوب .. ولن يجد ملاذاً ولا راحة من الطمع والجشع والحسد وأمراض القلوب وسخط علام الغيوب إلا بالرضا بما قسم الله .. لقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج والمثل الأعلى في الرضا بما قسم الله تعالى . فعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود ، قَالَ:اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى حَصِيرٍ ، فَأَثَّرَ في جَنْبِهِ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ جَنْبَهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلاَ آذَنْتَنَا حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَا لي وَلِلدُّنْيَا ، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا ، إِنَّمَا مَثَلِى وَمَثَلُ الدُّنْيَا ، كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (أحمد 1/391(3709).. قال أبو حاتم: "مِن أكثر مواهب الله لعباده وأعظمها خطرًا القناعة، وليس شيء أروح للبدن من الرضا بالقضاء، والثقة بالقسم، ولو لم يكن في القناعة خصلة تُحمد إلا الراحة، وعدم الدخول في مواضع السوء لطلب الفضل، لكان الواجب على العاقل ألا يفارق القناعة على حالة من الأحوال" (روضة العقلاء؛ لابن حبان، ص: [149]).

النفس تجزع أن تكون فقيرة * * * والفقر خير من غناً يطغيها

وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت* * * فجميع ما في الأرض لا يكفيها ..

عبــــــاد الله :  يحكى أن أرملة فقيرة عاشت مع طفلها الصغير في حجرة صغيرة فوق سطح أحد المنازل حياة متواضعة في ظروف صعبة إلا أن هذه الأسرة الصغيرة ليس أمامها إلا أن ترضى بقدرها لكن أكثر ما كان يزعج الأم هو المطر في فصل الشتاء .. لكون الغرفة تحيطها أربعة جدران ولها باب خشبي غير أنه ليس لها سقف .. مر على الطفل أربع سنوات منذ ولادته لم تتعرض المدينة خلالها إلا لزخات متقطعة من المطر، وذات يوم تراكمت الغيوم وامتلأت السماء بالسحب الكثيفة الواعدة بمطر غزير ومع ساعات الليل الأولى هطل المطر بغزارة على المدينة فاختبأ الجميع في منازلهم، أما الأرملة والطفل فكان عليهما مواجهة قدرهما .. نظر الطفل إلى أمه نظرة حائرة واندسّ في حضنها ولكن جسد الأم والابن وثيابهما ابتلا بماء السماء المنهمر… أسرعت الأم إلى باب الغرفة فخلعته ووضعته مائلاً على أحد الجدران، وخبّأت طفلها خلف الباب لتحجب عنه سيل المطر المنهمر .. فنظر الطفل إلى أمه في سعادة بريئة وقد علت وجهه ابتسامة الرضا وقال لأمه: ترى ماذا يفعل الفقراء الذين ليس عندهم باب حين ينزل عليهم المطر ؟ لقد أحس الصغير في هذه اللحظة أنه ينتمي إلى طبقة الأثرياء .. ففي بيتهم باب.. فكيف لو رضيت بما قسم الله لك ؟ ونظرت إلى نعم الله عليك بالرضا والشكر .. عندها فقط تنزاح عنك الكثير من هموم الحياة فما أجمل الرضا….

 

إنه مصدر السعادة وهدوء البال .. يقول ابن القيّم رحمه الله: "الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، وقرة عيون المشتاقين، ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ الله صدره غنىً وأمناً، وفرَّغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظُّه من الرضا ، امتلأ قلبه بضدِ ذلك واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه".. لما نزل بحذيفة بن اليمان الموت جزع جزعا شديدا فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : ما أبكي أسفا على الدنيا بل الموت أحب إلي ولكني لا أدري على ما أقدم على الرضا أم على سخط ؟ (ابن أبي الدنيا : المحتضرين 1/122) .. ولما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وكان قد كُفَّ بصره، فجاءه الناس يهرعون إليه، كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه فعرفني وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم.. فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فردَّ الله عليك بصرك. فتبسم وقال: يا بُني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري. مدارج السالكين : 2 / 227 ).. ).. 

 

معاشر المسلمين: إن سعادة الأمة أفراداً وشعوباً ودولاً ومجتمعات إنما يكمن في الالتزام بما امر الله ورسوله صل الله عليه وسلم والمسارعة إلى التنفيذ برحابة نفس وحب، وتلك عبادة الرضا بالله وعن الله وفي الله، ولن يكون هناك خير أو نصر او تمكين، أو خروج من هذا الواقع المرير إلا عندما نقدم أمر الله ورسوله برضا وحب وتضحية ويقين، على رضا النفوس والأشخاص والشهوات والشبهات، وشهر رمضان يأتي كل عام ليجدد هذه القيم ويؤصلها في النفوس كما تأتي غيره من العبادات لتربية المسلم على تقديم ما يحبه الله ويرضاه .

اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ما فسد من أحوالنا وخذ بنواصينا إلى كل خير فاللهم اجعل لنا من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ومن كل عسر يسرا ومن كل بلاء عافية ... اللهم احقن دمائنا واحفظ بلادنا وألف بين قلوبنا .. ومن أرادنا أو أراد بلادنا وبلاد المسلمين بسوء أو مكروه فرد كيده في نحره واجعل تدبيره تدميراً عليه .. هذا وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله و أصحابه الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين

متى نصر الله ؟

أيُّها المسلمون : لا ريبَ أن من أعزِّ مقاصد المؤمنين، وأشهى مطالبهم، وغاية نفوسهم: رؤيةَ دينهم ظاهراً، وكتابهم مهيمناً، وعلو رايةَ التوحيد خفاقةً مع قهرِ أهلِ الكفرِ والطغيان وإذلالهم. إنَّ هذا الهدفُ الأعظم، وتلك الأمنيةُ السامية، لا تتحققُ عن طريقِ الدعاوى والأماني، بل عن طر

محن المسلمين وابتلاؤهم من أنفسهم ومن أعدائهم

عباد الله؛ نعيش في هذه الآونة وقد امتلأت الأخبار وملئت الأسماع وملئت الأبصار بما يحدث من استضعاف للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في فلسطين وفي غيرها من بورما وما شابه ذلك، هذا يا عباد الله قدر كوني للمسلمين في حال الضعف وفي حال أن المسلمون لم يعرفوا قدرهم، ولم يتوجهوا لربهم سبحا

العالم فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ

عبـاد الله : إن في تقلب الدهر عجائب، وفي تغير الأحوال مواعظ، توالت العقبات، وتكاثرت النكبات، وطغت الماديات على كثير من الخلق فتنكروا لربهم ووهنت صلتهم به .. حتى تعلقَ الناسُ بالناسِ، واعتمد الناس على الناس وذل بعضهم لبعض وأرضى يعضهم بعضا ولو سخط الله وذهبت القيم الأخلاق فكان الط