المؤمن كالغيث يعم نفعه للعباد

خاص عيون نت

التاريخ: الأحد 7 مايو 2017 الساعة 06:52:08 مساءً

كلمات دلالية :

العبادة المؤمن
المؤمن كالغيث يعم نفعه للعباد

 الحمد لله رب العالمين، أمر بالبر والإحسان، ونهى عن الظلم والعدوان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك والحمد والعظمة والسلطان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المؤيد بالمعجزات والبرهان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين نشروا دينه في عموم الأوطان، وسلم تسليما كثيرا

أيها المسلمون:فاضل الله بين عباده في الشرف والجاه، والعلم والعبادة، وسخر بعضهم لبعض ليتحقق الاستخلاف وتُعمر الأرض، وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَـٰكُمْ [الأنعام: 165] وقال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف: 32]. وفي شكوى الفقير ابتلاءٌ للغني، وفي انكسار الضعيف امتحان للقوي، وفي توجُّع المريض حكمة للصحيح، ومن أجل هذه السنة الكونية جاءت السنة الشرعية بالحث على التعاون بين الناس، وقضاء حوائجهم، والسعي في تفريج كروبهم، وبذل الشفاعة الحسنة لهم، تحقيقًا لدوام المودة، وبقاء الألفة، وإظهار الأخوة. والدين ذلُّ العبادة وحسن المعاملة.

ايها المسلمون :إن خدمة الناس ومسايرة المستضعفين دليل على طيب المنبت، ونقاء الأصل، وصفاء القلب، وحسن السريرة، وربنا يرحم من عباده الرحماء، ولله أقوامٌ يختصهم بالنعم لمنافع العباد، وجزاء التفريجِ تفريجُ كربات وكشفُ غمومٍ في الآخرة، يقول المصطفى : ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)) رواه مسلم، وفي لفظ له: ((من سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه)). إنها صورة المسلم النافع لنفسه المصلح لمجتمعه وأمته ، المعطاء دائما ، الباذل جهده وعرقه لأجل الآخرين ، الكريم السخي , الجواد بكل ما يملك لأي محتاج أو ملهوف ، لا ينقطع عطاؤه , ولا يفتر عمله , ولا ينتهي الخير الذي يبثه في كل مكان حل به .

إنها صورة أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يضعها نموذجا يُحتذى , وصورة تُقتدى للمؤمن الذي خلص إيمانه لربه , ونقي صدره لدينه , وأحبت نفسه إخوانه ..

يقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المسلم " أخرجه البخاري . إن الرواية في صحيح البخاري لتروي أن عمر بن الخطاب وابنه الصبي الصغير عبد الله بن عمر كانا جالسين في تلك الحلقة بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذاك الحديث فيسأل الحضور ويختبرهم عن أي شجرة تلك التي تشبه المسلم ؟! فيسكت الجميع , ويقع الناس في شجر البوادي , ويهمس الصبي الصغير عبد الله في أذن أبيه ابن الخطاب بينما هم عائدون قائلا : " وقع في نفسي يا أبت أنها النخلة وعلمت أنها هي , فقال عمر : وما منعك ياعبد الله أن تجيب ؟! قال يا أبت نظرت إليكم فإذا أنا عاشر عشرة أنا أصغركم فاستحييت , فقال عمر : لئن كنت قد أجبت كان أحب إلى من حمر النعم .

لقد أدرك عمر كم هي السعادة الغامرة التي ينبغي أن تقر في قلب الوالد والمربي بينما يعي ابنه الدرس , ويفهم المثال , ويدرك المعني , فتنبني عنده القيم والمبادئ , فتسمو روحه , وتستقيم جوارحه عليها , وأن ذلك عنده أحب إليه من مال مجموع , ومن حمر النعم - التي هي من أعظم الأموال وأنفسها .

ايها الاخوة :إن المؤمن في عين النبي صلى الله عليه وسلم   ينتمي إلى أصول ثابتة , ومبادئ راسخة تمثل تلك العقيدة النقية البيضاء التي يبني عليها حياته , فهي أشبه بجذور تلك الشجرة القوية المتينة , وشخصيته الفاعلة الإيجابية أشبه بساقها الممتد الفارع , الذي يعبر عن الرفعة والسمو , والكبرياء والاستغناء عن كل الخلق , مع الافتقار الكامل للخالق سبحانه وتعالى  , وآثاره في المجتمع أشبه بتلك الأوراق التي لا تسقط مهما تغيرت الفصول , واشتدت الصعاب واختلفت الأجواء , فظلها وارف , وخضارها زاهٍ , وثمرها عطاء لا ينضب .

لقد علم النبي صلىالله عليه وسلم  إن تلك الشجرة التي يتحدث عنها (  هي النخلة كما في صحيح البخاري وغيره ) لا يسقط ورقها طوال العام , ولا ينعدم ظلها , ولا ينقطع من البيوت على مر الأيام ثمرها , وأنها كالمسلم , تصدر منه العلوم والخيرات , قوت مستطاب للأرواح ينتفع بعلمه وصلاحه وآثاره حياً وميتاً ..  وفي رواية :" شجرة مثلها مثل المؤمن أصلها ثابت وفرعها في السماء " . وفي رواية للبزار إسنادها صحيح " مثل المؤمن مثل النخلة ما آتاك منها نفعك " فالمسلم كالغيث اينما وقع نفع .

اما نحن اليوم فمن أين  جاءتنا المفاهيم التي صبغت حياتنا اليوم بصبغة النفع الذاتي , والمصلحة الشخصية , ؟ ومن أين جاءتنا مفاهيم الصراع على التافه الفاني ؟ ومفاهيم البخل والحرص والنفعية والمنع ؟ ومن أين انتشرت بيننا أخلاقيات الحسد وصفات الحقد وألوان المكر والرغبة في جمع فتات مهما كان الثمن ؟!

بل تساءل معي من أين جاءتنا أفكار القياس الفاسد بعيدا عن قواعد الشرع واستنباطات العلماء ليغلب الجهل على العمل وتخبو البصيرة من الأفكار , ويعجب كل ذي رأي برأيه , فلا يكون ثَم إلا الضرر لدعوتنا ومجتمعاتنا ومستقبل أمتنا ؟!

ومن أين وصلت إلينا استباحات القعود بينما أبناؤنا ينزفون الدم , واستطابة العيش بينما أخواتنا يسلبون العرض , والتنعم بالحياة بينما إخوة في الدين لايجدون ملجأ أو ظلا ؟ .. فربطنا على الأموال فلم تخرج رعاية لهم وانشغلنا بذواتنا غافلين عن حمل همهم !

لو إن زائراً من تلك الصحبة الكريمة جائنا في زماننا هذا من اولئك- الذين كانوا يجلسون حوله صلى الله عليه وسلم  يعلمهم ليستغرب وتصيبه الفجيعة إذا علم أن أمة الإسلام صار العطاء بين أبنائها ندره , وصار النفع المتبادل بين جماعاتها غائباً , وأن الشغل الشاغل لغالب أفرداها شيوخاً كانوا أو شباباً صار هو جمع الحطام !

ايها المسلمون :إن المؤمن الحق نافع أينما حل , معطاء بماله وجهده ونفسه في سبيل غاية إيمانية عليا هي رضا ربه سبحانه والفوز بجنته , فالصدقة للفقير والمحتاج طهرة دائمة لماله , والنفع لإخوانه وأبناء أمته قسم لا يتجزأ من يومه الذي يمر به , والإصلاح والدعم لمجتمعه مبدأ متقدم من مبادئه الحضارية الإسلامية , وكل هذا لا ينقطع في لحظة من لحظات حياته لسبب اختياري , بل حياته كلها كأنها وقف لذلك النموذج النافع الصالح .

أخي الحبيب: لا تدري، لعلك بدعوة صالحة، ممن فرجت كربته، وأعتقت رقبته، وقضيت دينه، تسعد أحوالك؛ والدنيا محن، والحياة ابتلاءات، فالقوي فيها قد يضعف، والغني ربما يُفلس، والحي فيها يموت، وصاحب الحق قد يصبح عليه الحق؛ لكن مواقف الرجل الإيمانية الرجولية، التي يلتمس فيها ما عند الله، ويثني عليها عباد الله، هي التي تبقى للدنيا والآخرة، فالسعيد من اغتنم جاهه وماله في خدمة الدين ونفع المسلمين، يقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: "مَن مشى بحقِّ أخيه ليقضيه فله بكل خطوة صدقة".

والمعروف ذخيرة الأبد، والسعي في شؤون الناس زكاة أهل المروءات، ومن المصائب عند ذوي الهمم عدم قصد الناس لهم في حوائجهم، يقول حكيم بن حزام: "ما أصبحت وليس على بابي صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب".

وأعظم من ذلك أنهم يرون أن صاحب الحاجة منعم ومتفضل على صاحب الجاه حينما أنزل حاجته به، يقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسَّع لي في المجلس، ورجل اغبرت قدماه في المشي إليَّ إرادة التسليم عليَّ، فأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله، قيل: ومن هو؟ قال: رجل نزل به أمرٌ فبات ليلته يفكر بمن ينزله، ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي.

فاتقوا الله عباد الله، وكونوا من المصلحين، واعلموا أن الله -عز وجل- أثنى على أهل الخير وأهل المعروف من عباده، فقال -سبحانه-: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:114].

أيها الإخوة: ما أجمل مجتمع المسلمين وهو ينفع بعضه بعضا ويسعى كل فرد فيه إلى نفع إخوانه.. تعلو وجوه الناس فيه الابتسامة وتنطلق فيه أساريرهم لبعضهم فإن كان أحدهم في مجال البيع والشراء وجدته ناصحا لأخيه لا يغشه ولا يغالي بالثمن.. وإن كان في مجال التعليم وجدته حريصاً على طلابه أو جماعته يعلمهم ويرشدهم ويستفرغ وسعه في ذلك.. وإن كان في وظيفته وجدته منجزاً لأعمالهم متهللاً في تعامله وناصحاً لهم سعيداً مبتسماً لكل مراجع يأتيه لحاجته.. وإن كان ذا صنعة وجدته جادا فيها متقناً لها حريصاً على تجويد عمله يراقب الله في ذلك.. وإن كان وإن كان.. المهم أن يكون دافعه وهمه نفع الناس وقضاء حوائجهم وإن تقاضى على عمله أجرة.. فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقُلت: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلَ الْعَبْدُ بِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، فقَالَ: «يُؤْمِنُ بِاللَّهِ»، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مَعَ الْإِيمَانِ عَمَلًا؟، قَالَ: «يَرْضَخُ مِمَّا رَزَقَهُ اللَّهُ» قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا لَا شَيْءَ لَهُ؟، قَالَ: «يَقُولُ مَعْرُوفًا بِلِسَانِهِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ عَيِيًّا لَا يُبْلِغُ عَنْهُ لِسَانُهُ؟، قَالَ: «فَيُعِينُ مَغْلُوبًا» قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَا قُدْرَةَ لَهُ؟، قَالَ: «فَلْيَصْنَعْ لِأَخْرَقَ» قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ أَخْرَقَ؟، قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: «مَا تُرِيدُ أَنْ تَدَعَ فِي صَاحِبِكَ شَيْئًا مِنَ الْخَيْرِ، فَلْيَدَعِ النَّاسَ مِنْ أَذَاهُ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ تَيْسِيرٍ؟، فقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا، يُرِيدُ بِهَا مَا عِنْدَ اللَّهِ، إِلَّا أَخَذَتْ بِيَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى تُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ». رواه ابن حبان وقال الألباني صحيح لغيره..

احفظوا الله بطاعته يحفظكم في دنياكم وأخراكم

كان العبد الصالح أبو الطيب الطبري رحمه الله، قد جاوز المائة من السنين، وهو متمتع بعقله وقوته، وكافة حواسِّه، حتى أنه سافر ذات مرة مع رفقة له، فلما اقتربت السفينة من الشاطئ، وثب منها إلى الأرض وثبةً شديدة، عجز عنها بقية الذين كانوا معه على السفينة، فاستغرب بعضهم هذه القوة الجسدية

أسباب النجاة من الفتن

الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب ا

حقيقة تقواك في خشية مولاك

أخي الكريم، لقد ادركت مما سبق، ان طريقك الى محبة الله تعالى وخشيته ورجائه، تبدأ بمعرفته من خلال تدبر آياته المتلوة في كتابه المسطور( القرآن العظيم) وتأمل آياته المشهودة في كتابه المنشور ( ملكوت السماء والارض)؛ ومن خلال ذلك تنكشف لك معاني صفاته وأسمائه الحسنى في كمالها وجلالها