سورة الحجرات «6» الغيبة

خاص عيون نت

التاريخ: الخميس 4 مايو 2017 الساعة 08:30:26 مساءً

كلمات دلالية :

الحجرات
سورة الحجرات «6» الغيبة

الحمد لله الجواد الكريم الشكور الحليم، أسبغ على عباده النعم ودفع عنهم شدائد النقم وهو البر الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الفضل العظيم، والخير العميم.

إذا كنت تغدو في الذنوب بعيدا

فلقد أتاك من المهيمن عفوه

لا تيأسن من لطف ربك في الحشا

ولو شاء أن تصلى جهنم خالدا

وتخاف في يوم المعاد وعيدا

وأفاض من نعمه عليك مزيدا

في بطن أمك مضغة ووليدا

ما كان ألهم قلبك التوحيدا

 

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى الكريم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدين وسلم تسليماً.

أما بعد:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )

أيها المؤمنون: لازلنا وإياكم في ظلال القران، الذكر الحكيم الصراط المستقيم، الذي ما تركه من جبار إلا قصمه الله، من قال به صدق ومن حكم به عدل هو الجد لا الهزل، ومع سورة الحجرات.

اليوم نقف وإياكم مع مرض خطير وداء فتاك، ومعول هدام، وسلوك يفرق بين الأحباب، وبهتان يغطي محاسن الآخرين، وبذرة تنبت شروراً بين المجتمع المسلم، وتقلب موازين العدالة والإنصاف إلى الكذب والجور والبهتان.

إنها كبيرة من كبائر الذنوب، وموبقة من موبقات الآثام، وحالقة من حالقات الدين يشترك في ذلك فاعلها والراضي بسماعها.

إنها الغيبة التي يذكر فيها الإنسان أخاه المسلم بما يكره، ويظن أنها أمر سهل بسيط، ويحسبه الناس هيناً وهو عند الله عظيم، فإن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم، وقد قال بعض التابعين لأصحابه: «إنكم تعملون أعمالاً ترونها هينة، كالذباب يقع على أنف أحدكم يقول له هكذا كنا نعدّها على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأمثال الجبال».

فيا معشر المسلمين: إن الإسلام قد جعل للمسلم حقوقاً على أخيه فلا يجوز أن يتساهل فيها، لقد قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع؛«إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»، وإن الله سبحانه لما وهب للإنسان السمع والبصر واللسان أوجب عليه أن لا يستعملها كلها إلا في الخير وفي طاعة الله.

وإن الغيبة جعلها من أُوتي جوامع الكلم تعدل غصب المال، وقتل النفس بقوله صلى الله عليه وسلم : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه». والغَصْبُ والقتل كبيرتان إجماعًا، فكذا الإيذاء في العرض.

ولقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً فأخذ بلسانه وقال: «كُفّ عليك هذا»، قال معاذ: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال:« ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» [رواه مسلم]، والبهتان هو أعظم الكذب والافتراء.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : حسبك من صفية أنها كذا وكذا، تعني قصيرة، فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» [رواه أبو داود والترمذي وقال: «حديث حسن صحيح»]، أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها.

        فما بالكم يا معشر المسلمين: بمن يجلسون في مجالسهم ولا يقولون كلمة واحدة كهذه بل أشد وأعظم، ولكنهم يغتابون المسلم، يسلقونه بألسنةٍ حداد، ويشرحونه أوصالاً، من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، وهم لا يألون جهداً في كشف ستره ونشر عيوبه، بل يجتهدون في أن يستخرجوا آباءه وأجداده من قبورهم، لينهشوا الجميع ويأكلوا لحومهم أحياءً وأمواتاً، ويغفلون عن الجزاء الذي ينالونه يوم القيامة، وقد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الجزاء فقال: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم». [رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 533].

وقال عمر رضي الله عنه: «عليكم بذكر الله تعالى، فإنه شفاء، وإياكم وذكر الناس فإنه داء».

قال الحسن رحمه:« ذكر الغير ثلاثة: الغيبة، البهتان، الإفك، وكلٌ في كتاب الله Q، فالغيبة أن تقول ما فيه، والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفك أن تقول ما بلغك».

رُوي عن الحسن رحمه الله : أن رجلاً قال له: إن فلانًا قد اغتابك، فبعث إليه رُطبًا على طبق وقال:« بلغني أنك أهديت إليَّ من حسناتك فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام».

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه  قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فارتفعت ريح منتنة، فقال رسول الله: «أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين»[رواه مسلم].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما  قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» [رواه أحمد «2/70»، والحاكم «2/27» وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.، وردغة الخبال هي عصارة أهل النار].

فاعلم يا عبد الله أن حد الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره، وهو غائب عنك سواء ذكرته بنقص في بدنه كأن تقول: هو قصير أو طويل أو أسود أو أقرع أو ذكرته بنقص في نسبه بأن تقول فيه: أبوه فاسق وأمه فاسقة أو تذكره بنقصاً في خلقه كأن تقول فيه: سيء الخلق بخيل متكبر، شديد الغضب، جبان، متهور أو ذكرته بنقص في أفعاله كقولك فيه: هو سارق كذاب شارب خمر ظالم عاق لوالديه ونحوه.

أيها المسلمون: يحاول الشرع أن: يُبعد المغتابين عن الغيبة:

دعاهم باسم الحجة والبرهان، ثم دعاهم باسم الإيمان، ثم دعاهم باسم الحس والوجدان.

دعاهم باسم الحجة والبرهان قائلاً: يا أيها الغافلون الذين نصبوا أنفسهم حكماً فيما بينهم وبين الناس فلأنفسهم أبداً الرضا والثناء والحمد، ولغيرهم أبداً الهجاء والسخط والذم، هلا بدأتم بالحكم على أنفسكم قبل أن تحكموا على غيركم؟ وهلا شغلتكم عيوبكم عن عيوب إخوانكم؟ وهل أمنتم أن ينقلب الميزان فيكون الحكم عليكم لا لكم؟ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ) [الحجرات:11].

ثم دعاهم باسم الإيمان قائلاً: يا معشر الهمازين اللمازين المغتابين، إنكم لا تدركون حقيقة ما تفعلون، ولو فكرتم قليلاً لعرفتم أنكم لا تعيبون إخوانكم فحسب، ولكن تسبّون ربكم أيضاً.

فإن أكثر ما تتفكهون به من عيوب الناس هي عيوب لا ذنب لهم فيها، عيوب ألوانهم وعاهات أبدانهم، مظاهر فقرهم ورقة حالهم، خمول أنسابهم، ومهنة أبائهم.

ألم تعلموا أن الله هو الذي أعطى كل شيء خلقه، وركّبه في الصورة التي اختارها له، وأنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقبض عمن يشاء، وهو الذي قسّم معيشته، ورفع بعضاً عليه أو ميزه بدرجة من الدرجات، فلو عبتموه كنتم تعيبون الرحمن في صنعته، وتتعقبون حكمه في تدبيره، فاحذروا الكفر بعد الإيمان، والجاهلية بعد الإسلام، ( وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [الحجرات:11].

وأخيراً دعاهم باسم الحس والوجدان: إن أردتم أن تعرفوا كُنه الغيبة وحقيقة مرتكبيها، فانظروا إلى مائدة ممدودة قد ألقي عليها ميت من البشر، وهناك أناسٌ يأكلون من هذا الميت قضماً بأسنانهم ولعقاً بألسنتهم تلك هي جريمة الغيبة كما صورها الله تعالى في كلماتٍ بليغة خالدة فقال: ( وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) [الحجرات:12].

إذا علمت يا عبد الله أن الغيبة محرمة بالإجماع وأنها كبيرة من الكبائر تجب التوبة منها إلى الله تعالى، فاعلم أنه لا تباح الغيبة ولا تجوز إلا لغرضٍ شرعي صحيح لا يمكن الوصول إليه إلا بالغيبة، ومن ذلك:

أولاً: التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى القاضي أو إلى من له قُدرة وولاية على إعطائه حقه من ظالمه فيقول: ظلمني فلان بكذا، ودليل ذلك ما روته عائشة ل أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح «أي بخيل» وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال صلى الله عليه وسلم : «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».

ثانياً: وتباح الغيبة عند الاستفتاء كأن يقول للمفتي: ظلمني أخي فما هو طريقي في الخلاص منه.

 ثالثاً: وتباح الغيبة عند الاستعانة على تغيير منكر أو دفع بلاء من مسلم، كما فعلت هند مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن زوجها.

 رابعاً: وتباح الغيبة أيضاً عند تحذير المسلمين ونصحهم من أصحاب الشر الذين يضرون غيرهم، بل قد تكون الغيبة واجبة إذا تعلق الأمر بالدفاع عن دين الله وأولياء الله.

خامساً: ومن ذلك أيضاً المشاورة في أمور الزواج أو المشاركة في مشروع أو المجاورة في المسكن، كأن يطلب منك ولي البنت رأيك في شاب تقدم لخطبتها فيجب عليك أن تذكره بما تعرف ولا يعد ذلك غيبة

سادساً: وكذلك تباح غيبة الذي يجهر بفسقه أو المبتدع ببدعته فعرضه هدر، لأنه استهان بربه وهتك حرمته وستره فجدير به أن يجازى بمثل عمله، فعن عائشة ل قالت: استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أئذنوا له بئس أخو العشيرة»، فلما دخل ألان له الكلام، قلت: يا رسول الله قلت الذي قلت ثم ألنت له الكلام؟ قال: «إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه» قال النووي /: أحتج البخاري بهذا الحديث على جواز غيبة أهل الفساد والريب.

سابعاً: ومن الأمور التي تبيح الغيبة التعريف بالإنسان إن كان معروفاً بلقب معين كالأعرج والأعمى، ولكن لا يحل إطلاقه على وجه التحقير والتنقيص.

قال الشاعر

والقَدْحُ ليسَ بغيبةٍ في سِتَّةٍ 

ومجاهِرٍ فِسْقاً ومُسْتَفْتٍ 

          مُتَظَلِّمٍ ومُعَرِّفِ ومُحَذِّرِ

  ومَنْ طَلَبَ الإعانةَ في إزالةِ مُنْكَرِ

 

ومن الغيبة عباد الله: قول القائل في جماعة من الناس عند ذكر شخص ما :نعوذ بالله من قلة الحياء أو نعوذ بالله من الضلال أو هدانا الله وإياه فإنه بذلك يجمع بين غيبة ذلك الشخص ومدح النفس.

والمغتاب يخسر حسناته من حيث لا يشعر ويعطيها رغماً عنه إلى من يغتابه، وهي تعتبر في الوقت نفسه للطرف الآخر ربحاً حيث يحصل جزاءها يوم القيامة حسنات تثقل ميزانه أو سيئات تطرح عنه جاءته من حيث لا يدري، وهذه عاقبة من يغتاب المسلمين ويتطاول في أعراضهم وينهشها أو يظلمهم أو يأكل حقوقهم فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه: أخذ من خطاياهم وطرحت عليه ثم طرح في النار». ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله»[رواه مسلم]. ويقول أيضاً عليه الصلاة والسلام: «الربا سبعون حوباً، وأيسرها كنكاح الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم» [أخرجه أحمد في المسند «2/ 70» وصححه الألباني في الصحيحة «437»]..

وعن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: جاء الأسلمي ـ الذي زنا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فشهد على نفسه بالزنا أربع شهادات، يقول: «أتيت امرأة حرامًا» وفي كل ذلك يعرض عنه رسول الله، فذكر أبو هريرة ا الحديث إلى أن قال: «فما تريد؟» يعني الأسلمي، ما تريد بهذا القول؟ قال: يا رسول الله أريد أن تطهرني، فأمر به رسول الله أن يُرجم فرُجِم، فسمع النبي أثناء الرجم رجلين من الأنصار، ماذا قالا؟ يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم يدع نفسه حتى رُجم رَجم الكلب، قال أبو هريرة فسكت رسول الله، ثم ساروا، قال أبو هريرة: ثم سار عليه الصلاة والسلام ساعة فمر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: «أين فلان وفلان؟» يعني الأنصاريين، قالا: نحن ذا يا رسول الله، قال لهما: «كلا من جيفة هذا الحمار» فقالا يا رسول الله: غفر الله لك من يأكل من هذا! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفًا أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها»[رواه ابن حبان، وهو حديث صحيح].

والرسول صلى الله عليه وسلم لم يجامل ولم يتسامح في موضوع الغيبة حتى مع أقرب الناس إليه، انظر إلى هذا الحديث: عمر بن الخطاب رضي الله عنه  ، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه  ، من أقرب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفسه عليه الصلاة والسلام، روى الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة عن أنس ا قال: كانت العرب يخدم بعضها بعضًا في الأسفار وكان مع أبي بكر وعمر رجلٌ يخدمهما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعامًا، ـ الأصل أن يكون الخادم قد استيقظ وهيأ الطعام لمن يخدمه، لكن هذا الرجل لم يصنع ـ قام أبو بكر وعمر ب ولم يجداه قد استيقظ، فقال أحدهما لصاحبه: «إن هذا ليوائم نوم بيتكم» يعني قالوا: كأن هذا الرجل نائم في البيت لم يعد لنا شيئًا فكأنه نائم في البيت «إن هذا ليوائم نوم بيتكم» فأيقظاه فقالا: إئت رسول الله فقل له: إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام وهما يستأدمانك، ـ يطلبان الإذن ليأكلا ـ فقال رسول الله: «قد ائتداما» ففزع أبي بكر وعمر ل فجاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، بعثنا إليك نستأدمك، فقلت: «قد ائتداما» فبأي شيء ائتدمنا؟ قال صلى الله عليه وسلم : «بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إن لأرى لحمه بين أنيابكما» وفي رواية قال: «إني أرى لحمه في ثناياكما» فقالا ـ أي أبو بكر وعمر ـ فاستغفر لنا يا رسول الله، قال: «هو فليستغفر لكما» [حديث صحيح].

أيها الإخوة المؤمنون، ماذا قال أبو بكر؟ وماذا قال عمر؟ تكلم أحدهما والآخر يسمع، لم يقولا إلا كلامًا يسيرًا، نحن نقول اليوم أعظم منه.

وواجب السامع للمغتاب أن يذب ويرد عن عرض أخيه بالغيب ولا يسترسل مع المغتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذبّ عن عرض أخيه بالغيب كان حقاً على الله أن يعتقه من النار» [رواه أحمد].

 وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم : «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: «من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة» [صحيح الجامع].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه ،وأشهد أن لا اله إلا الله تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه وعلى آله وأصحابه وجميع إخوانه.

وبعد عباد الله:

إن الغيبة إذا حلّت بالمجتمع ارتفعت الأخوة ،والبديل للغيبة في الإسلام النصيحة فالمؤمن ينصح ويستر والمنافق ينشر ويفضح.

 لماذا يغتاب المسلم إخوانه المسلمين؟ ولماذا ينهش لحومهم وهو يعلم حُرمة الغيبة؟! وهو يسمع التشبيه القرآني الفظيع للغيبة!.

لا بد أيها الإخوة من وجود أسباب تؤدي إلى وقوع المسلم في هذا الذنب العظيم.

أولاً: ضعف الإيمان، وضعف اليقين بموعود الله، وبدون الإيمان بالغيب وتخلخل عقيدة المسلم تجاه الإيمان باليوم الآخر، صارت الغيبة نوعًا من أنواع المحرمات الكثيرة التي تساهل المسلمون فيها أيما تساهل، لقد صار المؤمن الصادق لا يستغرب الغيبة من بعض المسلمين، لماذا؟ لأنهم وقعوا في ما هو أشد منها، من تضييع للصلوات وتضييع للمسئوليات ومجاهرة بأعظم المنكرات، نسأل الله العافية.

ثانياً: ومن أعظم أسباب الغيبة أيضًا: التشفي، وإظهار الغيظ، ما ضرك أخي المسلم حينما تغتاظ من أحد إخوانك المسلمين الذين لم يحضروك، لم يكونوا معك في نفس المكان، لو كظمت غيظك عنه، فإن الغضب والله مهلكة في كثير من الأحيان، إذا غضبت أمسك لسانك، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، تذكر قول الله جل وعلا: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) [آل عمران: 134].

تذكر قول رسولك صلى الله عليه وسلم : «من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين يزوجه منها ما شاء» [حديث صحيح].

ثالثاً: ومن الأسباب أيها الإخوة، الحسد، الحسد نسأل الله المعافاة منه، فإنه ربما أثنى الناس على شخص كان هذا الممدوح من الذين يلقون قبولاً عند الناس، ومحبة واحترامًا، فإذا سمع الحاسد ذلك احترق قلبه، فلا يجد إلا الغيبة ينفس بها عن حسده وحقده، فقاتل الله الحسد وأهله، وإنه من المؤسف حقًا أن يدخل الحسد حتى بين المنتسبين للعلم، والمنتسبين للدعوة إلى الله، فتجد بعضهم يطلق لسانه في أعراض العلماء والدعاة والمصلحين، بغير حق وبغير برهان، ولكنه الحسد أحرق قلبه فظهر الأثر على اللسان.

رابعاً: ومن أسباب الوقوع في الغيبة: إرادة المغتاب أن يرفع نفسه عند السامعين، فلا يجد سبيلاً إلى ذلك إلا بالانتقاص من الآخرين، سبحان الله، فيقول مثلاً: فلان جاهل، لماذا؟ ليبرز هو علمه، ويقول: فلان بخيل؛ ليبرز كرمه، وهكذا، وهذا المغتاب يجمع بين خطيئتين هما الغيبة والعجب والرياء والسمعة. نسأل الله العافية.

خامساً: ومن أسباب الغيبة يا عباد الله:، موافقة القرناء والجلساء ـ مجاملة لهم ـ ممن يتفكهون في أعراض المسلمين ويلهون ويلعبون بالأعراض، فيخشى المغتاب إذا أنكر عليهم أو قطع كلامهم، أو لم يوافقهم ويبتسم في وجوههم أن يستثقلوه وينفروا منه ولا يحبوا مجالسته.

سادساً: ومن الأسباب أيضًا: الفراغ القاتل، ولا يليق بمسلم أبدًا أن يكون فارغًا، فلا يجد المغتاب أحيانًا ما يشغل به نفسه إلا الغيبة، نسأل الله المعافاة.

سابعاً: ومن أسباب الغيبة: التقرب والتزلف لدى الوجهاء والأغنياء والملأ، وذلك طمعًا في عطاياهم وإرضاء أهوائهم، وهذا ذنبٌ عظيم.

ثامناً: ومن أعظم الأسباب، وأكثرها شيوعًا في المجتمعات الإسلامية الغيبة من أجل اللعب والهزل وما يسميه الناس بالتنكيت، وهذا فسق، ليس تنكيتاً، هذا فسقٌ لا يليق إلا بأراذل الناس، فمتى أيها الإخوة كانت الغيبة المحرمة سببًا في الترويح عن النفس، وفي إذهاب الملل والسآمة كما يقولون، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كلام متين نفيس له في هذا الأمر، في المجلد الثامن والعشرين من مجموع الفتاوى، فقال رحمه الله: «فمن الناس من يغتاب موافقة لجلسائه وأصحابه وعشائره، مع علمه أن المغتاب بريء مما يقولون، أو فيه بعض ما يقولون، لكن يرى أنه لو أنكر عليهم قطع المجلس واستثقله أهل المجلس ونفروا عنه، فيرى موافقتهم من حسن المعاشرة، وطيب المصاحبة، وقد يغضبون فيغضب لغضبهم فيخوض معهم».

ماذا يقول المسلم بعد هذه البيان والنصوص؟ لعله يدور في ذهنك أخي المسلم تساؤل فتقول: لعلي أعتزل الناس، لعلي لا أخالط أحدًا أبدًا حتى أسلم من قول الغيبة ومن استماعها، فنقول لك: لا، ولكن اعرف طريق النجاة ثم اسلكه وجاهد نفسك، والله جل وعلا يقول: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) [العنكبوت:69]

اللهم طهر ألسنتنا من الكذب وقول الزور، وأعيننا من الخيانة والفجور، وقلوبنا من الشك والشرك والنفاق، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه.

 

وجوب التعاون على مواجهة البغاة والظالمين

الحمد لله.....أما بعد ..فيا أيها الكرام الأبرار شكى قوم إلى الملك اليماني الحميري ذي القرنين عليه السلام فساد يأجوج ومأجوج (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) أفسدوا الحياة بكل مظاهرها ومقوماتها ، أفسدوا العقيدة والدين ، وأفسدوا ا

ما زال للخير بقية

الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله، وصفوته من خلقه صلى الله عليه، وآله وأصحابه،

الثابتون على الحق (سحرة فرعون وزوجته وماشطة ابنته)

الحمد لله العليم الحكيم؛ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، نحمده حمد الشاكرين، ونستغفره استغفار التائبين، ونسأله الثبات على الدين؛ فالقلوب بيده سبحانه يقلبها كيف يشاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ المبعوث رحمة للعالمين، وحجة