الاسـراء والمعـراج.. ذكـرى ودروس

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 22 إبريل 2017 الساعة 10:59:13 مساءً

كلمات دلالية :

رجبالاسراء
الاسـراء والمعـراج..  ذكـرى ودروس

يقول الله تعالى : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } (الاسراء 1).

  ذكريات الاسلام وقائع وشرائع وانجازات ومعجزات، لاتحصى ولا تستقصى في مقاصدها النبيلة و أبعادها الحكيمة، وكلها ضمن برنامج الدعوة الاسلامية بمختلف مجالاتها في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات. ومن اللازم والمفيد، الوقوف عليها بالدراسة والتأمل والاعتبار، لاستخلاص الدروس والعبر، التي تفيد المسلم في ايمانه وتدينه، لينضبط بها قلبا وعقلا وسلوكا في اطار الصبغة الربانية التي تكرم الله تعالى بها على هذه الأمة { صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ } (البقرة 138).

   وتظلنا في هذه الايام، من أواخر شهر رجب، ذكرى عظيمة الحدث والقدر والمغزى والأثر في مسيرة الدعوة الاسلامية، وفي سائر حياة الأمة الاسلامية الى قيام الساعة ، وهو حدث الاسراء والمعراج الذي يرجح أنه كان قبل عام من حدث الهجرة. فليس في الحديث عنه عادة تقليد ولا ترديد ، ولا في التذكير به ترف زائد أو بدعة منكرة، ولكنه معجزة من معجزات الاسلام الباهرة، ومنجم غني بالأسرار والمعاني والعبر والحقائق ذات الصلة بالايمان والعبادة والحياة ، يجدر بنا استحضارها والاستفادة منها .

  ان حدث الاسراء والمعراج لا يفهم أو يقدر الا ضمن سياقه الخاص في لحظة حاسمة من أطوار الدعوة الاسلامية وبلاء النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته، في مواجهة أعداء الدعوة من الكفار والمشركين. ويقترن أكثر بأشد لحظات العسر والضيق والاضطهاد. فقد كابدوا حصار الإقصاء والمقاطعة والتجويع ثلاث سنوات في شعاب مكة. و مني النبي الكريم بموت عمه أبي طالب الذي كان له ناصرا وحاميا، وبوفاة زوجته خديجة التي كانت له نعم المواسية، ثم خيبة دعوته في أهل الطائف الذين أساءوا معاملته وطردوه، وكان لكل ذلك آثاره النفسية القاسية. أحداث وظروف وجدها المشركون فرصة مواتية، فضاعفوا من وسائل وأساليب المقاومة والحصار والاذاية، واشتد الحال على النبي وصحابته حتى سمى تلك المرحلة عام الحزن.

  هنا كان النبي المضطهد في الأرض والمنبوذ بين قومه، أحوج الى مكرمة سماوية تسليه وتسري عنه في عتمة الكرب والاضطهاد، وتقذف في قلبه مزيدا من برد اليقين وعزائم الثبات، وتمده لبقية مراحل الدعوة بقوة الارادة وصلابة الصبر والتحمل، وليعلم يقينا أن زراية أهل الارض بدعوته لا تزيد مقامه وقدره الا رفعة وسموا في السماوات العلا. كذلك كان الحدث العظيم حفلا تكريميا ربانيـا، ليس في الأرض وانما في الملأ الأعلى.

       فليس تقليدا ولا عبثا أن يهتم المسلمون بذكرى الاسراء والمعراج كل عام، فما أحوج الامة الى وقفة تأملية مع الحدث وهي تعيش زمان الحزن والمعاناة بما تكابد من الأزمات والنكبات، وواقع المهانة والانهزام، والوان الحصار وصنوف الكيد والظلم والعدوان، على دينها وديارها وكرامتها وعزتها. فلا ضير أن تلتمس في هذا الحدث العظيم وأمثاله، عناصر الذكرى والعزاء وحوافز الإنبعاث من كبوة الذلة والخضوع، متجهة بشكواها الى الله تعالى، اسراء ومعراجا على براق التوبة والانابة والمصالحة مع رب العالمين.

   كذلك يخلد القرآن الكريم هذه المكرمة الربانية الباهرة في أول سورة الاسراء وفي سورة النجم، حيث أسرى الله تعالى بعبده ليلا من المسجد الحرام بمكة المكرمة الى المسجد الاقصى ببيت المقدس بفلسطين، صحبة جبريل عليه السلام، بواسطة دابة البراق العجيبة، ثم عُرج به إلى السماوات العُلا، حتى بلغ مقاما أسمى لم يصله نبي ولا ملك مقرب. وفي كل سماء كان يجد الترحيب والتقدير، ويرى من الآيات الشيء الكثير، إلى أن بلغ سِدْرَة المُنْتَهَى حيث قابل ربه وكلمه وأوحى الله إليه ما أوحى، وفرض عليه وعلى أمته الصلاة، ثم عاد به جبريل الى بيت المقدس، حيث جمع الله له الأنبياء فأمهم بالصلاة هناك، قبل ان يعود الى مكة. وكان كل ذلك بقدرة الله تعالى، في ليلة واحدة.

    فالإسراء هو تلك الرحلة الأرضيَّة وذلك الانتقال العجيب، الذي تمَّ بقُدْرَة الله تعالى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، في سرعة تتجاوز الخيال:{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }(الاسراء 1).

   وأمَّا المعراج فهو الرحلة الفضائية، بالارتقاء والعروج من عالم الأرض عبر السموات، الى السماء العليا حيث سدرة المنتهى، ثم الرجوع بعد ذلك إلى الأرض. يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 13-18] . والغاية والمقصد كما تقرر الاية { لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَـا }. وتلك سنة الله تعالى مع المرسلين، يكشف لهم من الأيات والبراهين ما يقوي يقينهم وثباتهم في الدعوة اليه سبحانه، كما كان مع ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (الانعام 75). لكن خاتم المرسلين، كانت رحلة الآيات الربانية له أعظم وأسمى بما يليق بمقامه الأشرف: { لَقَد رَأَى مِن آيَاتِ رَبِّهِ الكُبرَى } (النجم:18).

             سريتَ من حرمٍ ليلاً إلى حــــــــرمِ       كما سرى البدرُ في داجٍ من الظُلَـــمِ

               وَبِتَّ تَرْقَى إلَى أنْ نِلْتَ مَنْــــــــــزِلَة ً     من قاب قوسينِ لم تدركْ ولم تـُــــرَمِ

    وأمام هذا الحدث العظيم حجما ومغزى، دينيا وتاريخيا و تربويا، لا نملك عرض الدقائق والتفاصيل، ولا خلافات العلماء والمفسرين، وكلها اجتهادات في الفهم والاعتبار واستلهام المعاني والدروس المفيدة في حياة الأمة، ولكننا نكتفي بسرد جملة من الحقائق والدلالات والعبر التي يسمح بها الوسع والمقام:

1 ـ فالاسراء والمعراج كان جائزة الهية عظيمة مفاجئة، لم يكن يتوقعها النبي الكريم في محنته، فاذا هي منحة ربانية كريمة تسعده بوقع المفاجأة، كما بالكشوفات والآيات الكبرى والبراهين الباهرة، وتهوّن عليه معاناة الأرض، امام عظيم فضل الله تعالى عليه، وقد رأى من آيات ربه الكبرى في ملكوت السموات. فهل يبقى شئ من مشاغل الارض و أكدارها يستحق أن يهتم له أو يغتم، وهو في حضرة مولاه فوق الارض والسموات. وكذلك تهون على المؤمن أكدار دنياه حين يتعلق قلبه بربه وتتوثق صلته به عبودية وعبادة .

2 ـ و كانت رحلةً واقعيةً بالروح والجسد، أي بشخص النبي صلى الله عليه وسلم، وفي تمام يقظته ووعيه، كما هو منطوق ومفهوم ومحسوم في قوله تعالى:{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } وليس بروح عبده، والا فما الحاجة الى البراق. ثم انها الارادة الالهية في حدث لا يوزن بمقاييس العقل البشري القاصر أمام الأمور الغيبية الاعجازية. وهذا يكفي لحسم الخلافات والتأويلات المتضاربة في هذه القضية بين بعض الدارسين.

3 ـ ان عامل الزمن والمسافة في رحلة الاسراء والمعراج، لا يقاسان بمقاييس فيزيائية أرضية، وانما بقدرة الله تعالى الذي يقول للشيء كن فيكون، فليس يعجزه شيء من ذلك في ليلة واحدة، ولا في أقل من ذلك. ومن المعلوم اليوم علميا نسبية الزمن الذي له مقاييس أخرى خارج كوكبنا، بل يتفاوت الاحساس به حتى بين اليقظة والنوم. والله تعالى يقول { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } (الحج‏:47)‏. ولنا في قصة أهل الكهف بيان وبرهان وقد ناموا مئات السنين ثم لما قاموا: { قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ،قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } (الكهف19). وفي قصة سليمان عليه السلام برهان السرعة الفائقة التي أُحضِرَ له بها عرش بلقيس من اليمن الى فلسطين، وهي تفوق سرعة الضوء { قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} (النمل 40). وفي ذلك وغيره حقيقة نسبية الزمن والسرعة، وهما عاملان إلهيان معجزان في رحلة الاسراء والمعراج لا مجال للجدل فيهما خارج الايمان بالقدرة الالهية المطلقة.

4 ـ وكان الحدث بحقائقه الغيبية الكثيرة والمثيرة، ابتلاءً واختبارا للمؤمنين في مرحلة بناء العقيدة وتربية النفوس على الولاء لله تعالى بالتوحيد على بصيرة ويقين، ولاشك أنه تمحيص للقلوب في ظروف العسرة والضيق، وقد ارتج ايمان بعضهم وتراجع أخرون، لكنه تثبيت للصادقين بمزيد برهان على نبوة الرسول الذي آمنوا به واتبعوه، وذلك إعداد ايماني وتربوي لهم ليكونوا خَلِيقين بصحبته إلى دار الهجرة، وجديرين بما ينتظرهم من أعباء وتكاليف وتضحيات فيما هو أت من مراحل المواجهة والجهاد لبناء المجتمع والأمة والدولة.

5 ـ والاسراء والمعراج فتنة للكفار والمشركين الذين يمارون في النبوة والدعوة ويحاربونها أصلا، وقد زادهم الحدث جحودا وصدودا بما لا تطيق عقولهم الواهية الواهمة من حقائق الغيب ودلائل القدرة الالهية، واحتفاء أهل السماء بالنبي الذي يضطهده أهل الأرض. وذلك بالرغم مما أخبرهم به من أدلة وبراهين صدقه، فيما أنبأهم به مما رآى ويعلمونه من أوصاف بيت المقدس، وشواهد عينية في الطريق بين مكة والشام. بل مازال الحدث فتنة لعقول المحدثين من دعاة العقلانية والعلمانية الذين تصدمهم حقائق  الاسراء والمعراج.

6 ـ ان وقائع هذه الرحلة العجيبة وحقائقها معجزة ربانية، لذا كان تصديقها وتقبلها مسألة اعتقاد وايمان بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، تصديقا كليا لا يتجزأ ولا يهتز ارتيابا في أي شيء مما أخبرا به النبي من الحقائق المذهلة، وأما معايير العقول القاصرة، فلا تجدي معها، لأنها من الأمور الغيبية التي لا تحيط بها الأفكار والأبصار الحسية المحدودة، دون عون البصائر الايمانية، استنادا الى القرآن والسنة. لذلك حين ارتاب المشركون وظنوا ان لهم في خبر الاسراء برهانا على بطلان دعوة محمد الذي يزعم الذهاب الى القدس ثم الاياب في ليلة واحدة، وهي المسافة التي تكلفهم شهرين تقريبا ؟، جاء بعضهم الى أبي بكر قبل أن يبلغه الخبر يريدون النيل من ايمانه فقالوا بلهجة التهكم: " هَلْ لَكَ فِي صَاحِبِكِ  يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ رَجَعَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ: فَأَشْهَدُ، إِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ، لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: أَفَتَشْهَدُ أَنَّهُ جَاءَ الشَّامَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ؟ قَالَ: إِنِّي لأُصَدِّقُهُ في أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، في خبَرِ السَّمَاءِ في غَدوة ورَوحة". ثم جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله ويصدقه، وذلك أصل نعته بالصديق. كذلك يقين الايمان الراسخ الذي لا تزعزعه الطوارئ، فاذا صحت عقيدة الايمان بالله وكتابه ورسوله، فكل ما سوى ذلك فرع وتبع لذلك الأصل الراسخ (اني لأصدقه في أبعد من ذلك). وهي القاعدة الغائبة عن المجادلين بعقولهم في حقائق الغيب التي لا تستقيم في أذهانهم أياً كانوا في كل زمان ومكان.

7 ـ ان الاسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى برهان رباني واقعي على مكانة المسجد الأقصى وفضله، وقد اقترن بالمسجد الحرام، وأنه تحولت مسؤولية قيادته الروحية والاشراف عليه الى الأمة المحمدية، قيادة تقوم على الرحمة والعدل لا على الغلبة والقهر. وما إمامة النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء بالمسجد الأقصى الا اعتراف بهذه القيادة الروحية التي ستزول من بني اسرائيل بعدما حرفوا وبدلوا وأفسدوا في الأرض، وتصبح لخير أمة أخرجت للناس. ولقد سماه الله مسجدا ولم يكن حينذاك مسجدا، باعتبار ما سيكون، ثم فتحه عمر الفاروق، وحرره صلاح الدين الايوبي من هيمنة الصليبيين، واستشهد في سبيله المجاهدون. فهو أول القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله، وبداية معراجه، وثالث مسجد تشد اليه الرحال، و كان علماء الأمة، يتجمعون به في ذكرى الإسراء والمعراج، واستمر ذلك حتى استحوذ عليه اليهود. فمتى تسري اليه راية الجهاد والتحرير من جديد؟.

8 ـ  ولقد رأى النبي الأمي من آيات ربه الكبرى في عوالم الغيب والشهادة، ما أخبر به صحابتَه ، ليزدادوا ايمانا ويقينا، وبقي كثير من ذلك مدونا في الأحاديث الصحيحة، حول حقائق ما هو كائن أو سيكون بعد الموت ويوم القيامة، في أمور الجنة والنار والوعد والوعيد والجزاء والعقاب. حقائق يجب أن يعلمها المسلمون وتنعقد عليها قلوبهم تصديقا وتسليما، ويحسبوا لها الحساب في دينهم ودنياهم: فقد أخبر بما كشف الله له في طريق الاسراء وتفاصيل بيت المقدس، وفي السموات كالبيت المعمور وسدرة المنتهى والعرش والجنة والنار، وكان جبريل عليه السلام بمعيته يجيب عن أسئلته ويشرح له اسرار ومعاني ومقاصد ما يمر به ويراه. فمن حقائق الغيب الواعظة أخبر أنه رأى قوماً تشج رؤوسهم بالصخر ثم تعود كما كانت لتشج من حديد باستمرار، فقال جبريل: هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن تأدية الصلاة .ورآى أكلة أموال اليتامى تقذف النيران في أفواههم لتخرج من أدبارهم، و آكلي الربا ببطون ضخام في النار يمر بهم آل فرعون. وأخبر بمصير الزناة وهم يأكلون لحوما منتنة، ورأى مدمني الخمر يشربون عصارة صديد أهل النار، والنساء المحصنات الزانيات عذاب في الجحيم، ورأى المشائين بالغيبة والنميمة في صورة قوم يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفار من نحاس. وأطلع على النار فوجد أكثر أهلها الاغنياء والنساء، واطلع على الجنة فوجد أكثر أهلها الفقراء، وغير ذلك كثير مما تحدثت عنه كتب الحديث و السيرة.                                

                                        

                                          الخطبة الثانية

    في سورة النجم برهان المعراج وبعض حقائقه وقد بلغ فيه النبي الكريم منتهى السمو والقربى من ربه عند سدرة المنتهى :{ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } (سورة النجم ).

    وفي هذا اللقاء السماوي المتفرد شاء رب العزة، من بين كل أحكام الشريعة التي فرضت في الأرض، أن تكون فرضية الصلوات الخمس بأمره المباشر فوق سبع سماوات، وكأنما الهدف من هذا اللقاء هو هذا التلقي المباشر، وندرك مغزى ذلك مما نعلم في عصرنا أن الدولة حينما تريد تبليغ أمر مهم لسفيرها، فانها لا تكتفي بأن ترسل إليه عبر الحقيبة الدبلوماسية، وإنما تستدعيه ليحضر بنفسه وشخصه، والنبي صلى الله عليه وسلم هو سفير ربه إلى خلقه، ولله المثل الأعلى، فالله استدعى سفيره وأُسرى به ثم عرج به إلى سدرة المنتهى، وهناك فرض عليه وعلى أمته هذه الصلوات الخمس، وهي عمود الدين، دون واسطة، وقد تجلت أنوار الحضرة الإلهية عليه بالوقوف عينيا على آيات ربه الكبرى{ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى }

  وقد هيأ الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أن يكون موسى عليه الصلاة والسلام على طريق عودته ينصحه بالتماس التخفيف من ربه لآن الامة لا تطبق خمسين صلاة يومية. وكذلك كان التردد بين ربه وموسى الى أن توقف الامر عند خمس صلوات، لكن بأجر خمسين، فضلا من الله وكرما، كذلك يروي الحديث النبوي: ( فَفَرَضَ الله على أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً قال: فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حتى أَمُرَّ بِمُوسَى فقال مُوسَى عليه السَّلام: مَاذَا فَرَضَ رَبُّكَ على أُمَّتِكَ؟ قال: قلت: فَرَضَ عليهم خَمْسِينَ صَلاةً، قال لي مُوسَى عليه السَّلام: فَرَاجِعْ رَبَّكَ فإن أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك، قال: فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، قال: فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى عليه السَّلام فَأَخْبَرْتُهُ، قال: رَاجِعْ رَبَّكَ فإن أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك، قال: فَرَاجَعْتُ رَبِّي، فقال: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، قال: فَرَجَعْتُ إلى مُوسَى فقال: رَاجِعْ رَبَّكَ، فقلت: قد اسْتَحْيَيْتُ من رَبِّي ) (متفق عليه).

   فإذا كانت هذه عظمة الصلاة، وشرف منزلتها وقدرها، عند رب العالمين، فحري بكل مسلم ومسلمة أن يوليها أكبر عنايته، وعظيم اهتمامه، وأن يؤديها كما أمر الله تعالى، مقدمة على كل أمر من أمور الدنيا مهما عظم شأنه؛ فهي معراج كل مسلم، الى ربه، وصلة مباشرة به سبحانه في أوقات مناجاة خمس كل يوم عدا النوافل، والنبي صلالله عليه وسلم   يروي عن ربه تفاصيل هذه المناجاة :( قال الله تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي ما سَأَلَ فإذا قال الْعَبْدُ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي وإذا قال الرحمن الرَّحِيمِ قال الله تَعَالَى أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وإذا قال مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال مَجَّدَنِي عَبْدِي ، فإذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال هذا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي ما سَأَلَ فإذا قال اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهم ولا الضَّالِّينَ قال هذا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي ما سَأَلَ) رواه مسلم.

    وبعد، فماذا نقتبس من مكرمة الاسراء والمعراج لواقعنا وأحوالنا اليوم ؟.  فاذا كان حدث الاسراء والمعراج تكريما للنبي صلى الله عليه وسلم على صدق دعوته، وتقديرا لصبره وتضحياته، وتثبيتا له على إحسانه في تبليغ رسالة ربه والدعوة اليه، ففي ذلك ايضا برهان على عناية الله برسوله والمؤمنين مهما اشتدت وطأة الكيد والقهر والاضطهاد. ونحن في هذا الزمان العصيب، ألا يجدر بنا أن نرقى باسلامنا وايماننا الى مقام الحظي بهذه العناية الالهية الموعودة للمؤمنين الصادقين؟. لكن الطريق اليها هو السير على هدي النبي وصحابته في الصدق مع الله تعالى والاخلاص له في العبادة والعمل والدعوة الى دينه على بصيرة وصبر ويقين، مجاهدين في سبيله بالأنفس والأموال. فالبداية من هنا تكون نحو ما ننشده من الوحدة والقوة والنصر والتمكين وتحرير الأقصى وكل ديار الاسلام من رجس اليهود والصليبيين. أليس ذلك وعدا أكيدا من الله جل وعلا ؟: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (النور 55).

 

 

خطبة الأضحى 1440 ( دروس اليقين والرضا)

( دروس اليقين والرضا والتسليم من سيرة الخليل ابراهيم) (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) الله أكبر ، الله أكبر

عيد الأضحى 1440 هـ .. رسالة الإسلام .. رسالة حياة

عيد الأضحى 1440 هـ .. رسالة الإسلام .. رسالة حياة عناصر الخطبة : 1/ عيد الأضحى المبارك من أيام الله العظيمة. 2/ رسالة الاسلام رسالة حياة وبناء. 3/ تعظيم شأن الدماء في الإسلام. 4/ جرم الاعتداء على المسلمين. 5/ تأملات في أحوال الأمة اليوم. 6/ المسلم من سلم الناس من لسانه ويد

الحج مقاصد وفضائل

الحمدُ لله، شرع الحجَّ لعباده رحمةً بهم وإسعادًا، نحمده تعالى ونشكره جعل المناسكَ مورِدًا للحسنات ومنهلاً وازديادًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له شهادةَ من لاذ به خضوعًا لعظمتِه وانقيادًا، وأمّله لبلوغ ذُرى العلياء توفيقًا وسدادًا، وأشهد أنّ نبيّنا وسيّدنا محمّدًا عب