الاستبداد السياسي .. مدرسة فرعون تتكرر (2)

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 28 مارس 2017 الساعة 07:50:18 مساءً

كلمات دلالية :

الاستبداد
الاستبداد السياسي .. مدرسة فرعون تتكرر (2)

 الحمد لله الذي يعلم سر كل نفس ونجواها، أحاط علمه بكل شيء، وعلِم مسالك النمل وعدد الرمل وأحصاها، أحمده سبحانه حمد من ارتقى في رتب الإخلاص إلى منتهاها.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من طهَّر نفسه من الشرك وزكّاها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث بأكمل الشرائع وأسناها، اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد وأصحابه الذين عضوا على سنته بالنواجذ وتمسكوا بعراها، وسلم تسليما كثيراً.

 

أما بعد: فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، وألجموا النفوس عن تعديها وطغواها، فليس لها -والله!- إلا ما قدمت يداها، ولو كان لها يوم القيامة ملء الأرض ذهباً ما نفعها ولا أجداها.

 

وبعد:

 

عباد الله: لقد كان فرعون مثلاً صارخاً للطاغية المتجبر، وكان قومه صورة للأقوام التي خضعت وتابعت الطاغية، ووصل الأمر بفرعون إلى ادعاء الألوهية والاستخفاف بعقول الناس، والإعراض عن كل الآيات التي جاءته من الله حتى أهلكه الله وقومه.

 

وأمرُ فرعون مثلٌ لكل طاغية يجاوز الحد في الظلم والتجبر والاستبداد والمعصية، والاستخفاف بعقول الناس وإرادتهم ومصالحهم، وكلما أنس منهم السكوت على ظلمه، والخضوع لبغيه وعدوانه كلما ازداد صلفاً وتجبراً وتمرداً، حتى يصل إلى التألُّه، وادعاء الإرادة المطلقة في مصائر الناس من حوله.

 

وأول ملامح الطغاة وأدواتهم للاستبداد:

 

أولاً: السلطة: فالأب المستبد يستغل نفوذه المالي، وقوته الجسدية، ومكانته المعنوية فى قهر أبنائه؛ والزوج المستبد يستغل حق القوامة -كما يفهمه- ويستغل تفوقه العضلي وربما المالي في إذلال زوجته ووأدها، والمسؤول المستبد يستغل ما يملك من صلاحيات للتحكم فى رقاب مرؤسيه، والحاكم المستبد يستغل جنوده -الشرطة والجيش- لإرهاب رعيته، ويستغل النظام السياسي الموالى له لإضفاء الشرعية على أفعاله، وتجريد خصومه من تلك الشرعية، ووصفهم بالتآمر والخيانة والإفساد في الأرض وتعكير صفو الأمن.

 

والقرآن يصور هذا الموقف فى قوله تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) [القصص: ]، وقوله (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [القصص:40].

 

ثانياً: المال: ومن لا يصلح معه الترهيب بالسلطة يصلح معه الترغيب بالمال؛ ولهذا يحرص المستبد على إمساك الثروة في يده لتكون وسيلة ضغط على مَن تحت يده، ووسيلة ترغيب وشراء ذمم.

 

ثالثاً: المناصب: ينتقى المستبد من بين الناس أولئك المتعطشين للمناصب والراغبين في العلو بأي ثمن فيستخدمهم ويستعملهم كدروع له، وكأدوات لحمايته، وتبريد أفعاله، وتمجيده، وتحلية صورته أمام العامة.

 

رابعاً: الإعلام: فالمستبد يحتاج لمن يدارى سوءاته، ويزين عوراته، ويسوق مشروعاته وأفكاره بين الناس، ويبرر أخطاءه، ويحولها إلى انتصارات، ويمارس التزييف للوعي، والتخدير للعقول، ودغدغة المشاعر طول الوقت؛ ومن هنا يمكن أن نعتبر الإعلاميين الموالين لأيِّ مُسْتَبِدٍّ بمثابة سحَرة فرعون الذين كانت مهمتهم أن يسحروا أعين الناس، بمعنى تزييف وعيهم.

 

خامساً: رجال الدين: ونقصد بهم فئة معينة من رجال الدين يقبلون إضفاء شرعية دينية على فكرة الاستبداد، وإضفاء شرعية على كل أفعال المستبد، واستغلال المفاهيم الدينية لتبرير وتمرير كل ما يقوم به المستبد، وإصدار الفتاوى المبنية على تفسيرات تلوى عنق الحقيقة لمصلحة المستبد.

 

وكل مستبد يسعى إلى تقريب عدد من رجال الدين (حتى ولو كان هو ملحداً أو علمانياً)؛ لمعرفته بقيمة الدين لدى الناس، وتأثرهم به.

 

أيها المسلمون: قد يبدو للنظر القصير أن مجموعة المحيطين بالمستبد ضحايا له إذ يعانون من استبداده ويتحملونه على مضض، وهذا صحيح من جانب واحد، أما الجانب الآخر فهو أنهم شاركوا في صنع هذا المستبد؛ بعضهم شارك بالأقوال والأفعال التي ضخمت ذات المستبد، كالمدح والثناء، والتبرير لكل صفات المستبد وأفعاله، والمشاركة في تنفيذ مشروعات المستبد.

 

وبعضهم الآخر شارك بالصمت والانكماش، مما سمح لصوت المستبد أن يعلو عمّن سواه، وسمح لذاته أن تتمدد في الفراغ الذي انسحب منه الآخرون كرهاً أو طوعاً.

 

ولهذا كانت قاعدة تغيير المنكر واجبة وفاعلة على مختلف مستويات القدرة من اليد إلى اللسان إلى القلب، والاستبداد من أخطر المنكرات: "مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".

 

وعلى الرغم من أن التغيير بالقلب يبدو هافتاً وضعيفاً إلا أنه مهم جداً حين يعجز الإنسان عن التغيير بالوسائل الأخرى(اليد واللسان)، فبقاء الرفض القلبي للمنكر هو بمثابة بذرة للخير، وجذوة للحق تظل كامنة إلى أن تتاح لها الظروف للنمو والظهور، ولولاها لاختفى الخير وضاع الحق إلى الأبد.

 

والناس يدفعون ثمن سكوتهم على الاستبداد مرتين: مرة في الدنيا، ومرة في الآخرة؛ ففي الدنيا فساد وضياع ومعاناة، وفى الآخرة عذاب شديد، وكأن الاستبداد خطيئة دنيوية وأخروية معاً.

 

عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لكعب بن عُجْره: "أعاذك الله من إمارة السفهاء يا كعب"، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدى، لا يهدون بهديي، ولا يستنّون بسنّتي، فمن صدَّقَهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسو منى ولست منهم ولا يردون على حوضي, ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، أولئك مني وأنا منهم، وسيردون على حوضي" رواه أحمد والبزار وغيرهما.

 

وعن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم" رواه أحمد والحاكم وصححه.

 

وعلى الرغم من حذر المستبد، فرعون، أيّ فرعون، ويقظته، وحرصه على التخلص من كل الرجال المنافسين أو المهددين لملكه، إلا أن هذا الحذر لا يمنع نفاذ مشيئة الله في انهيار ملكه، وتمكين أولئك الذين استضعفهم وأذلهم: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص:5-6].

 

وفرعون وجنوده، كأي مستبد، يستخدم التعذيب ليرهب الناس، قال تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) [البقرة:49]، وفرعون يجلب على قومه الشح والفقر: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ)? [الأعراف:130].

 

وفرعون يبنى مجداً زائفاً قضت مشيئة الله أن يُدمَّر، (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف:137].

 

وفرعون وحاشيته لا يؤمنون بآيات الله، حتى وإن تظاهروا بالإيمان وتوشحوا بالدين، (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ) [الأنفال:52] ولسان حالهم يفضحهم، فأفعالهم توحي بتكذيب آيات الله: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَونَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ) [الأنفال:54]. ومصير فرعون وأعوانه الهلاك: (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأْغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) [الأنفال:54].

 

وفرعون لا يتورع عن استخدام كل الوسائل للدعاية لنفسه وتزيين صورته، فلكل فرعون سحَرة (إعلاميون) يمارسون تزييف وعْى الناس وإبهارهم بالصورة أو بالكلمة أو بالفعل، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) [ يونس:79].

 

وفرعون يحرص على تخويف الناس وفتنهم، (عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ) [يونس:83].

 

وفرعون يستعلى دائما في الأرض، ويتسم بالإسراف والطغيان وتجاوز كل الحدود، (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) [يونس:83].

وفرعون يحرص على التحلي بمظاهر الزينة والفخامة ليحيط نفسه بهالات الملك والعز ليبهر بها أعين الناس، ويحرص على امتلاك المال ليضمن به النفوذ والقدرة، ويستخدمه في شراء الذمم: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالَاً) [يونس:88].

 

وفرعون لا يهدأ ولا ينام؛ بل يتتبع أعداءه أينما ذهبوا بعيونه وببطشه (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ) [يونس:90].

 

وفرعون يفتقد للرأي الرشيد: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) [هود:97].

وفرعون لا يتردد أن يلصق التهم بمعارضيه لينفر الناس منهم: (فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً) [الإسراء:101].

 

اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعَزُّ فيه أهل طاعتك، ويُذَلُّ فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.

 

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله أحاط بكل شيء خُبْراً، وجعل لكل شيء قدراً، وأسبغ على الخلائق من حفظه ستراً، أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى الناس كافة عذراً ونذراً، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، أخلد الله لهم ذكراً، وأعظم لهم أجراً، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان.

 

أما بعد: عباد الله: فرعون رمز الاستبداد طاغٍ ومتجبِّرٌ ومتجاوزٌ كلَّ الحدود في الظلم: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) [طه:24].

 

وفرعون لا يكف عن المكر والتدبير وحشد كل إمكاناته للدفاع عن ملكه، ولاستعراض قوته لإرهاب معارضيه، (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى) [طه:60].

 

وفرعون ينحرف بقومه عن الجادة، ويضلهم عن سواء السبيل، (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) [طه:79].

 

وفرعون وأعوانه لا يكفون عن ظلم الناس، لدرجة أن الظلم أصبح أحد صفاتهم المشهورة (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ) [الشعراء:10-11].

 

وفرعون يتنكر لوجود رب العالمين؛ لأن طغيانه جعله يعتقد أنه أعلى قوة في الأرض، (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء:23].

 

وفرعون يشترى كل شئ بالمال (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرَاً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالَبِينَ) [الشعراء41].

 

وفرعون يوهم أتباعه أن له أسراراً ومعجزاتٍ وقدرات هائلة: (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) [الشعراء:44].

 

وفرعون يتسم بالفسق، والخروج عن طريق الحق: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ) [النمل:12].

 

إن فرعون وهامان وجنودهما: الطاغية المتكبر، والسياسي الوصولي، وقوتهما العسكرية الباطشة، يمثلون ثالوثاً شيطانياً، (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) [القصص:8],

 

وفرعون لا يتورع عن إعلان إلوهيته بشكل مباشر أو غير مباشر: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [القصص:38].

 

ويتشكل ثالوث شيطاني آخر من فرعون (الطاغية المستبد) وهامان (السياسي الوصولي الداهية) وقارون (صاحب رأس المال الجشع)، يقول تعالى: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ) [العنكبوت:39].

 

وفرعون لا يتورع عن قتل معارضيه (تصفيتهم جسدياً أو معنوياً) أو محاولة قتلهم ظناً منه أن ذلك سوف يحل المشكلة، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر:26].

 

وفرعون يحرص على حجب الرؤية والمعرفة والحقيقة عن شعبه؛ حتى ينفرد وحده ببرمجة عقولهم، وتزييف وعيهم: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر:29].

 

ويظن فرعون أنه قادر على كل شيء، ويخدعه وزيره هامان ويوحي له بأن كل شيء ممكن، وأن كل شيء رهن إشارته: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحَاً لَعَلِّى أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ) [غافر:36].

 

وفرعون -من كثرة ما مارس الكذب والخداع- يقع هو نفسه فى شرك الأوهام فيصدقها، ويعانى هو نفسه من تزييف الوعي: (وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) [غافر:37].

 

وفرعون لا يصل إلى شئ في النهاية! فقد انهار كل فرعون على مدى التاريخ، وما كيد فرعون إلا فى تباب! (فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ) [غافر:45].

 

وفرعون لا يلقى جزاءه في الدنيا فقطن بل ينتظره عذاب شديد في الآخرة، ليس هو وحده؛ بل كل من انتسب إليه، أو عمل معه: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46]، ودخول فرعون وأعوانه أشد العذاب يدل على فداحة جريمة الاستبداد، وما تفرع عنها من جرائم.

 

عباد الله: للاستبداد آثار:

أولاً: كبرياء فرد: من أول آثار الاستبداد -كما هو ملاحظ مِن تتبع تاريخ الاستبداد- كبرياء الحاكم وتعاليه، فالاستبداد يجعل الكِبْر يجيش في نفس صاحب السلطة العامة فتحمله من مكانه حيث يعيش مع الناس على ظهر الأرض إلى سماء يتخيلها وينظر إلى الناس من عليائها، فإذا هو يرى العمالقة أقزاماً، ويحسب الخير الذي إن وجد للناس وعاشوا فيه فإنه فيض السحاب الهامي من يده المباركة.

 

وكبرياء الحكام ترمز إلى حزب من الوثنية السياسية له طقوس ومراسيم يتقنها الأتباع، ويتلقفها الرعاع على أنها بعض من نظام الحياة الخالد مع السموات والأرض، وحيث يسود الحكم المطلق تنتقص الإنسانية من أطرافها، من صميمها؛ وذلك أن الله -سبحانه وتعالى- قد خلق البشر آحاداً صحيحة، وجعل لكل واحد منهم مدى معيناً يمتد فيه طولاً وعرضاً، فإذا تطاول أحدهم وانتفخ فعلى حساب الآخرين حتماً، ومن هنا تجد من حوله أنصاف بشر أو أرباع بشر!

 

ثانياً: الرياء بين الحاكم والمحكومين: حيث يوجد الحكام المستكبرون يوجد الأتباع المتعلقون، والأشياع المراءون، وطبيعة المستضعفين أن يسارعوا إلى مرضاة رؤسائهم، وإجابة رغائبهم، ولو داسوا في ذك مقدسات الأديان والأخلاق.

 

والحاكم المستبد يبارك هذه الطبيعة الدنسة، ويغدق عليها، ولو راجعنا الصحائف السود لتاريخ الاستبداد السياسي في الأرض لوجدنا مُراءاة الحاكم وقد وطئت أكتاف المنكر، وأقامت للأكاذيب سوقاً رائجة، وقلبت الحقائق، وصنعت الدواهي، وقد يكون الرياء من الصغار للكبار ابتغاء عرض الدنيا، وقد يكون من الكبار للصغار ابتغاء تأليف الأتباع.

 

هذا، وصلوا وسلموا على نبي الهدى ودين الحق، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

 

الاستبداد السياسي .. مدرسة فرعون تتكرر (1)

وبعد: أيها المسلمون: مِن أعظم آلام الأمة اليوم الاستبداد، والاستبداد السياسي خاصة: استبداد فئة معينة بالحكم والسلطان، برغم أنوف شعوبهم، فلا هَمّ لهم إلا قهر هذه الشعوب حتى تخضع، وإذلالها حتى يسلس قيادها، وتقريب الباحثين بالباطل، وإبعاد الناصحين بالحق. والاستبداد اليوم له إمكا

خسر المتشائمون

أيها الناس، اعلموا أن الله تعالى خلق الإنس والجن ليعبدوه وحده لا شريك له، الذي شهدت بوحدانيته مخلوقاتُه، ونطقت بتفرده أفعاله وصفاته، أطاعه كل شيء وخضع، وسجد له وركع، ما عدا الكثرةَ الكاثرةَ من الجنّ والإنس. فواعجباً كيف يُعصى الإله ***أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية**

إن ليل الظلم لن يستمر

إنَّ الظلمَ من الأمراض الفتاكة، والجرائم البشعة، التي انتشرت في أواسط المجتمعات، حتى هلك إثر ذلك أفرادٌ وجماعات، وسحقت بسببه شعوبٌ، وأبيدت أُمم، وسلبت خيرات، ونزعت بركات. ويكفينا إذا أردنا أن نعرف خطورته أن نعلم أن الله جل جلاله حرَّمه على نفسه، وجعله محرَّماً بين عباده، ومن أجل