سلسلة الأخلاق (15) الصبر

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 28 مارس 2017 الساعة 07:46:11 مساءً

كلمات دلالية :

الصبر
سلسلة الأخلاق (15)  الصبر

سلسلة الأخلاق (15)  الصبر هذا فضله، وهذه منزلته، فيا تُرى من ينالُه؟!

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه ومذل من خالف أمره وعصاه مجيب دعوة الداعي إذا دعاه وهادي من توجه إليه واستهداه ومحقق رجاء من صدقه في معاملته ورجاه ، من أقبل إليه صادقا تلقاه ومن ترك لأجله أعطاه فوق ما يتمناه ومن توكل عليه كفاه .. فسبحانه من إله  تفرد بكماله وبقاه.

أحمده سبحانه حمدا يملأن أرضه وسماه،  من اعتمد على الناس مل، ومن اعتمد على ماله قل، ومن اعتمد على علمه ضل، ومن اعتمد على سلطانه زل، ومن اعتمد على عقله اختل، ومن اعتمد على الله فلا مل ولا زل ولا قل ولا ضل ولا اختل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا معبود بحق سواه وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله  الذي اصطفاه واجتباه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن نصره وآواه واقتفى أثره واتبع هداه وسلم تسليماً كثيراً..... أما بعد

فيا أيها الأعزاء الكرام في الله:

الصبر خلق من أخلاق المؤمنين، وهو إيمان يربط القلب بخالقه، فلا يدعه يتقلب ويتذبذب؛ سواء أحاطت به سراء، أو نزلت به ضراء، فلا السراء تطغيه، ولا الضراء تجزعه وتطيش به فترديه، فعَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ".رواه مسلم

 الصبر لأهميته، حث القرآن المؤمنين على التواصي به:

فقد ورد التواصي بالصبر في القرآن في موضعين: أحدهما في سورة العصر قال تعالى: (...وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [ العصر: 3]، والثاني في سورة البلد: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) [البلد: 17].

أمر الله به أنبياءه ورسله، وامتدحهم بالاتصاف به، كقوله تعالى في عبده ورسوله أيوب –عليه السلام- :      (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ ص: 44].

وقد أمر الله رسولنا – عليه الصلاة والسلام - بالصبر في قرابة عشرين موضعاً في كتاب الله، كقوله تعالى لنبيه - عليه الصلاة والسلام -  (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: 35].

بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين:

هذه كلمات عظيمة قالها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ، ثم تلا قوله تعالى:( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [ السجدة: 24]

فيا تُرى أحبتي الكرام ما المنزلة التي أعدها الله للصابرين؟

للصبر والصابرين فضائل عظيمة، وثمار يانعة، فهنيئاً لمن حصل عليها:

الصبر خصلة رفيعة، وخلة شريفة، جمع الله للصابرين من الأجور والخيرات ما لم يجمعها لغيرهم، سنذكر أهمها:

يكفي الصابر أنه اتصف بصفة اتصف بها ملك الملوك - جل جلاله - :

لا إله إلا هو تقدست أسماؤه وعظمت صفاته وأفعاله، قال صلى الله عليه وسلم: (( ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ يدَّعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم)). متفق عليه

الله عزوجل يتكرم بالثناء على أهل الصبر:

قال تعالى: ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) [ الأحزاب: 35]،

 وقال سبحانه وتعالى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [ البقرة: 177]

وجبت محبة الله سبحانه للصابرين:

(وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [ آل عمران: 146]

الصابرون في حفظ الله ورعايته، وتأييده:

(وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [ الأنفال: 46]

الله سبحانه يبين أن الصبر خير لأصحابه:

قال سبحانه وتعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) [ النحل: 126](وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) [النساء: 25].

من أراد الجزاء من الله بأحسن العمل فليتخلق بخلق الصبر:

(وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [ النحل: 96]

عباد الله:

إنَّ من كرم الله للصابرين، أنه يجازيهم أجرهم بغير حساب:

 قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [ الزمر:10]

يا لها من بشرى عظيمة للصابرين!!

ثناء من الله عليهم ورحمة، قال سبحانه وتعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) [البقرة: 155- 157]

الله عز وجل  ضمن النصر والمدد للصابرين:

( بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ )  [ آل عمران: 125]

ومنه قول النبي – عليه الصلاة والسلام - : (( ....واعلم أن النصر مع الصبر) رواه أحمد وصحح أحمد شاكر إسناده.

معاشر المسلمين الموحدين:

لا يوفق للأعمال الصالحة والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر:

قال سبحانه وتعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ) [ القصص: 80]، وقوله سبحانه: ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  *  وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم )                      [ فصلت: 34- 35]

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم.

لا ينتفع بالآيات والعبر إلا من صبر:

كقوله تعالى لموسى: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) [ إبراهيم: 5]، وقوله في أهل سبأ: ( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) [ سبأ: 19]

أي لعبرة لكل صبار في الضراء، شكور في السراء.

الملائكة تهنئ الصابرين بالأمن والسلام في دار السلام:

( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ *  جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ *  سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) [ الرعد: 22-24 ]

حمايتهم من كيد الأعداء ومخططاتهم:

ما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يتخلقوا بخلق الصبر، وخاصة أن أمة الإسلام اليوم تشكوا من كيد الكائدين، وعبث العابثين، تشكوا من كيد أبنائها فضلا عن أعدائها، فالله سبحانه يأمرنا بأن نتحلى بالصبر؛ حتى يُبطل كيدهم ومؤامرتهم، قال تعالى: ( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) [ آل عمران: 120].

أيها الأحبة الكرام في الله:

للصبر مجالات وأنواع متعددة، فمن هذه المجالات:

الصبر على بلاء الدنيا:

وهذا ما لا يخلوا منه بر ولا فاجر، ولا مؤمن ولا كافر؛ لأنه راجع إلى طبيعة الحياة، وطبيعة الإنسان، وما رأينا أحداً يسلم من آلام النفس، وأمراض البدن، وفقدان الأحبة، وخسران المال، وإيذاء الناس، ومتاعب العيش، وهذا ما أقسم الله على وقوعه حين قال: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *  أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) [ البقرة: 155- 157]

الصبر عن مشتهيات النفس:

الصبر عما تشتهيه النفس، ويميل إليه الطبع، من متاع الدنيا وزينتها وشهواتها، ولها صور كثيرة في الواقع، منها:

الصبر عن الاستجابة لمتاع الدنيا وزينتها، وقد حذرنا الله من فتنة الأموال والأولاد والأزواج، كقوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) [ الأنفال: 28]، وقال سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) [ المنافقون: 9]

ومن أنواع الصبر عن مشتهيات النفس، الصبر عن التطلع إلى دنيا الآخرين، والاغترار بما ينعمون به من مال وبنين، وبخاصة الطغاة المغرورين منهم، فإن ما بأيديهم إنما ظاهره نعمة وباطنه نقمة، قال سبحانه وتعالى:     ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ  *  نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ) [ المؤمنون: 55 – 56].

وفي هذا خاطب الله رسوله بقوله: ( وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) [ طه: 131].

ومن أنواع الصبر عن مشتهيات النفس، الصبر عن الاستجابة للشهوة الجنسية:

فالصبر هنا حتم لازم، والاستعفاف فرض قاطع، كما قال سبحانه وتعالى: ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) [ النور: 33].

ومن أنواع الصبر عن مشتهيات النفس، الصبر عن الاستجابة لداعي الغضب:

الصبر على أن لا يُقابل المسلم السيئة بمثلها،  أو بأكثر منها؛ بأن يكيل للمعتدي الصاع  بصاعين، ويرد اللطمة بلطمتين، والشتمة شتمتين، وهذا هو الذي حثنا عليه سبحانه في كتابه الكريم في قوله تعالى: ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) [ النحل: 126].

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأولئك الذين آذوه وأخرجوه، واستهزؤوا به، وكذبوه وقاتلوه )) :لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم)).

عباد الله، ما أجمل الصبر على طاعة الله!

الصبر على طاعة الله في ثلاثة أحوال: صبر قبل الطاعة، وذلك بتصحيح النية والإخلاص، والصبر عن شوائب الرياء؛ ولهذا قدم الله الصبر على العمل، فقال - عز وجل - : ( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ) [ هود: 11]، وصبر وقت أداء الطاعة، كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله، ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه؛ ليتحقق بشرط المتابعة بعد تحقق شرط الإخلاص، كما أنه يصبر عن دواعي الفتور إلى أن يتم العمل؛ حتى لا ينقطع أثناءه، ولعله المراد بقوله تعالى: ( نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) [ العنكبوت: 58 – 59]، وبعد الفراغ من الطاعة يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للسُّمعة والرياء والصبر عن النظر إليه بعين العُجب، وعن كل ما يُبطل عمله ويُحبط أثره، كما قال تعالى:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) [ محمد: 33]، وقال جل شأنه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ) [ البقرة: 264].

قلت ما سمعتم واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

خلق الصبر هذا فضله، وهذه منزلته، فيا تُرى من ينالُه؟!

لا يناله إلا من عرف حقيقة هذه الحياة التي يعيش فيها؛ فهي ليست جنة نعيم ولا دار خلود، إنما هي ابتلاء وتكليف، والقرآن يشير إلى أن حياة الانسان محفوفة بالمتاعب والمشقة، حين يقول سبحانه وتعالى:

( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) [ البلد: 4] أي يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.

وطبيعة الحياة أنها لا تثبت على حال؛ فيوم لك ويوم عليك، قال سبحانه وتعالى: ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )  [ آل عمران: 140].

ومن طبيعة الحياة أنها اختلطت لذائذها بآلامها، ومحابها بمكارهها؛ فهيهات أن ترى لذة لا يشوبها ألم، أو صحة لا يكدرها سقم، أو سروراً لا ينغصه حزن، أو راحةً لا يخالطها تعب، أو اجتماعاً لا يعقبه افتراق، أو أماناً لا يلحقه خوف.

قيل لعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه – صف لنا الدنيا: فقال: " ماذا أصف لك من دار أولها بكاء، وأوسطها عناء، وآخرها فناء!".

الصبر لا يتحقق في الإنسان المسلم إلا إذا تأسى بأهل المصائب، وخاصة عند حلول المصائب، فإن ذلك يُطفئ نار مصيبته؛ فإن المرء لو فتّش العالَم لم يرَ فيهم إلا مبتلى: إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وإن سرور الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل؛ إن أضحَكَت قليلاً أبكت كثيراً، وإن أسرّت يوما أساءت دهراً.

لا بد من معرفة الانسان لنفسه إذا أراد الصبر:

أن يعرف الانسان أنه ملك لله تعالى أولا وأخيراً، فالله هو الذي وهبه السمع والبصر والفؤاد وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، قال تعالى: ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) [ النحل: 53]، فإذا نزل بالمسلم نازل سلبه شيئاً مما

عنده، فإنّما استرد صاحبُ الملك بعض ما وهب، ولا ينبغي للمُودع أو المُستعير أن يسخط على المالك إذا استرد يوماً من الدّهر وديعته أو عاريته.

قال لبيد:

وما المالُ والأهلونَ إلا ودائعُ ****** ولا بُد يوماً أن تُردَّ الودائعُ

ومن ثَمَّ كان من هدي الصابرين إذا أصابتهم مصيبة أن يتذكروا هذا الأصل فيقولوا:

(إنا لله وإنا إليه راجعون)،  وهذه الكلمة تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبدُ بمعرفتهما تسلى عن مصيبته:

أحدهما: أن العبدَ وأهلَه ومالَه مِلك لله – عز وجل -  وقد جُعِل عند العبد عارية.

وثانيهما: أن مصيرَ العبدِ ومرجعَهُ إلى اللهِ مولاه الحقّ، ولا بد أن يجعل الدنيا وراء ظهره.

الصبر لا يُوفق له إلا من كان عنده يقين بأن نصر الله قريب:

اليقين بالفرج ، وأن فرجه آت لا ريب فيه، وأن بعد الضيق سعة، وأن بعد العُسرِ يُسراً.

إنَّ الذي أعان يعقوب – عليه السلام – على صبره، أمله في الله ، وأنه سبحانه وتعالى لن يُضيّعَ صبره وعمله؛

ولهذا قال بعد أخذ ولدِهِ الثاني واحتجازِهِ بمصر: ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) [ يوسف: 83]، فهو لم ييأس من فرج الله في أن يجمعه بهم جميعاً مرةً أخرى، بل يوصي بنيه بعدم اليأس فيقول: ( يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) [ يوسف: 87].

يقول الشاعر:

اشتدي يا أزمة تنفرجي ********* قد آذن ليلك بالبلج

وقال الآخر:

وَلَرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى  ******* ذرْعاً، وعند الله منها المخرجُ

ضاقت فلما استُحكِمَتْ حلقاتُها ******* فُرجت ، وكُنتُ أظنُّها لا تُفْرَجُ

والقرآن يتحدّث عن هذه السنة الإلهية مع رُسُلِ الله فيقول: ( حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) [ يوسف: 110].

وقد يُخَيَّلُ لِبَعضِ النّاس حين يرون الظالمين والطغاة يظلمون ويعبثون بمقدرات هذه الأمة أن قدر الله قد غفل عنهم، لا والله، وحاشا لله، فإنه يُمهل ولا يهمل، وفي الحديث الصحيح: (( إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذَه لم يُفْلِتْه))، ثُم تلا : ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد ) [ هود : 102 ].

اسمعوا ماذا قال الله في الآيات التي تليها: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ *  وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ *  يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ *  خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) [ هود: 103 – 107].

<

ويتحدث القرآن على لسان يوسف – عليه السلام – حين كشف لإخوته عن نفسه فقالوا: ( قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )  [ يوسف: 90].

ومن الوقائع الثابتة التي تدل على أن الله يُعوِّض الصابرين خيراً مما فقدوا، ما رواه مسلم في صحيحه عن أم سلمة، أم المؤمنين – رضي الله عنها – قالت: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم ائجرني في مصيبتي ، واخلف لي خيراُ منها ، إلا آجره الله في مصيبته ، وأخلف له خيراً منها )) قالت: فلما توفي أبو سلمة ، قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخلف الله لي خيراً منه : رسول الله عليه الصلاة والسلام)).

وقبل كل شيء ينبغي للمسلم إذا أراد أن يعينه الله على الصبر أن يستعين به سبحانه ، ويلجأ إلى حماه، فيشعر بمعيته سبحانه وتعالى، وأنه في حمايته ورعايته، ومن كان في حِمَى ربِّه فلن يُضام.

ولمّا هدّد فرعونُ موسى – عليه السلام – وقومَه، أن يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، مستخدماً سيف القهر والجبروت كما يفعل طغات العصر، قال موسى لقومه: ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) [ الأعراف: 128]، ولعل حاجة الصبر إلى الاستعانة بالله هي بعض أسرار اقتران الصبر بالتوكل على الله في آيات كثيرة ، مثل قوله تعالى: ( الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) [ النحل: 42]، وقوله على ألسنة الرسل: ( وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ )    [ إبراهيم: 12]ومما يعين على الصبر  الإيمان بقدر الله وقضاءه:

الإيمان بأن قدر الله نافذ لا محالة، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه – ((جفت الأقلام، وطويت الصحف)).

وفي هذا يقول الله في كتابه العزيز: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) [ الحديد: 22].

أسال الله أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى ،وأسأله أن يجعلني  وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنة أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.

 اللهم أصلحنا وأصلح شباب المسلمين اللهم أصلحنا وأصلح بنات المسلمين اللهم أصلحنا وأصلح نساء المسلمين اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يارب العالمين اللهم اجعل هذا البلد آمناً وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه اجعل لنا وللحاضرين من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ومن كل عسر يسراً ومن كل ظالم نجا، ارزقنا جميعاً من حيث لا نحتسب من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين  بسوء فاشغله بنفسه واجعل كيده في نحره اللهم اجعل اجتماعنا هذا  اجتماعاً مرحوماً واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً ولا تجعل فينا ولامنا ولا معنا شقياً ولا محروماً لا تخرجنا جميعاً من هذا المكان إلا بذنب مغفور وسعي مشكور وتجارة رابحة لا تبور يا عزيز يا غفور آمين آمين آمين يا رب العالمين.

عباد الله، صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، قال عز من قائل: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [ الأحزاب: 56].

 

 

الترغيب في صلة الرحم وخطر القطيعة

فيا عباد الله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]. واعلموا -يا رعاكم الله- أن صلة الرحم من أسباب دخول الجنة، ومن أسباب الفلاح، ومن أسباب البركة في النفس والأهل والمال، ومن أسباب السعادة في الدنيا والسعادة في الآخرة،

مجازر المسلمون في أراكان

ايها الإخوة المؤمنون لقد بين الله جل وعلا في كتابه الكريم صفة الظالمين , وحذر الله تعالى من الوقوع في الظلم والطغيان والبغي ,وامر الله تعالى جميع القادرين على أن يقفوا مع المظلومين ,ويكشف كربات المكروبين ,ويخفف عن مصاب المصابين ,وبين الله جل وعلا انه قادر على اهلاك الظالمين ( وَل

سلسلة الأخلاق (16) خلق العفو والصفح

فياأيها الأحبة الكرام في الله : من منا لا يسعى من أجل عفو الله ومغفرته، إذا أردت أن يحقق الله أمنيتك ينبغي عليك أن تحقق هذا الخلق في حياتك وواقعك، وأسرتك ومجتمعك. إنه العفو والصفح أيها الفضلاء. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ