سوءَ الظنِّ الداء الذي عمَّ بلاؤه

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 18 مارس 2017 الساعة 04:24:23 مساءً

كلمات دلالية :

سوء الظن
سوءَ الظنِّ الداء الذي عمَّ بلاؤه

الحمد لله الملك العلام، أكرمنا بأخلاق سيد الأنام، فقدمها هدية خاصة بأمة الإسلام، نحمده تعالى حمدًا كثيرًا على نعمه العظام، وأشهد أن لا إله إلا الله ذو الجلال والإكرام، هو الملك القدوس السلام، سبحانه وتعالى لا تأخذه سنة ولا ينام.

وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله أفضل الأنام، دعا إلى شريعة تطهر المجتمع من سوء الظن والتجسس وغير ذلك من أخلاق اللئام، فنال عند الله مراتب الإحسان والإكرام، اللهم صلّ وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الكرام، وعلى التابعين لهم بإحسان  .

معشر المسلمين: سوء الظن مرض من أخطر أمراض القلوب التي من لقي الله تعالى بها لم يلقه بقلب سليم، وهو أخطر من الزنا والسرقة وشرب الخمر مع عظم خطرها وكبر إثمها، وشناعة جرمها، ذلكم لأن سوء الظن من كبائر القلوب التي مبناها على إتباع الهوى، والحكم بالشبهات، وأمراض القلوب مشؤمة الأثر عظيمة المفاسد لأن آثارها تدوم فتصبح حالاً وهيئة راسخة في القلب فتفسده وإذا فسد القلب فسد الجسد كله لأنه بفساد القلب تفسد النية والقصد ويخبث القول، ويقبح الفعل، ويسوء الأثر فما أعظم الخطر.

إنَّ سوءَ الظنِّ هو الداء الذي عمَّ بلاؤه, والمرضُ الخبيثُ الذي صعُب شفاؤه, والسمُّ القاتلُ الذي من تجرَّعه تُيُقِّنَ هلاكُه, والسيفُ الذي من أشهره قَتَلَ به ثم ارتدَّ عليه, فصاحبُ الظنون السيئة, يُسبِّبُ الشر والفرقة بين الناس, وهو الخاسر الأول من ذلك, فيُصاب بالإحباط والوسواس, ويُحسُّ بأنَّ الناس أعداؤه حتى الأقربين, حتى ان بعض الناس  يقول: أنا لا آمَنُ أقربائي وأمي وإخوتي, وأحسُّ الذين من حولي أعداءً لي!!نعم, بلغ الْمَرْضَىَ بسوء الظنِّ مثلَ ذلك وأشدّ، فلْنحذر أشدَّ الحذر من سوء الظنّ, ولْنتعامل فيما بيننا بأحسن النوايا, ولْيعذُر بعضُنا بعضًا, حينما نرى من أحدنا ما نكرهه.وسوء الظن بالمسلم من سوء الظن الذي هو جرم وإثم لأنه حكم على الضمائر والنيات وأمور القلوب مما اختص الله تعالى بالعلم به فالذي يحكم على سرائر الناس وما أكنته ضمائرهم قد ضاها الله تعالى في شأنه ونازعه فيما هو من ملكه وسلطانه، فهذا وجه من وجوه شؤم سوء الظن بالناس وعظم إثمه وأما الوجه الآخر فهو أن من حكم على أخيه بقصد الشر به أو بغيره وسعيه في تحقيقه فإنه بحمله الشيطان على احتقاره والتقصير في حقوقه والوقيعة في عرضه بالغيبة والبهتان وكل هذه مهلكات لمن لم يتب منها في الدنيا والآخرة فكل من رأيتموه سيء الظن بالناس بالظن الكاذب وحكم الهوى فاعلموا أن ذلك من آثار خبث باطنه وسوء طويته فإن المؤمن يلتمس لأخيه المعاذير فيما يبدو له من سوء تصرفه وينصحه فيما بينه وبينه رحمة به وشفقة عليه وطلباً لمثوبة الله تعالى في أداء حقه إليه، وأما المنافق فإنه يعامل الآخرين بكشف عيوبهم والافتراء عليهم لخبث طويته وفساد نيته وكل إناء بما فيه ينضح ومن تجرأ على الله تعالى فيما هو من حقه واختصاصه فما أجرأه أن يتجرأ على الخلق بجرمه وفظاعته.

أيها المؤمنون: سوء الظن ليس هو الخواطر السيئة التي تمر على القلب فتعبر ولا تضر، وإنما الخواطر الخطيرة التي تستقر في القلوب فيتكلم بها المرء بلسانه ويعمل بمقتضاه بقلبه وأركانه، ويتعدى ضررها إلى من قد أساء به الظن من إخوانه حتى يتعدى ذلك إلى التجسس على إخوانه حتى يظهر ما وجد من العيوب، ويفتري عليهم الكذب إن لم يحظى بالمطلوب لمرض قلبه وحسده واعتراضه على قسمة ربه فاتقوا "عباد الله" سوء الظن فإنه شقاء في الدنيا ويردي في النار في الأخرى وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ﴾[5].. 

ايها المسلمون :إنَّ مما لا شك فيه أن لسوء الظن والشكوك بين الزوجين أثرًا كبيرًا على حياتهما الزوجية؛ إذ تُحيلها إلى جحيم لا يُطاق، وتولِّد جوًّا من الاضطرابات والقلق وعدم الاستقرار.

ولْندَعْ إحدى الزوجات اللاتي ابتُلين بهذا الداء؛ لتعبر عن تلك الآثار، إذ تقول:

"إذا دخل الشك في محيط الحياة الزوجية، خرجَت السعادة على الفور، الشك عاصفة مزلزلة لا تُبقي ولا تذر، لكنني عشته بتفاصيله المؤلمة، وبدايته تنطلق من الغلوِّ في الغيرة.

كنا ننعم بحب لا مثيل له، وتفاهم لا تشوبه شائبة، ولكن دارت الأيام، وجرَّعَتنا كؤوس الأسى والعذاب، وأنستنا كل لحظات الهناء، وأيام السعد التي عشناها، وكان السبب: الشك الذي لا داعي له؛ فمِن حبي الشديد لزوجي، وغيرتي عليه، صرتُ أفسر كل تأخير عن البيت، أو مكالمات هاتفية طويلة خاصةٍ على أنها خيانة، ومؤامرةٌ تُغزَل من وراء ظهري، ووصلت بي التوجسات أن أترصد حركَتَه؛ أتصل وأسأل عنه في مكان العمل، وأفتش ملابسه عسى أن أجد شيئًا، وأحاول معرفة محتويات بريده الإلكتروني دون جدوى، ولكن هذه التصرفات أتت بنتيجة عكسية، فزاد نُفوره، وسقطتُ في نظره بسبب شكوكي، وصار يعاملني بعكس ما كان في الماضي، وكثر الجدال بيننا، وأخذَت ترتفع الأصوات في كل نقاش يدور، واضطربَت حياتنا وحياة أطفالنا بسبب الشكوك.

أيها المسلمون: من الناس أقوامٌ يسيئون الظن بالناس, وقد يصل بأحدهم الحال أن يسيء الظن بأمه وأبيه، وأخته وأخيه, وجاره وصديقه, وقريبه وذي رحمه؛ ظَنونٌ بالشرِّ, يُفسِّرُ الكلام والأفعال تفسيراً دلَّه عليه الوهم, فيتيقنُ أنَّ وهمَه حقيقة, فيبني حياته على وهمٍ يشقى به، متنقِّلاً من وهمٍ إلى آخر، ومن همٍّ وكدر إلى هموم ومكدِّراتٍ آخر, قال بعضهم: "سوءُ الظن يُدمِّر صاحبَه, فيقطَعُ أرحامَه، ويُشتِّتُ أصدقاءه، ويخسر علاقاته، ويفوِّتُ مصالحه, وفي النهاية يعيش وحيداً منبوذاً".

عبدَ الله: إنَّ سوء الظن بالأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة، وابن العم، أو بأحد الأقارب قد يجرُّ إلى قطيعتهم، وقد يصل الحال إلى تحريض الأبناء عليهم، ونهيهم عن صلتهم، فالحذر الحذر من سوء الظن، فإنَّه جامعٌ لشرور عظيمة.

أيها المسلمون: لقد أمركم الله باجتناب سوء الظن؛ لأنَّه خُلقٌ مذموم يُوقِعُ في أخلاقٍ سيئةٍ أخرى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات: 12]

ما هو العلاج - أيها الإخوة -؟ ما هو العلاج قبل أن يستشري فينا هذا المرض، وقبل أن يوبقنا في معاصينا؟ من منا الذي يسلم من هذا؟.

إن من أهم العلاج: أن نتذكر دائماً عواقب سوء الظن، عواقبه علينا في الدنيا والآخرة، عواقبه السيئة علينا كأفراد، وعلينا كمجتمعات، إنك إذا تذكرت سوء الظن وما يؤدي بك، عرفت أنك يجب أن تعالج نفسك، وهذا أول خطوات العلاج، أن تعلم أن هذا المرض خطير، وإذا تهاونت فيه، وتركت علاجه، فإنه سيؤدي بك إلى الهاوية - والعياذ بالله - وانتبه أن الناس أكثر ما يكرهون سيئ الظن، سبحان الله! القلوب تنفر من سيئ الظن؛ لأن الناس لا يتحملون أن يُساء الظن بهم، فلا يقبلوا أن يُساء الظن أيضاً بغيرهم.

من العلاج: الحرص على سلامة البيئة المحيطة بك من مرض سوء الظن، احرص أن تكون في بيئة بعيدة عن سوء الظن، اخرج من البيئة التي دعتك إلى سوء الظن، أو اعتزلها في الشر الذي فيها؛ لأن الجلوس مع هؤلاء يجعلك - للأسف - تأخذ منهجيتهم، وتسلك مسالكهم، وهذا الذي يؤدي بك إلى سوء الظن، فابتعد عن الأسباب الباعثة، ومن أهم الأسباب قضية البيئة الموجودة، ثم ما يكون من طمع في الدنيا، وحب للرفعة، هذا أيضاً يؤدي إلى سوء الظن بالآخرين.

يجب ان تعلم ان سوء الظن مرضٌ يجري ممن ابتُلِيَ به مجرى الدمِ من العروقِ، ويستشري في أوصاله..

حتى يجعل صاحبه يصف اتقى الناس بالفجور، وأعدل الناس بالجور، ويصف أكثر الناس جدية، بالاستهزاء والسخرية..

أساؤوا الظن بنبيهم فقالوا له: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾، وما بدرت منه يومًا من الأيام سقطة، ولا وقفوا منه يومًا على زلة..!

ومثل هؤلاء في سوء ظنهم "ذو الخويصرة" الذي قال لأتقى الناس لله، وأعلم الناس بالله، وأبعد الناس عن الظلم:

(اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ)

ولا ينتهي سوء الظن بصاحبه حتى يرِدَ به موارد الهلاك..

لأنه يحمله على أن يسيء الظن بربه عياذًا بالله.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾.[1]

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ".[2]

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ".[3]

اللَّهُمَّ، إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ.

المساجد ودورها الريادي في حياة الامة

الحمد لله الذي هدانا للإسلام ورضيه لنا ديناً، ووفقنا لعبادته وطاعته، ونسأله أن يزيدنا يقيناً، ونشكره على نعمه التي أعطنا إياها حيناً فحيناً، ومن نعمه, ومحاسن دينه, هذه الاجتماعات الإسلامية, في مساجده التي أمر برفعها, وتعميرها ظاهراً ودينا، ويؤدي فيها أفضل شعيرة من شعائر ديننا، وأ

تقلبات الدنيا بأصحابها

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والادكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهب لدار القرار، والحذ

الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

يقول الله تعالى :{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران 164. مع حلول شهر ربيع