رجل قلبه معلّقٌ بالمساجد

خاص عيون نت

التاريخ: الأحد 26 فبراير 2017 الساعة 05:17:48 مساءً

كلمات دلالية :

المساجد
رجل قلبه معلّقٌ بالمساجد

الخطبة الأولى

الحمدُ لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضَّالون، لا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون، أحمدهُ - سبحانه - حمد عبدٍ نزّه ربه عما يقول الظالمون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له - تعالى -رب العرش عما يصفون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله الصادقُ المأمون، اللهمّ صلّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين هم بهديه مستمسكون، وسلِّمْ تسليماً كثيراً، أما بعد:

 

 فيا أيها الناس اتقوا الله حقَّ تُقاته، وسارعوا إلى مغفرته ومرضاته، وأجيبوا الداعيَ إلى دار كرامته وجناته،

 

عباد الله: لا زلنا وإياكم في ظلال الحديث المبارك، إنه الحديث الذي أخرجه الشيخان وأحمد والنسائي عن أبي هريرة: - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشابٌ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)).

 

ووقفتنا اليوم مع الصنف الثالث« ورجل قلبه معلق بالمسجد ».

 

 قلبه معلقٌ بالمساجد يعمرها بطاعة الله، يعمرها بذكر الله، يعمرها بالصلاة، يعمرها بقراءة القرآن، وهذه عمارة المساجد حقاً التي مدح الله أصحابها فقال جل شأنه: ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) [التوبة: 18]

 

وأهل المساجد هم الرجال الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله واقام الصلاة قال عز من قائل: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ ) [النور: 37]،

 

ورجل قلبه مُعلّق بالمساجد: مُعلّق قلبه بالمساجد ما إن تنتهي صلاة فرض وإلا قلبه مُعلّق بتأدية الصلاة التي تليها لماذا؟

 

 لأنه يجد السعادة والأنس والراحة والاطمئنان والاستمتاع بأداء الصلاة في جماعة في بيوت الله حيث يُنادى بها، ويجد المتعة في الجلوس بالمساجد لانتظار الصلوات ولذكر الله والاعتكاف وتلاوة القرآن الكريم، وهذا هو دأبه في كل وقت من الأوقات في رمضان الكريم وفي غيره، ليس كالذي يحافظ على الصلوات في رمضان وعلى تلاوة القرآن فما إن ينتهي شهر الخير والبركة إلا وقد انتكس ورجع إلى حالته الأولى، أو كالذي يضيق في المسجد ويزداد غضباً إذا طالت الصلاة أو الخطبة،

 

وشتّان ما بين رجل مؤمن قلبه مُعلّق بالمساجد وبين من همّه الدنيا وحطامها، فالمؤمن في المسجد كالسمكة في الماء، وغيره في المسجد كالطير في القفص، ويستطيع كل شخص أن يعرف نفسه ويعرضها ويقيسها على هذا المثَل ليعلم من أي صنف هو.

 

 تأملوا أحوال بعض الناس في صلاة الجمعة وبعض الصلوات عندما يُسلم الإمام كيف حالهم ينطلقون كأنهم كانوا في سجن لا استغفار لا ذكر لا دعاء.

 

رجل معلّق قلبه بالمساجد، كلما نودي للصلاة فيها سارع إليها وإليه بشوق ورغبة لينال القلب ارتياحه ولسان حاله: «أرحنا بالصلاة يا إمام ».

 

 وإذا قُضيت الصلاة ظلّ القلب معلقًا بالمسجد، وإن خرج منه الجسد حتى يعود إليه مرة أخرى، وما كان هذا التعلق أن يأتي من فراغ، ولكنه ثمرة التعلق بالله محبةً، وإنابةً، ورغبةً، ورهبةً، وخوفًا، ورجاءً، وإخلاصًا، وتوكلاً، وذلاً، وتعبُّدًا، فالتعلق بالله –عز وجل- وحده هو الغاية العظمى والنجاة الحقة، ومن تعلق بغير الله –عز وجل- شأنه كما قال - تعالى -: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 41].

 

أيها المسلمون:

 

 تعلّقت قلوبٌ بالدنيا والدرهم فذهبت وتركتها، وتعلّقت قلوبٌ بمواقع اللهو واللعب فذهبت وتركتها، وأعقبتها حسرة وندامة.

 

أيها المسلمون:

 

إن القلوب المتعلقة بالمساجد لهي قلوبٌ ملؤها الإيمان والتقى، والمسارعة إلى الخيرات، سارعت إلى محو الخطايا ورفع الدرجات، بعد أن سمعت حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه: (( أَلا أَدُلُّكُمْ على ما يَمْحُو اللَّه بِهِ الخَطَايا، ويرْفَعُ بِهِ الدَّرجاتِ؟ قَالُوا: بلى يا رَسُول اللَّهِ، قَالَ: إِسْباغُ الوُضُوءِ على المكَارِهِ وكَثْرَةُ الخُطَا إلى المساجِدِ، وانْتِظَارُ الصَّلاةِ بعْد الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّبَاطُ، فذلِكُمُ الرِّباطُ )) [رواه مسلم].

 

سارعت إلى ظل الله –عز وجل- بعد أن عرفت أنَّ من السبعة الذين يظلهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله رجل قلبه معلقٌ بالمساجد، سارعت إلى النور التام يوم القيامة بعد أن سمعت حديث بُريده عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( بشِّروا المشاءين في الظُّلَمِ إِلى المسَاجِدِ بِالنور التَّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ)) [صحيح، أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة - باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلام، حديث (561)، والترمذي: كتاب الصلاة - باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، حديث (223)، وصححه الألباني بشواهده، صحيح الترغيب (315، 316، 425)، مشكاة المصابيح (721، 722)].

 

 إذا تحرك المؤمن إلى المسجد يبدأ العدَّاد في العمل والحرس من حوله - أيُّ عدّاد- إنه عدَّاد الحسنات فالنَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: (( مَنْ تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَضى إِلى بيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرائِضِ اللَّهِ كانَتْ خُطُواتُهُ إِحْدَاها تَحُطُّ خَطِيئَةً، والأُخْرى تَرْفَعُ دَرَجَةً )) [صحيح، صحيح مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا،،،حديث (666)].

 

إنها قلوب المحبين للصلاة، قلوبٌ أحبت طاعة الله،،، قلوبٌ أبت سبيل المنافقين الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى،،، قلوبٌ حكت سنة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - الذي جُعلت قرةٌ عينه في الصلاة، والذي كان همه وهو يعاني شدة الموت الصلاة بالمسجد.

 

وعن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة - رضي الله عنها - فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: بلى، ثقُل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((أصلى الناس؟ )) قلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ((ضعوا لي ماء في المخضب)) ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، وكان أبو بكر ا رجلاً رقيقًا، فقال: يا عمر صل بالناس، فقال: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجد من نفسه خفةً، فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه ألا يتأخر، وقال لهما: ((أجلساني إلى جنبه))، فأجلساه إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدًا.

 

أيها الإخوة المؤمنون:

 

 قلوبٌ معلّقه بالمساجد،،، قلوبٌ تأملت سيرة الأسلاف لما كان أحدهم يأتي إلى المسجد يُهادى بين الرجلين من شدة المرض.

 

فيما نرى فئة من الناس هجرت المساجد، فلا تقربها إلا في المناسبات، وهذه علامة من علامات الساعة الصغرى، فهذا أنس بن مالك - رضي الله عنه - يقول: «يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلاً» [أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان عن أبي قلابة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -]،

 

أيها الإخوة المؤمنون: سارعوا في الخيرات وتعلقوا ببيوت الله.

 

 عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نُزُلاً كلما غدا أو راح» [متفق عليه].

 

 وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: صلينا مع رسول الله - عليه الصلاة والسلام - المغرب، فرجع من رجع، وعقب من عقب، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - مسرعًا قد حفزه النفس، قد حسر عن ركبتيه قال: ((أبشروا، هذا ربكم قد فتح بابًا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة، يقول: انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى)) [أخرجه ابن ماجه « 801 » وأحمد « 2 / 186 »، السلسلة الصحيحة" 2 / 269].

 

وعن أبي هريرة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: ((أحب البلاد إلى الله - تعالى -مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) [أخرجه مسلم].

 

 وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا)) [رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم].

 

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة)). [رواه البخاري]

 

وعند البخاري قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه والملائكة تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يقم من مصلاه أو يحدث)).

 

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: (( ما تَوطّن رجل المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله - تعالى -إليه، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)) [سنن ابن ماجه ح «800»، صحيح ابن خزيمة «1491»].

 

والمتأمل سير السلف الصالح يجد العجب العجاب.

 

 قيل عن الإمام الأعمش - رحمه الله -، أحد رواة الصحيحين، من الذين حفظوا كثيراً من دواوين الإسلام والحديث النبوي: حضرته الوفاة فبكى ابنه كثيراً، فقال لابنه: «ابك أو لا تبك، فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام ستين سنة»، وهذا من باب حسن الظن بالله عند سكرات الموت.

 

وهذا سعيد بن المسيب - رحمه الله - يقول في سكرات الموت: «والله ما أذّن المؤذن منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد».

 

 وذكر ابن الجوزي عن عامر بن ثابت ابن عبد الله ابن الزبير أنه ما كان يترك المسجد، بل كان يأتي قبل الصلاة بأوقات، فأتى يوماً من الأيام في الصف الثاني، فقال: الله المستعان! والله ما صليت في الصف الثاني منذ عقلت رشدي، لم أصلّ إلا في الصف الأول، قالوا: فلما حضرته الوفاة وهو في سكرات الموت أو قبلها بقليل سمع أذان المغرب، فبكى بكاءً طويلاً، فقالوا: مالك؟ قال: يصلي الناس في المسجد وأصلي في البيت، قالوا: أنت مريض، قال: والله لن يكون إلا خروج نفسي أو أصلي مع الناس، احملوني إلى المسجد، فحملوه فلما صلى مع الناس قبضه الله في آخر سجدة، فسلم الناس وإذا هو ساجد لله –عز وجل-، حركوه فإذا هو ميت، فقالوا لأبنائه: ما هذه الميتة السعيدة الحسنة؟ فقال أبناؤه: والله ما كان أبونا يقوم أي يوم إلا ويقول: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، فقلنا له: يا أبه، ما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني الله وأنا ساجد، فلبى الله له ما سأل فتوفي وهو ساجد.

 

هذا لأن الله ـ علم الصدق منه.

 

وروي في سير السلف أن أحد الصالحين كان يعمل نجاراً أو حدّاداً فإذا سمع النداء وهو رافعٌ مطرقته لا يرد المطرقة، وإنما يسقطها وراءه ويقوم.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما تسمعون وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.

 

أما بعد:                                    

 

 أيها المسلمون لا أذهب بكم بعيداً بل في هذا الزمن من الأمثلة ما يشرح الصدر، ذكر الشيخ إبراهيم بو بشيت قصة لرجل اسماه ابن أم مكتوم زمانه فيقول:

 

دخلنا قرية من القرى،، بسيطة في بنائها وشكلها وهيئتها،، بدأنا نرتفع مع الأرض حيث ارتفعت،، قصدنا مسجد القرية،،،، عندما وصلنا إلى المسجد وجدنا عند بابه حجراً كبيراً ومربوط به حبل،، لا إله إلا الله،، ما قصة هذا الحبل؟!

 

لقد وصلنا إلى الطرف الأول،، بدأنا نسير مع هذا الحبل يرتفع بنا حيث ترتفع الأرض،، إنَّ هذا الحبل بدأ يأخذنا بين أشجار،، سرنا بالسيارة تقريباً ما يزيد على نحو ست دقائق،، سبحان الله،، بدأنا نصل إلى نهاية الحبل،، نعم،، إنه حبل ممدود على الأرض،، حبل ممدود على الأرض.

 

عندما وصلنا إلى نهاية الحبل، وجدنا بيتاً مكوناً من غرفة ودورة مياه،، وإذا بالبيت نجد رجلاً كبيراً في السن؛ كفيف البصر؛ بلغ من العمر ما يزيد على 85 عاماً،، إنه يا ترى من!.

 

 إنه العم عابد،، سألناه: قلت له: يا عم عابد،، يا عم عابد،، أخبرنا ما سر هذا الحبل؟!، ما سرّ هذا الحبل؟!

 

اسمعوا الجواب،، اسمعوا الجواب،، فإنه والله لنداء لأصحاب الأربعين، والخمسين، والستين، والثمانين، نداء للأصحاء؛ للمبصرين لمن أنعم الله عليهم بالخيرات، والفضائل، والكرامات.

 

 إنه نداء،، لقد قال العم عابد كلمة تؤثر في كل قلبٍ مؤمن،، قال: يا ولدي،، يا ولدي هذا الحبل من أجل الصلوات الخمس في المسجد،، هذا الحبل من أجل الصلوات الخمس في المسجد.

 

 إنني أمسك به، أخرج من بيتي قبل الأذان، ثم أمسك بهذا الحبل حتى أصل إلى المسجد، ثم بعد الصلاة وخروج الناس أخرج آخر رجل من المسجد، ثم أمسك بالحبل مرة أخرى حتى أعود إلى بيتي ليس لي قائد يقودني.

 

فأين الذين حرموا أنفسهم من المساجد! أين،، أولئك الكُسالى!،، أين،، أصحاب السيارات والخيرات والكرامات الذين امتنعوا عن حضور الصلوات الخمس في المسجد!،، أين الشباب مفتولي العضلات المبصرين.

 

إنه رجل بلغ به هذا السن، كفيف البصر؛ ضعيف البناء في حالة لو رأيتموها لتعجبتم والله، ولكن يقول: هذا الحبل من أجل الصلوات الخمس في المسجد.

 

فأين،، أولئك الرجال الذين هجروا صلاة الفجر!

 

لماذا لم يحرك قلوبنا قول الحبيب - صلى الله عليه وسلم -: (( بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة )).

 

بأمثال هؤلاء صدق قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظلّ إلا ظله))، وذكر منهم ((رجل قلبه مُعلّق بالمساجد))، لله درّ الإمام الشيرازي عندما قال كلمة رائعة: «إذا سمعتم حيّ على الصلاة؛ ولم تجدوني في الصف الأول؛ فإنما أنا في المقبرة،، فإنما أنا في المقبرة ».

 

 أين منا من حرص على براءة نفسه من النار!،، أين منا من حرص على براءة نفسه من النفاق!.

 

 ألم نسمع حديث رسولنا - صلى الله عليه وسلم - جاء عند الإمام الترمذي عن أنس - رضي الله عنه - وحسّنه الألباني قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: (( من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب الله له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق))، اسمعوا يا من تصلون منفردين، ويا من تفوتكم تكبيرة إحرام في كل يوم، (( من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب الله له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)).

 

 أين أنتم يا من قرع قلوبكم نور الوحي،، كان السلف إذا فاتتهم تكبيرة الإحرام عزوّا أنفسهم ثلاثة أيام،، وإذا فاتتهم الجماعة عزوَّا أنفسهم سبعة أيام.

 

وكان يحيى القطَّان يلتمس الجدار حتى يصل إلى المسجد وهو يقول:

 

«الصف الأول،، الصف الأول،، الصف الأول »،، المساجد هي التي ربَّت الرجال،، المساجد هي التي أخرجت الأبطال،، المساجد هي التي علمتنا وثقفتنا،، فأين البطَّالون.

 

لا يُصنع الأبطال إلا *** في مساجدنا الفساح

 

في روضة القرآن *** في ظل الأحاديث الصحاح

 

شعبٌ بغير عقيدةٍ  *** ورقٌ يذريه الرياح

 

من خان حيَّ على الصلاة *** يخون حيَّ على الكفاح

 

والله لن يبدأ لنا انطلاق ولا نصر ولا تأييد ولا دفاع ولا قوة إلا إذا انطلقنا من المساجد.

 

وإذا أردت أن تعرف قوة إيمانك، وقوة عقيدتك، وقوة صدقك، وعزيمتك الراسخة؛ فانظر تبكيرك للمسجد.

 

ذكر صاحب كتاب "حلية الأولياء": أن أحد الصالحين فاتته صلاة العشاء في جماعة في حياته مرة واحدة، فقال: الله المستعان! ما فاتتني صلاة في جماعة إلا هذه الصلاة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة))، لا جرم لأصلينها سبعاً وعشرين مرة، فقام فصلاها سبعاً وعشرين مرة ثم نام، فرأى في المنام أن خيالة عليهم ثياب بيض، وإذا هم جماعة في المسجد وقد ذهبوا، وهو وراءهم على أرجله، يمشي ويجري ويحاول أن يصل فلا يلحق، وفي الأخير التفت إليه أحدهم وقال: لا تحاول، نحن صلينا في جماعة وأنت صليت وحدك، وقد أعادها سبعاً وعشرين مرة،

 

 فهؤلاء دائماً قلوبهم معلقة بالمساجد، فهم ينتظرون القدوم على الله –عز وجل-، فكأنهم تركوا قلوبهم معلقة في المساجد وذهبوا بأجسامهم إلى البيوت، فمن أراد أن يظله الله –عز وجل-، فليحرص على أن يكون المسجد مدرسته الروحية، وأن يتذكر كلما تكاسل أن الله سوف يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كلما أتى إلى المسجد، وأنه سوف يمشي في النور التام كلما مشى في الظلمات إلى المساجد، وأن كل خطوة ترفع درجة وتحط خطيئة، فنسأله ـ أن نكون من هذا الصنف المبارك.

 

اللهم اجعلنا من أهل المساجد وعُمَّار المساجد اللهم حسّن أخلاقنا وقوي إيماننا وأرفع درجاتنا وطهر قلوبنا وزكي نفوسنا برحمتك يا ارحم الراحمين.

 

ألا وصلوا ـ عباد الله ـ على رسول الهدى محمد - عليه الصلاة والسلام -، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب: 56]

الظلم وآثاره على الظالم والمظلوم

الحمدُ لله الملكِ العدل, أَمَرَ بالقسط, ونهى عن الظلم, كتبَ العِزَّةَ والرفعة للمقْسطينَ العادلين, وكتبَ الذِّلة والصغار على الفاجرينَ الظالمين. أيَّدَ بالعدل أولياءَهُ المؤمنين, وخذلَ بالظلمِ أعداءَهُ الكافرين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسول

وجوب التعاون على مواجهة البغاة والظالمين

الحمد لله.....أما بعد ..فيا أيها الكرام الأبرار شكى قوم إلى الملك اليماني الحميري ذي القرنين عليه السلام فساد يأجوج ومأجوج (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) أفسدوا الحياة بكل مظاهرها ومقوماتها ، أفسدوا العقيدة والدين ، وأفسدوا ا

ما زال للخير بقية

الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله، وصفوته من خلقه صلى الله عليه، وآله وأصحابه،