عندما تضيع الاخرة من حياتنا

خاص عيون نت

التاريخ: الأحد 26 فبراير 2017 الساعة 05:03:07 مساءً

كلمات دلالية :

الاخرة
عندما تضيع الاخرة من حياتنا

الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نرجو بها النجاة يوم التناد،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو اللطيف الخبير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أفضل الرسل وخلاصة العباد، الذي دعا أمته بالحكمة والموعظة الحسنة، وهداها إلى سبيل الرشاد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان في الأقوال، والأفعال، والاعتقاد، وسلم تسليمًا كثيرًا.

عبــــــــاد الله : لطالما تعجبنا حينما نرى أحد المنتسبين إلى دين الله الحنيف قد أكل مال أخيه المسلم او غيرالمسلمبالباطل وكثيرا مانندهش من جرأة بعض المحسوبين على الإسلام في الإقدام على ظلم الناس والبغى والتجبر على عباد الله , وسفك الدماء وغيرها من الاعمال التي لايرضاها الله تبارك وتعالى .

ولطالما تسائلتم انتم ايها الاخوة ماهوا السبب الذي جعل الناس بهذه الاخلاق .

ايها الاخوة : ان السبب الرئيسي في هذا الذي يحصل هو ضعف الايمان باليوم الاخر.

عندما ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر فسدت القلوب وكثرت الذنوب وظهر الظلم والجشع والعدوان في أبشع صوره وتعدى الإنسان على أخيه الإنسان وأصبح المرء لا ينظر إلا إلى مصلحته دون غيره و أصبحت الغاية تبررها الوسيلة والتعامل المادي بين البشر شعار الوقت ودستور الزمان إلى جانب كثرت الهموم والقلق النفسي الذي أصاب كثير من أبناء هذه الأمة .. وأصبح الناس في غفلة لن يدركوا خطرها حتى يداهمهم الموت وعندها لا ينفع الندم قال تعالى (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) [الأنبياء:1- 2] و قال تعالى ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) (البقرة:281) عندما ضعف الإيمان بالله واليوم الآخر عق الابن أباه وهجر الأخ أخاه وضيعت الأمانات وظهرت الخيانات وسفكت الدماء وأصبح المرء لا يعطي للدين وزناً ولا للشرع قدراً ولا للأخلاق أهميةً في حياته وأثرا .. لقد نسينا أن هناك يوماً آخر ولقاء أمام ملك الملوك للجزاء والحساب ففسدت قيمنا وساءت تصرفاتنا وتجرأنا على الحرام وانتهكنا الحدود  وتعامل الكثير بالرشوة وشهادة الزور وقصر الوالد في تربيته لأولاده والموظف في وظيفته وظهر الغش وقل المعروف بين الناس واختفت الأخوة وبرزت العصبية الجاهلية للأوطان والأنساب والقبائل والأحساب وظهرت الفتن الطائفية والمذهبية والتعصب للأفراد فأوغرت الصدور بالحقد والحسد والضغائن وحل التقاطع وقامت الحروب.

ايها الاخوة :ان بعضنا قد أسقطوا من حساباتهم الدار الآخرة , فأجروا تعاملاتهم مع الناس وكأنه لا وجود للآخرة في تصرفاتهم , أو لكأن الموت قد استثناهم من حتمية انتقالهم من هذه الدار الفانية !

هل عرفتم الحقيقة أن ما نراه اليوم من موت الضمير وانحسار الأخلاق وغياب الصدق وضياع الأمانة وانتشار الظلم والبغي بين الناس , وشيوع النصب والاحتيال والخداع لأكل أموال الناس بالباطل , تحت مصطلحات شيطانية مبتدعة من أمثال "شطارة" و "ذكاء" و "دهاء"........ هي نتيجة متوقعة لسقوط الآخرة من حساب كثير منا , فما بالك بغير المسلمين !

ايها الاخوة :وإذا كان الاعتقاد باليوم الآخر من أركان الإيمان , و لا تصح عقيدة المسلم إلا باليقين به , إلا أنه – وللأسف الشديد – غير ملاحظ في حياة كثير منا  بشكل عام , وغير مدرج ضمن أولويات الاعتبار عندنا أثناء التعامل مع الآخرين , حتى كاد هذا الركن الأصيل من أركان الإيمان يتحول عند نا إلى مجرد لفظ لإثبات عدم خروجنا من الملة والدين , بينما لا وجود ولا مكان له في الميدان العملي في حياتنا .

ايها الاخوة :إن العاقل الحقيقي في هذه الحياة الدنيا , والكيس الأريب فيها , ليس ذلك الرجل الذي يكذب ليأكل حقوق الآخرين , ولا الذي يتغافل عن أهم وأخطر حقيقة على وجه الأرض ألا وهي "الآخرة" , وإلا لكان إبليس اللعين هو أذكى المخلوقات على الإطلاق ....بل العاقل بحق هو ذلك الرجل الذي يجعل من إيمانه ويقينه باليوم الآخر الميزان الذي يضبط به سلوكه وتصرفاته و تعامله مع الآخرين , ويحسب لهذا اليوم العظيم ألف حساب .

ومن هنا يمكن فهم حديث شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : ( الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ) سنن الترمذي وقال : هذا حديث حسن .

فالعاقل الحق في الإسلام هو الذي لا ينسى الدار الآخرة أبدا , بل يجعلها نصب عينيه في جميع تقلبات حياته العملية , ويسّخر هذه الحياة الدنيا الفانية , للنجاة والفلاح في ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

ايها الاخوة:إن من يدقق في آثار غياب اعتبار الآخرة في حياة الناس اليوم , والنتائج الكارثية التي تمخضت عن تغافل وتناسي البشر عن حقيقة حتمية الوقوف بين يدي الله للحساب يوم القيامة , يتأكد له عظم مكانة هذا الركن من أركان الإيمان في دين الله الخاتم , والدور البارز والرئيس لهذا المعتقد في استقرار وسعادة وهناءة حياة بني آدم على وجه الأرض .

والحقيقة أن من يستقرأ السيرة النبوية الشريفة , ويقلب في صفحات حياة السلف الصالح من هذه الأمة , يدرك مكان الآخرة في قلوبهم وعقولهم , وكيف هيمن الإيمان بهذا الركن على جميع تفاصيل حياتهم اليومية , سواء داخل البيت مع الزوجة والأولاد والأهل والأرحام , أو خارجه مع سائر الناس مسلمهم وذميهم ومعاهدهم , وكيف كان لهذا الإيمان الدور الأهم في السعادة التي كانت تهنأ بها مجتمعاتهم في ذلك الوقت .

ايها الاخوة : انظروا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر كيف يردع صاحبه ويهديه إلى الحق فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم تختصمون إلي ، وإنما أنا بشر ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضي لكم على نحو مما أسمع منكم ، فمن قضيت له من أخيه شيئا ؛ فلا يأخذه ؛ فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها يوم القيامة ]( الصحيحة للألباني / ) فارتعب الرجلان وخافا لأن هناك يومٌ آخر لا مفر منه ولأن المطلع على ما في الضمائر هو الله الذي لا تخفى عليه خافية ( . فبكى الرجلان ، وقال كل واحد منهما : حقي لأخي ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إذا قلتما ؛ فاذهبا فاقتسما ؛ ثم توخيا الحق ، ثم استهما ، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه )وهذا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم – هو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما - قد آتاه الله من الذكاء والفطنة والدهاء وتوقد الذهن ما يستطيع به أن يتحايل على كثير من الناس , ولكن دينه وإسلامه وخوفه من الحساب يوم القيامة منعه من استخدام دهائه فيما لا يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم , فتراه يقول : "لولا الإسلام لمكرت مكرا لا تطيقه العرب" ويقول أيضا : " لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( المكر والخديعة في النار ) لكنت من أمكر هذه الأمة . الحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني

إنه الإيمان بالله واليوم الآخر يهذب النفوس ويقوم السلوك لأن الفرد يربط كل حركاته وسكناته بالأجر والمثوبة من الله يوم القيامة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه (رواه البخاري)

عباد الله : حينما سقطت الآخرة من حساباتنا في هذا العصر , فقد انقلبت الدنيا – كما نرى – إلى مكان مليئ بالظلم والقهر والبغي والعدوان , ويعج بالمآسي والآلام والأحزان , وتنعدم فيه الطمأنينة والأمن و السلام , و تحول الناس من بشر خلقهم الله تعالى لعبادته وطاعته , وللتعارف والتعاون في عمارة الأرض , استعدادا للقاء الله والفوز برضاه وجنته في الآخرة .....إلى كتلة من الشهوات والأهواء تتنافس وتتناحر فيما بينها لإشباع غرائزها .

إن البشرية تحصد بنسيانها وتغافلها وإسقاطها الآخرة من حساباتها الثمار المرة في الدنيا , من خلال ما تعيشه من بؤس وشقاء وتعاسة , ناهيك عن الحساب الذي يتنظرها غدا يوم القيامة أمام الله.

عبــــــــاد الله :- لقد كان المنهج الرباني في القرآن الكريم والسنة النبوية يؤكدان على خطورة الغفلة عن حقيقة نهاية الحياة وما بعدها حتى لا تصبح الدنيا ميدان للظلم والصراع وهضم الحقوق والتنصل عن الواجبات والتقصير في الأعمال والمسؤوليات ورتب على ذلك أشد العذاب قال تعالى :{ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(يونس:7،8)

عبــــــــاد الله :- إن الإيمان بالله واليوم الآخر يجلب للعبد الراحة والثقة واليقين بربه وعدله وكرمه وسعة رحمته ومهما ناله في هذه الدنيا من ابتلاء ومحن وفتتن ومصائب فإن نعيم الآخرة يجبر كل مصاب ويهون كل بلاء قال تعالى ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ] (الزُّمر:10) وهذا الإيمان يمنع صاحبه من الكبر والطغيان والتفاخر على خلق الله فالدنيا زائلة والخلود لا يكون إلا في جنة عرضها السموات والأرض أو نار لا تبقي ولا تذر والمؤمن قد وطن نفسه على العمل الذي يقربه من الله ولم يجعل للدنيا وما فيها سبيلاً إلى قلبه .

إنه اليقين الحقيقي بحتمية مجيء هذا اليوم العظيم , والذي ينتج عنه سلوك وعمل يتناسب مع ذلك اليقين القلبي , ومن هنا لم نقرأ في سيرة السلف الصالح ما يتناقض في سلوكهم مع الإيمان باليوم الآخر, بل طالعنا الكثير من الروايات والأخبار الموثقة التي تؤكد أمانتهم وصدق تعاملهم مع الناس , تحسبا لهذا اليوم الذي أيقنوا بقرب مجيئه كما أخبر الله تعالى : { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا } المعارج/6

(2) بناء العقل بالفهم

الحمدُ للهِ الذي أشمخَ الرواسي وبسطَ السهولَ ، ووهبَ لنا الألبابَ والعقولَ ، أحمدُهُ حمداً يليقُ بعظمتِهِ وجلالِهِ ، وينبغي لعزتِهِ وكمالِهِ ،و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ميَّزَنا بالعقل والفهم، وندب أصحاب العقول إلى إعمال عقولهم، وحثهم على التفكر في المخلوقات التي

احفظوا الله بطاعته يحفظكم في دنياكم وأخراكم

كان العبد الصالح أبو الطيب الطبري رحمه الله، قد جاوز المائة من السنين، وهو متمتع بعقله وقوته، وكافة حواسِّه، حتى أنه سافر ذات مرة مع رفقة له، فلما اقتربت السفينة من الشاطئ، وثب منها إلى الأرض وثبةً شديدة، عجز عنها بقية الذين كانوا معه على السفينة، فاستغرب بعضهم هذه القوة الجسدية

أسباب النجاة من الفتن

الخطبة الأولى إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب ا