اسم الله المحيط وآثاره الإيمانية

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 22 فبراير 2017 الساعة 11:21:12 مساءً

كلمات دلالية :

المحيط
اسم الله المحيط وآثاره الإيمانية

الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما, ووسع كل شيء عزة وحكما, يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً ؛ اللهم لك الحمد على حلمك بعد علمك، ولك الحمد على عفوك بعد قدرتك. اللهم: لك الحمد على ما تأخذ وتعطي، ولك الحمد على ما تميت وتُحيي. اللهم: لك الحمد كله، بيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله: علانيتهُ وسرُّه، أوله وآخره؛  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, يهدى من يشاء فضلا, ويضل من يشاء عدلا, ويحول بين المرء وقلبه, وقد يزيغ قلب العبد بشؤم كسبه ؛ وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أما بعد:

 

عباد الله: فإن تدبر معاني أسماء الله وصفاته تورث في قلب العبد الخوف من الله - عز وجل- والحياء منه ومراقبته سبحانه في كل شيء؛  فيزيد الإيمان وتستقيم الأحوال وتتنزل الرحمات وتتابع النعم وإن من أسماء الله التي ينبغي أن تدبر معناها ودلالتها ؛ اسم الله " المحيط " ؛ والمحيط اسم من أسماء الله تعالى، وصفة من صفاته، حيث قال تعالى: (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) [البقرة: من الآية19]، وقال: (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) [البروج:20]، وقال سبحانه: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) [الطلاق: من الآية12].

 

ومعنى اسم الله "المحيط: الذّي أحاطت قدرته بجميع خلقه، وهو الّذي أحاط بكلّ شيء علما، وأحصى كلّ شيء عددا ".

قال السّعدي في "تفسيره":" وهو الّذي أحاط بكلّ شيء علما، وقدرة، ورحمة، وقهرا، وقد أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المُبْصَرات، وسمعه بجميع المسموعات، ونفدت مشيئته وقدرته بجميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسّماوات، وقهر بعزّته كلّ مخلوق، ودانت له جميع الأشياء ".

وقيل "المحيط": الذي لا يقدر على الفرار منه، وهذه الصفة ليست حقاً إلا لله جل ثناؤه، وهي راجعة إلى كمال العلم والقدرة، وانتفاء الغفلة والعجز عنه.

يقول ابن القيم: "قد دلَّ العقل والفطرة، وجميع كتب الله السماوية على أن الله تعالى عالٍ على خلقه؛ فوق جميع المخلوقات، وهو مستوٍ على عرشه ، وعرشه فوق السماوات كلِّها، فهو سبحانه (مُحيطٌ) بالعالم كلِّه".

وكان من دعاءه صل الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم ( اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر).

وصفة الإحاطة صفة تفرد لا تليق إلا بالله وحده جل ثناؤه، وهي راجعة إلى كمال العلم والقدرة، وانتفاء الغفلة والعجز عنه .

ودلالة اسم الله المحيط؛  أن احاطته بجميع مخلوقاته: إحاطة علم ، فلا يعزب عنه من خلقه مثقال ذرة، و إحاطة قدرة فلا يعجزه شيء في الأرض و لا في السماء ، و إحاطة قهر فلا يقدرون على فوته أو الفرار سبحانه.

 

أيها المسلمون:  كم من أعمال قمنا بها نسيناها ولم نعد نتذكرها ؟ وكم من حوادث وذكريات في حياتنا ؟ أصبحت طيف خيال؛ وكم من أولاد لنا وأصدقاء وأصحاب وموظفين ننسى متابعتهم وأعمالهم ولا نحيط بحاجاتهم ومتطلباتهم ؛ وكم من واجبات ومسؤوليات تركناها ونسيناها وغفلنا عنها ؛ نمتلك السيارة فلا نحيط لها علماً ؛ بل التلفون الذي بين يديك كثير من الأشياء الموجودة فيه لا نحيط بها ولا نعلم فائدتها ؛ كم من معاصي عملناها ونسيناها وكم من ظلم يمارسه الإنسان على أخيه الإنسان يشعر على حين غرة أنه لن يحاط به ولن يقدر عليه أحد ؛ لكن المحيط وحده سبحانه هو من لا يغفل ولا ينام ولا ينسى ولا يعجزه شيئاً في الأرض ولا في السماء وهو بكل شيء محيط علما وقدرة وقهراً وهو الذي لا يضيع عنده شيء و أحصى كل شيء عدداً.

قال تعالى:( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر آية: 67]، و قال عزّ وجلّ بعد ذكر العصاة والمذنبين: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: من الآية120]، وقال مؤنّسا أولياءه: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) [الإسراء: من الآية60]، قال ابن عبّاس رضي الله عنه: النّاس هنا أهل مكّة، وإحاطته بهم إهلاكُهُ إيّاهم.

أي: إنّ الله سيهلكهم، وإنّما ذكره الله بلفظ الماضي لتحقّق وقوعه، وعنى بهذا الإهلاك الموعود: ما جرى يوم بدر ويوم الفتح.

وقال مجاهد وابن أبي نجيح: معنى أحاط بالنّاس: أي أحاطت قدرته بهم، فهم في قبضته، لا يقدرون على الخروج من مشيئته.

 

وقال الحسن وعروة وقتادة: المراد عصمة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم من النّاس أن يقتلوه، حتّى يبلِّغ رسالة ربّه، أي: وما أرسلناك عليهم حفيظا، بل عليك التّبليغ، فبلِّغ، فإنّا نعصمك منهم، فقدرتنا محيطة بهم.

 

وقد تجلت إحاطة المحيط مع زعيم من زعماء الكفر، وهو عكرمة بن أبي جهل، لكنها كانت إحاطة خير وطريقًا إلى هدايته، فقد كان عكرمة ممن أحلَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دمهم ولو تعلقوا بأستار الكعبة، ففرَّ وركب البحر، فأصابت المركب التي ركبها ريحٌ عاصف،  فقال أصحاب السفينة: أخلِصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئًا هاهنا، فقال عكرمة: «لئن لم ينجِّني في البحر إلا الإخلاص، ما ينجيني في البَرِّ غيره.. اللهم إنَّ لك عهدًا إن أنت عافيتني مما أنا فيه آتي محمدًا فأضع يدي في يده فلأجدنه عفوًّا كريمًا قال: فجاء فأسلم بعد ذلك .

يا من يرى مد البعـوض جناحهـا *** في ظلمـة الليـل البهيـم الأليـل

ويرى مناط عروقها فـي نحرهـا *** والمخ من تلـك العظـام النحـل

ويرى خرير الدم فـي أوداجهـا *** متنقلا من مفصـل فـي مفصـل

ويرى وصول غذى الجنين ببطنها*** في ظلمـة الأحشـا بغيـر تمقـل

ويرى مكان الوطء مـن أقدامهـا *** في سيرها وحثيثهـا المستعجـل

ويرى ويسمع حس ما هو دونها*** فـي قـاع بحـر مظلـم متهـول

أمنن علي بتوبة تمحوا بهـا *** ما كـان منـي فـي الـزمـان الأول.

فمهما بلغت من الذكاء و الحكمة تغيب عنك الكثير من الأمور لأنك بشر .. أما الرب المحيط فلا شيء يغيب عنه لذلك اطلب من المحيط ما تريد..

لا تعجز إذا انتشر الظلم و القهر و الباطل و الهم فالمحيط قد أحاطت قدرته بكل شيء اطلب منه باسمه المحيط و القدير أن ينصر الحق .

وإذا شعرت بالحزن والألم وشعرت بالوحدة .. فارجع للمحيط الذي أحاط بهمك وحزنك واطلب منه الفرج والراحة فهو قادر على تفريج كربك.

فالله المحيط الذي أحاط بكل شيء علماً وقدرة وقهرا .. سيحوطك ممن يكيدون لك.. و يتكلمون عنك.. ويؤذوك من أمامك وخلفك وفي نفسك ومالك وأهلك .. لكن المحيط لن يتركك سيدافع عنك ويعينك لذا كن معه، وصدق الله إذ يقول (إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: من الآية120].

 

 بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم،   قلت ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه .

الخطبة الثانية:

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهدٌ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدٌ أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيرًا    أما بعد:

عباد الله: لكل اسم من أسماء الله آثار إيمانية في حياة الفرد والمجتمع والأمة وإن من الآثار الإيمانية لاسم الله المحيط:

أولاً: الخوف من الله - عز وجل- والحياء منه ومراقبته سبحانه في كل خطرة ولفظة ولحظة وخطوه،لأن علمه سبحانه محيط بكل شيء ولا يخفى عليه شيء دق أو جل خفي أم ظهر.

ثانيًا: البعد عن ظلم العباد والاعتداء عليهم،ذلك بأن الله - عز وجل - قد أحاطت قدرته بكل شيء، فلا يفوته شيء ولا يعجزه شيء،فتذكر هذه القدرة المحيطة تمنع العبد من الاغترار بقدرته على الناس وظلمهم،لأن قدرة الله - عز وجل - فوق قدرته وهو القاهر الذي أحاط قهره بكل شيء، وما من دابة إلا هو سبحانه آخذ بناصيتها.

ثالثًا: إن الإيمان بإحاطة قدرته سبحانه وقهره لكل شيء تثمر في القلب الاستهانة بقوة المخلوق من الأعداء الكفرة والمنافقين بعد الأخذ بأسباب المدافعة لشرهم؛ لأن الله - عز وجل - محيط بهم وقاهر لهم.

وإذا حصل التقوى والصبر من المؤمنين فلن يضرهم كيد الكائدين لأن الله - عز وجل - بما يعملون ويكيدون محيط، قال سبحانه: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) [آل عمران: 120]، وكم أحاط الله بظلمة وطغاة وجبابرة ودول وحضارات تكبرت وتجبرت  وكادت لدين الله وأولياءه وعباده الصالحين فدمرها الله تدميراً وجعلهم عبرة لغيرهم ؟

هذا فرعون كيف أحاطه الله؟ وهو الملك وعنده الجنود والأموال والأتباع والسحرة والقصور والأنهار ؛ قتّل أبناء بنى إسرائيل فأراد الله أن يذله ويحقره فولد موسى عليه السلام وتربى وترعرع في قصر عدوه فرعون ؛ إنها إحاطة الله بأولياءه رعاية ورحمة وإحاطته سبحانه بأعدائه استدراج وعذاب ؛ قال الله عن فرعون وجنوده ـ وهكذا نهاية كل ظالم ( وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ  فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) [القصص39، 40].

رابعاً: الإيمان بإحاطة الله علماً وقدرة وقهراً تكسب المؤمن شجاعة في الحق وثقة بموعود الله وأمناً واطمئنان من نوائب الدهر، ولذا كان أبو إسحاق الثعلبي يُنشِد:

وإني لأدعو الله والأمر ضيِّقٌ ... عليَّ فما ينفكُّ أن يتفرَّجا

ورُبَّ فتى سُدَّت عليه وجوهه ... أصاب له في دعوة الله مخرجا

واعلم أن (المحيط) إذا أراد تقوية العاجز أزال عنه كل موانع القدرة، ورزقه أسبابها.

وإذا أراد (المحيط) إسعاد الحزين أزال عنه موانع السعادة، وهيَّأ له أسبابها.

 

أيها المسلمون: فاز من عرف ربه المحيط ولجأ إليه في فكِّ الحصار المضروب حوله من الشدائد والأحزان.

وتعس من جهل ربه المحيط وخاب من لم يستعِن به في مواجهة الهموم والأهوال والغموم وقهر الرجال، واسمعوا إلى هذا الحديث واحفظوه وعلموه لغيركم ؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما أصاب أحدًا قطّ هَمٌّ ولا حَزَن، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتَك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عَدْلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيت به نفسك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحُزنَه، وأبدله مكانه فرَجًا" فقيل: يا رسول الله ألا نتعلَّمها؟

فقال: "بلى.. ينبغي لمن سمعها أن يتعلَّمها" ( الألباني في السلسلة الصحيحة).

فادعوا الله واستشعروا عظمته وقدرته وإحاطته بكل شيء وتعبدوه بأسمائه وصفاته ؛ فاللهم يا محيط وقد أحاطت بنا الفتن و أحاط أعداء دينك بالمؤمنين، وسام الظالمون عبادك الصالحين ألوان العذاب المهين اجعل لنا ولجميع المسلمين من كل هم فرجا ومن كل ضيقا مخرجا ومن كل عسراً بسراً واحطنا برعايتك واشملنا برحمتك ومغفرتك ..

هذا وصل الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطبين الطاهرين.

 

 

نفسٌ مطمئنةٌ بنور ربِّها

عناصر المادة 1- نورٌ وكتابٌ مبينٌ 2- الشهوات والحكمة من خلقها؟ 3- أسباب انتشار الشهوات المحرّمة 4- علاج الشهوات مقدمة: يصارع الإنسان خلال مراحل حياته المختلفة بعض الشّهوات الإنسانيّة، ولا شكّ أنّ كبح جماح هذه الشّهوات يشكّل تحدياً للإنسان الّذي يطمح إلى المثاليّة والكمال في حي

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح