سلسلة الأخلاق(11) الاعتراف بالاقتراف خلق الأشراف

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 24 يناير 2017 الساعة 06:26:13 مساءً

كلمات دلالية :

الاخلاق
سلسلة الأخلاق(11) الاعتراف بالاقتراف خلق الأشراف

الحمد لله رب العالمين , والعاقبة للمتقين , ولا عدوان إلا على الظالمين , وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين , وقيوم السموات والأراضين , ومالك يوم الدين , الذي لا فوز إلا في طاعته , ولا عز إلا في التذلل لعظمته , ولا غنى إلا في الافتقار إلى رحمته , وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله , أمينه على وحيه , وخيرته من خلقه , المبعوث بالدين القويم , والمنهج المستقيم ,أرسله الله رحمة للعالمين , وإماما للمتقين .

أيها المؤمنون العظماء:

نعيش وإياكم مع خلق عظيم من أخلاق الإسلام، خلق من أخلاق الأقوياء ، وعلامة من علامات الثقة بالنفس التي لا يتصف بها إلا الكبار، الذين لديهم القدرة على مواجهة الآخرين بكل قوة وشجاعة وأدب، خلق اجتماعي جميل يدعو للتعايش، خلق يُزيل الأحقاد ، ويقضي على الحسد ، ويدفع عن صاحبه سوء الظن به، إنه خلق الاعتراف بالخطأ.

((كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون )) حقيقة قررها رسول الله- صلى الله عليه وسلم -في الحديث الصحيح الذي رواه الحاكم في مستدركه عن أنس بن مالك رضي الله عنه , وليس بدعا أو عيبا في الإسلام أن يخطىء الإنسان أو يذنب , فهو مجبول بطبعه على ذلك , ولا يمكن أن يسلم إنسان من ارتكاب الخطأ أو الوقوع فيه - إلا الأنبياء والمرسلون الذين عصمهم الله تعالى عن ذلك - فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم – ( وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ) رواه مسلم

ولكن المشكلة والمعضلة تكمن في الإصرار على الذنب والخطأ , وعدم الاعتراف به أو التراجع عنه , فما هلك من هلك ممن كان قبلنا إلا بإصرارهم على الذنب والخطأ , واستكبارهم عن التراجع عنه أو التوبة منه , وما فاز من فاز من الأفراد والمجتمعات والأمم إلا باعترافهم بالخطأ إذا وقع منهم , و التراجع عنه إذا صدر عنهم .

إنه خلق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام:

ويطيب لنا أن نتوجه إلى الرافضين للاعتراف بالخطأ، نتوجه لهم بهذه الباقة من الكبار العظماء ، إنهم أشرف وأطهر من مشوا على الأرض ، إنهم أنبياء الله ورسله الذين اختارهم الله واصطفاهم، وأدبهم فأحسن تأديبهم ، ومع ذلك فهم يُقدمون لنا الأسوة والقدوة في المبادرة للاعتذار والاعتراف للتأكيد على أنه خلق لا يشين ولا يقلل من قيمة صاحبه.

آدم عليه السلام يعترف بخطئه:

فهذا أبونا آدم وأمنا حواء اعترفا بما اقترفا لما انجراء وراء إبليس اللعين وأكلا من الشجرة، قال الله عنهما: ( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الأعراف:23]

موسى عليه السلام : أخطأ عندما وكز الرجل بعصاه فقتله ، فماذا حدث؟ إنه لم يبرر فعلته ، ولم يراوغ لإيجاد المخارج من هذا المأزق ولكنه اعترف ابتداءً أن ما فعله من عمل الشيطان "" ثم قام ليقدم الاعتذار ويطلب العفو والصفح والمغفرة "

موسى عليه السلام لم يبرر فعلته، ولم يراوغ لإيجاد مخرج مما فعله، لكنه اعترف ابتداء أن ما فعله من عمل الشيطان (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) ثم قام ليقدم الاعتذار ويطلب العفو والصفح والمغفرة من الغفار (قال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [القصص: 15-16]

وعلى هذا فإن موسى -عليه السلام- حين أتى فرعون يدعوه إلى عبادة الله وحده استنكر فرعون أن يكون القاتل نبياً ، وذكَّره بقتله القبطي (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ   الْكَافِرِينَ) [الشعراء: 19] فما كان من موسى عليه السلام أن اعترف بذلك ( قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ  فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) [ الشعراء: 20- 21] .

ونسي فرعون ، أو تناسى أن موسى -عليه السلام- قتل المصري خطأ أمّا هو فطاغية مجرم قتل عشرات الآلاف من المصريين ، واستعبد بني إسرائيل ، وكان يقتل المواليد من الذكور لِحُلم رآه.

والله سبحانه وتعالى وعد المخطئين الذين فعلوا ما فعلوه عن جهل ، وسوء تقدير ، ثم استدركوا ، فتابوا ، بالمغفرة والرحمة ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [ النحل: 119].

نوح -عليه الصلاة والسلام- يطلب المغفرة من ربه:

واعتذر نبي الله نوح -عليه السلام- لربه، وطلب المغفرة منه تعالى فقال: (رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ) [ هود: 47]، كما اعتذر نبي الله موسى -عليه السلام- لربه وطلب المغفرة منه تعالى قائلاً: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [القصص: 16].

عباد الله:

الاعتراف والمناجاة لمن أراد النجاة:

يونس عليه السلام اعترف بما اقترف، فنادى ربه في ظلمات ثلاث، ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، فيا ترى ماذا كانت النتيجة؟

نتيجة الاعتراف، واللجوء إلى الله، فرج الله كربته، ونجاه من الغم، وليس هذا الفرج وكشف الكربات للأنبياء فقط، بل كذلك للمؤمنين المعترفين بتقصيرهم وفقرهم، قال تعالى: ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ  فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء:87- 88].

ابراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام- عابد الرحمن، مكرم الضيفان، مطفئ النيران، مكسر الأوثان رُغم هذه الصفات العظيمة لإبراهيم الخليل-عليه السلام- إلا أنه اعترف بخطئه وتقصيره، فقال في آخر عمره كما قال تعالى: ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)[الشعراء:82]

النبي -عليه الصلاة والسلام- يعلمنا فقه الاعتراف بالخطأ:

علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقه الاعتراف بالخطأ ودلنا عل سيد الاستغفار حتى لا يطغى الإنسان

ويعلم علم اليقين أنه مقصر في حق الله مهما كان تقياً ورعاً.. قال - عليه الصلاة والسلام -: ((سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت قال: من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة))[رواه البخاري].

أيها الأحباب الكرام:

أول المبشرين بالجنة يعلمه البشير النذير كيفية الاعتراف بالتقصير:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه قال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: علمني دعاء أدعوا به  في صلاتي، قال: ((قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)) رواه البخاري

الله أكبر!! أبوبكر الصديق يعلمه النبي هذا الدعاء وهو الذي قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو أن إيمان أبي بكر في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجح إيمان أبي بكر، أبوبكر الصديق الذي صحب النبي في الهجرة، وأنفق كل ما يملك، ومع هذا يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: ((قل اللهم إني ظلمت نفسي....))، ما أحوجنا نحن المذنبون والمقصرون إلى ان ندعوا بالدعاء الذي أوصى به النبي-عليه الصلاة والسلام-

 لأبي بكر الصديق-رضي الله عنه-.

ملكة سبأ لم يمنعها ملكها ومالها وقوة جيشها ومكانتها أن تعترف بخطئها:

هذه ملكة سبأ تعتذر لربها -عز وجل- حينما رأت آياته ورأت ملك سليمان: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [سبأ: 44]

الاعتراف بالخطأ والهفوات يرفع الدرجات:

قال تعالى: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) [آل عمران:134-135]

الاعتراف بالتقصير والاعتذار من صفات الأبرار:

الاعتراف مِنْ أَخْلاَقِ المُؤمنِينَ، ومِنْ صِفَات الأَبْرارِ الخَيّرِينَ، قَالَ تَعالَى في وَصْـفهمْ: (وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) [ الرعد: 22]، إِنَّهُمْ يُخْطئُونَ ولَكِنَّهمْ يَعتَرفونَ ويَتُوبُون، ويستغفرون ويعتذرون.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم واستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية:

الحمدلله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشانه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم عليه وعلى أصحابه وإخوانه وسلم تسليما كثيرا أما بعد ..

معاشر المسلمين الأماجد:

كما وجدنا من يعترف بخطئه لربه، فهل هناك من يعترف بتقصيره تجاه أمته ومجتمعه؟!

حبيبنا محمد -عليه الصلاة والسلام- مع الصحابي سواد -رضي الله عنه-:

وفي قصة سواد -ذلك الصحابي الجليل- في يوم أحد حينما كان -صلى الله عليه وآله وسلم- يصف الصفوف، وإذا بهذا الرجل متقدمًا على الصف، فيؤخره -صلى الله عليه وآله وسلم- ويقول له: "استوِ يا سواد"، فيتأخر ويتقدم، فيراه النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مرة أخرى، فيأتي إليه ويأخذ سواكه -صلى الله عليه وآله وسلم- ويطعن هذا الرجل ببطنه ويقول: "استوِ يا سواد"، فيقول: لقد أوجعتني يا رسول الله، أقدني من نفسك، فيقوم -صلى الله عليه وآله وسلم- ويكشف عن بطنه ويقول: "اقتص لنفسك" فيقبل هذا الصحابي على بطن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- تقبيلاً لها وتمريغاً لوجهه ويقول: والله يا رسول الله ما قصدت إلا أن يكون آخر شيء مني هو التصاق جسدي بجسدك، أي لعل الموت والشهادة تدركني وأنا في هذا الموقف، وهذا كله اعتراف من النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بأنه آذى هذا الصحابي الجليل.

قد كان السلف الصالح نموذجا يحتذى به في التمسك بالحق مع الاعتراف بالخطأ:

فها هو الصحابي الجليل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه , يتراجع عن رأيه الذي ظهر له فيه خطأ , بعد أن نبهته امرأة لذلك , حين عزم على تحديد مهور النساء وعدم المغالاة فيه , فقد ورد في سنن البيهقي وغيره عن الشعبي قال : ( خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال : ألا لا تغالوا في صداق النساء , فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شيء ساقه رسول الله صلى الله عليه و سلم أو سيق إليه , إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت : يا أمير المؤمنين أكتاب الله تعالى أحق أن يتبع أو قولك ؟!! قال بل كتاب الله تعالى فما ذاك , قالت : نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء والله تعالى يقول في كتابه { وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } النساء/ فقال عمر رضي الله عنه : كل أحد أفقه من عمر مرتين أو ثلاثا , ثم رجع إلى المنبر فقال للناس : إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء , ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له ) سنن البيهقي

لقد كان الحق مرادهم وغايتهم , والوصول إلى الصواب سعيهم وطلبهم , فإذا ما ظهر هذا الحق , اتبعوه وانقادوا إليه , بكل يسر و سهولة , وتركوا ما كانوا عليه من الاجتهاد الذي بدا لهم عدم صوابه , فلم يتعصبوا لرأي , ولم يتحجروا لمذهب أو اجتهاد , ما دام القرآن والسنة الحكم والفيصل بينهم .

أيها المسلمون الموحدون:

إن الاعتذار شاق على كثير من الناس , وقليل من يستسيغه ويتحمله وخاصة بين من يعتدون بأنفسهم , ممن نشؤوا منذ نعومة أظفارهم على الأثرة والترفع , فيصعب عليهم جدا أن تخرج كلمة الاعتذار من أفواههم أو أن يقبلوا اعتذار ممن يعتذر , ربما يسهل على المرأة النطق بجمل الاعتذار , بل أحيانا ما تكون جمل الاعتذار من مفردات حديثها الطبيعي , ولكن الصعوبة الحقيقية في اعتذار الرجل وخصوصا في عالمنا العربي , إذ يعتبر معظمهم – لعوامل تربوية متجذرة في الأعماق - أن الاعتذار في حد ذاته جالب للمهانة ومنقص للكرامة .

كم من بيوت خربت، وكم من قضايا رفعت وأضاعت الوقت والجهد والمال , وكم من عداوات دامت طويلا وأثرت على أجيال متعاقبة وتسببت في قطيعة أرحام طويلة ممتدة , وكم من دماء أهريقت بين الرجال أو الأسر , وكان يكفي لوأدها في مهدها كلمة واحدة فقط وهي كلمة الأسف أو الاعتذار , والتي لو قيلت بعد

مرور وقت لن تجدي نفعا ولن يكون لها أية قيمة ولا أثر , فلِم تتكبر عنها النفوس التي تعلم أن العودة للحق خير من التمادي في الباطل ؟

عباد الله:

كم من النزاعات والصراع بين الأصحاب والأصدقاء وكم حدث التهاجر بين الجيران بسبب عدم إقرار مرتكب الخطأ بخطئه وإصراره عليه... لقد قال أبو ذر - رضي الله عنه - لبلال يوماً يا ابن السوداء عيره بأمه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية)) فتاب وندم وأعترف بخطأه وجرمه فلم يسوغ لنفسه أو يبرر لها أنه كان في وقت غضب أو غير ذلك بل لما رأى بلال قادم وضع خده على التراب وقال يا بلال والله لا أرفع خدي حتى تضع قدمك على خدي الآخر اعترافا منه بخطئه فقال بلال والدموع تملاء عينيه قم يا أخي والله لا أضع قدمي على وجه سجد لله وأخذ يحتضنه ويقبله.

إن آفة العمل الإسلامي اليوم هو عدم رجوع بعض قادة وزعماء بعض الأحزاب والجماعات فيه عن خطئهم ،وقد ظهر ذلك جليا في أكثر من بلد عربي وإسلامي -رغم وضوح الحق وجلائه كعين الشمس كما يقال , ورغم اجتماع معظم علماء وفقهاء العالم على هذا الرأي , بل رغم وضوح هذا الحق لعامة المسلمين وبسطائها , فضلا عن علمائها ومفكريها وفقهائها, فماذا يسمى ذلك غير تعصب مرذول ؟! ومخالفة للإجماع الإسلامي مذموم ؟!

فإذا كان قادة العمل الإسلامي وواجهته من الدعاة والعلماء لا يتراجعون عن الخطأ إذا وقعوا فيه أو خالطوه , فكيف يمكن أن نطلب من عامة المسلمين التراجع عن أخطائهم ؟؟!! وكيف يمكن أن نبني مجتمعا إسلاميا في بلادنا العربية والحال كذلك ؟؟!!

إذا لم نعترف بأخطائنا اليوم، فمتى نعترف؟!

 سنعترف بها حتماً في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ولا ينفع فيه الندم والاعتذار والاعتراف بالأخطاء عندما نقف بين يدي الله يوم القيامة وعندما يعاين الناس العذاب قال -تعالى - عن هؤلاء واعترافهم وتبريرهم

لأخطائهم: (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين ربنا أخرجنا منها فأن عدنا فإنا ظالمون * قال أخسئوا فيها ولا تكلمون * إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا ءامنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون * إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون) [المؤمنون: 106-111].

وهؤلاء المجرمون ، وهم في العذاب الشديد يدعون على أنفسهم ، فهم الذين أوقعوها في جهنّم ، فيخبرهم الله تعالى أنه يكرههم ، ويمقتهم أكثر مما يكرهون أنفسهم ويمقتونها

      ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ   قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ    ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ)[ غافر:10-12].

أسال الله أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى ،واسأله أن يجعلني  وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنة أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب اللهم أصلحنا وأصلح شباب المسلمين اللهم أصلحنا وأصلح بنات المسلمين اللهم أصلحنا وأصلح نساء المسلمين اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل معصيتكم ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر يارب العالمين اللهم اجعل هذا البلد آمناً وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه اجعل لنا وللحاضرين من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ومن كل عسر يسراً ومن كل ظالم نجا، ارزقنا جميعاً من حيث لا نحتسب من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين  بسوء فاشغله بنفسه واجعل كيده في نحره اللهم اجعل اجتماعنا هذا  اجتماعاً مرحوماً واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً ولا تجعل فينا ولامنا ولا معنا شقياً ولا محروماً لا تخرجنا جميعاً من هذا المكان إلا بذنب مغفور وسعي مشكور وتجارة رابحة لا تبور ......عباد الله صلوا وسلموا على المبعوث رحمة للعالمين حيث أمركم فقال (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.....)

 

 

الترغيب في صلة الرحم وخطر القطيعة

فيا عباد الله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]. واعلموا -يا رعاكم الله- أن صلة الرحم من أسباب دخول الجنة، ومن أسباب الفلاح، ومن أسباب البركة في النفس والأهل والمال، ومن أسباب السعادة في الدنيا والسعادة في الآخرة،

مجازر المسلمون في أراكان

ايها الإخوة المؤمنون لقد بين الله جل وعلا في كتابه الكريم صفة الظالمين , وحذر الله تعالى من الوقوع في الظلم والطغيان والبغي ,وامر الله تعالى جميع القادرين على أن يقفوا مع المظلومين ,ويكشف كربات المكروبين ,ويخفف عن مصاب المصابين ,وبين الله جل وعلا انه قادر على اهلاك الظالمين ( وَل

سلسلة الأخلاق (16) خلق العفو والصفح

فياأيها الأحبة الكرام في الله : من منا لا يسعى من أجل عفو الله ومغفرته، إذا أردت أن يحقق الله أمنيتك ينبغي عليك أن تحقق هذا الخلق في حياتك وواقعك، وأسرتك ومجتمعك. إنه العفو والصفح أيها الفضلاء. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ