المدرسة بين الواقع والتنظير

التاريخ: الثلاثاء 17 يناير 2017 الساعة 05:17:24 مساءً

كلمات دلالية :

المدرسة
المدرسة بين الواقع والتنظير

قد يتساءل القراء الأكارم عن سر اختيار هذا العنوان خاصةً لهذا الموضوع، وفي حقيقة الأمر، سأفصل في هذا الموضوع حتى تستبين الرؤية بوضوح، ويُدرك ما أرمي إليه بالضبط من خلال هذا الخيار.

نعلم جميعًا أن من أبرز وأحدث أساليب التعليم السائدة في العالم اليوم: "التدريس بالكفاءة"، بمعنى أن المدرس يسعى إلى تنمية كفاءة تعلم المادة لدى متعلمه، فلم يعد هذا المدرس هو المسيطر في العملية التعليمية، ولم تعد المادة العلمية هي محور العملية التعليمية بحد ذاتها، بل أصبح المتعلم هو محورَها، وهو من ترتكز عليه العملية التعليمية، حتى يُصبح متمكنًا من المادة التي يدرسها، هذا ما نطلق عليه ونسميه: مثلث العملية التعليمية؛ أي: "المعلم والمعرفة والمتعلم"، وأساسها ومحورها هو المتعلم.

هناك مَن يجعل هذا المثلث مربعًا، وذلك بإضافة عنصر رابع، ألا وهو المحيط؛ لأن المتعلم عندما يكتسب المعرفة العلمية الملقَّنة إليه من طرف مدرسه، هو يعيش في محيط، وهذا المحيط مؤثر في المتعلم، والمتعلم مؤثر فيه أيضًا، أضرب لكم مثالًا حتى تستوضحوا الفكرة، في مجال تعلم اللغات الأجنبية أصبح لزامًا على المعلم أن يُكسب المتعلم المعرفة العلمية الكفيلة بجعل المتعلم قادرًا على استخدام واستثمار اللغة في محيطه، فما فائدة اكتساب اللغة إذًا؟! فحتى لو كان هذا المتعلم متحصلًا على نقاط عالية، وفي قسمه ممتازًا، لكن عجزه عن الاستفادة منها في حياته العملية كفيل بتهديم العملية التعليمية ككل؛ لأن لها مرتكزاتٍ حتى تنجح، وتبدأ بالمعلم مرورًا بالمعرفة العلمية إلى المتعلم، مع إضافة المحيط الخارجي الذي يحيط به والمؤثر فيه أيضًا.

في الدول التي سبقتنا أشواطًا في ميدان التعليم، لهم منهج يتبعونه، وهو ما يُصطلح عليه "المعرفة العالمة"، ونقصد بها المعرفة المتمكن منها المختصون حصرًا، وهم العلماء، حتى تُنشر فيما بعد عن طريق التربويين الذين يسعون إلى إدخالها في مناهج التعليم، فتصبح بذلك في متناول كل المتعلمين، تناولت هذه النقطة لأُبيِّنَ أن وضع البرامج التعليمية يكون تبعًا لواقع التعليم، فإذا كان البرنامج لا يُساير مستوى المتعلم أو طبيعة ثقافته أو بيئته التي يعيش فيها، سيفشل هذا البرنامج فشلًا ذريعًا، وبعد عشر سنوات أو عشرين سنة سيَحدث شرخ يصعب رأبه؛ ولهذا لزامًا أن توضع البرامج بعد دراسة مستفيضة للمعرفة، ومدى إفادتها للمتعلم، وتدمج في البرامج التعليمية بيُسر وسهولة، فيهضمها المتعلم، ولا تحدث لديه صدمات تصده عن التعلم وتقبُّل المعلومة.

أدلف إلى نقطة أخرى أراها في غاية الأهمية في هذا الصدد، ألا وهي الطريقة البنائية في التعليم؛ حيث تبدأ العملية التعليمية في القسم بـ: "المعرفة ثم فهمها ثم تحليلها ثم تركيبها ثم تقويمها"، انطلاقًا من هذا المسار، يتضح لنا مقدار أهمية وضع خارطة طريق واضحة المعالم في التعليم، فأنا عندما أدرِّس المتعلم أسعى إلى إكسابه المعرفة وشرحها له وتمكينه من تحليلها وتركيبها وحده، ثم المتعلم هو من يُقوِّمُ ذاته، وإذا لم يتم تحقيق هذا المسار فيكون الدرس قد فشل، وتنهار كل العملية التعليمية، لهدم إحدى ركائزها، وهو المتعلم.

ننوِّه دومًا بأهمية التعليم في بناء المجتمعات، بداية من الطور الابتدائي إلى المتوسط إلى الثانوي، وإذا لم يتم اتباع أحدث الطرق التعليمية، ووضع برامج موافقة لواقع المتعلم وقدراته واستعداداته، والفهم الصحيح لسيرورة الدرس وتوصيل المعلومة، لن ننجح في تنشئة الجيل الذي نرومه، نحتاج إلى مزجٍ ملموس لواقع المدرسة مع أحدث النظريات التعليمية، حتى تُحقَّق الأهداف المسطرة، أما أن تكون البرامج مثالية ولكنها غير مكيفة مع واقع المتعلم، سيحدث خلل لا تحمد عقباه، فكما يقول المفكر الراحل "مالك بن نبي": (هناك عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأفكار)، فكل عالم يجب ضبطه ومراعاة متطلباته؛ فالإنسان يعيش في عالم تربطه مع غيره علاقات اجتماعية، كما أنه يُحيط به العالم المادي الذي يستثمره ويُفيد منه، وعالم الأفكار المُرتبط بجوهر الإنسان ومداده الأصيل، ألا وهو العقل، وهو محور وهدف كل نظام تعليمي ما.

إن دور القائمين بالتعليم هو النهوض بهذا القطاع من خلال وضع بصمة تجعل من جيل المتعلمين وخريجي المدارس قد استوفوا حقهم من المعرفة العلمية وأصبحوا متمكِّنين منها، بمستوى يؤهلهم إلى الأطوار التعليمية التي تليهم؛ لأن الحياة في تغيُّر مستمر، والمتعلم هو إنسان فاعل في الحياة، سيتغير معها بطبيعة الحال؛ ولهذا يجب أن تواكب المناهج التعليمية هذا التغير، رويدًا رويدًا، حتى تصبح لنا المدرسة التي نفخر بها في مجتمعنا، وينشأ الجيل الذي يواكب عصره وقادر فعلًا على تحقيق الوثبة الحضارية، التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها.