المعلم المربي

التاريخ: الأربعاء 28 ديسمبر 2016 الساعة 06:04:54 مساءً

كلمات دلالية :

المربي المعلم
المعلم المربي

في مختلف مراحلنا الدراسية، مررنا بمدرسين ومعلمين ومربِّين كُثُر؛ بعضهم كان له دور كبير في تشكيل توجهاتنا وقناعاتنا وسلوكياتنا، وفي جوانب قد لا يكون لها علاقة بتخصصهم الدراسي، لا زلت أذكر بعضهم باسمه وشكله وكنيته، بل وبعض كلماته التي تركت أثرًا كبيرًا.

فمثلًا:

الأستاذ هاني - أبو علي - كان مدرس الأحياء بالمرحلة الثانوية، لكني أعتقد أنه كان له دور كبير في بناء القناعات الدينية والتوجهات الشخصية لي ولكثير من طلابه؛ من خلال سلوكياته الطيبة، وتواضعه وأخلاقه العالية، وحرصه على تعليمنا وتخطيط مستقبلنا، فقد كان مشرف نشاط التوعية الدينية، رتب لنا من خلالها دورة في الإسعافات الأولية، ورتب لنا من خلالها رحلة حج لمجموعة من الطلاب، رافقنا هو شخصيًّا بها.

أذكر أنه وجَّه نصيحة لنا بالحرص والاجتهاد؛ لأنه سيأتي يوم يبحث فيه صاحب التقدير "جيد جدًّا" عن مقعد في إحدى الجامعات فلا يجد، وكنا في وقتها يستطيع صاحب المعدل 85% أن يلتحق بكلية الطب.

كنت في المرحلة الثانوية عريف الفصل، ولا يرتفع تقرير الغياب اليومي للإدارة إلا عن طريقي وبعد تدقيقي، فكان يطيب لي في بعض الأحيان أن أغيب عن الحصة الأولى (النوم سلطان)، لم يعنفني يومًا أو يطردني من حصته أو يرسلني للإدارة؛ كان مقتنعًا أني طالب جيد، ولكن لديه صعوبات ومشكلة في النوم، ناقَش معي عدة مرات - وبأسلوب هادئ - الأسباب والحلول! أهم نقطة في الموضوع أني كنت أشعر من سلوكه أنه - برغم كل شيء - يحترمني جدًّا ويؤمن بي كشخص ناجح.

هل تصدقون أنه كان يتصل بي عدة مرات في المنزل لإيقاظي لحضور حصته التي كانت الأولى يومي الأحد والثلاثاء؟ تُرى ما الذي كان يدفعه لفعل ذلك؟

في جميع أفعاله وأعماله ترى جهدًا ووقتًا يُبذَل، ودروسًا من خلال تعامله معنا كرجال وليس كطلاب، تُرى ما الذي كان يدفعه لذلك البذل والعطاء؟

على الرغم من أنه قال لنا ذات مرة: "إنه يحرص علينا لترك أثر طيب؛ فيومًا ما سيصبح أحدنا مسؤولًا أو طبيبًا أو مديرًا لإدارة، وقد يحتاج إلى أحدنا يومًا ما"، ولكني متيقن أن ذلك لم يكن السبب الحقيقي، وأكاد أجزم أنه أذكى من ذلك بكثير.

هناك شخصيات جُبِلت على العطاء، الإيجابية وترك الأثر الطيب أحد أهم مكوناتها وأبرز ملامحها، أعتقد أنها اجتمعت له ولا نزكِّي على الله أحدًا، بالإضافة إلى أنه كان يرجو أجر ما قدَّم عند الله، والله وحده يعلم كم شاركَنا من أجور في أعمال تعلمناها منه لم يبذل بها أي مجهود؛ وإنما نثر بذرتها فقط، نعم، هذا هو الاستثمار الذكي، ربح البيع أبا علي.

... كم أتمنى لقاءه!

مثال آخر:

الأستاذ عقيل، كان مدرس المواد الدينية، لم يكتفِ بشرح المناهج وتعليمنا مبادئ التوحيد والتفسير والفقه، وإنما استغل طيبته وشخصيته المرحة والبسيطة ليكون قدوة لنا ويسرب لقلوبنا المنهج الصحيح وحب الدين والتمسك بمبادئه والالتزام بتعاليمه، كان يناقشنا في قضايا الأمة الراهنة بهدوء، ويأخذنا بأسلوب سلس محبَّب لحب الدين، باختصار كان قدوة حية أمامنا بأفعاله، ونموذجًا محبَّبًا للقلوب عن رجل متدين، يطبق الدين وتعاليمه كمنهج في حياته.

بعد مرور عدة أعوام، الْتقيته ذات مرة عند أحد العلماء، واكتشفت وقتها أنه طالب علم متمكن ومهتم بالمشاريع الدعوية، لم نلحظ ذلك أبدًا من خلال تعاملنا معه.

لا يسعني عندما أتذكرهم إلا أن أدعو الله سبحانه وتعالى أن يجزيهم عنا خير الجزاء في الدنيا والآخرة، وأن يعيننا على شكر ما تفضلوا به علينا بعد الله.

ما ذكرته مجرد مثال يمكن تطبيقه في مواضع كثيرة؛ فصاحب الشركة أو مدير الإدارة قد يتسنَّى له دور مشابه مع موظفيه؛ من خلال أسلوبه في التعامل معهم والحرص عليهم.

في حلقات ودور التحفيظ، في المكاتب والمشاريع الدعوية، الأئمة والمؤذنون، المشاريع الخيرية والإغاثية، فالمحسن قد يكتفي بالعطاء وقد يمتد دوره لأبعد من ذلك، وأهمها في منازلنا ومع عائلاتنا وأبنائنا كآباء وأمهات!