" أفشوا السلام بينكم "

خاص عيون نت

التاريخ: الأحد 13 نوفمبر 2016 الساعة 06:38:20 مساءً

كلمات دلالية :

السلام

إذا لم يغلغل الإنسان النظر في معنى السلام فإنه يبقى حائرا أمام قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم " (رواه مسلم)، ويحق له أن يتساءل كيف تؤدي كلمة بسيطة يسمعها المرء ويقولها عشرات المرات يوميا إلى خلق جوّ من المحبة والألفة في العلاقات بين الناس ؟ والواقع أن السلام الذي يؤدي هذا الغرض العظيم ليس كلمة يتم تبادلها بحكم العادة وإنما قولها تعبير خارجي عن قناعة داخلية وتجسيد لمبدأ راسخ يجب أن يصدر عنه المسلم  ، هو الثقافة السلمية ، فالأصل في العلاقات بين الناس هو السلم والأمن كما يدل على ذلك النسق الإسلامي كله ، وعندما يلقي المؤمن السلام على غيره فكأنما يقول له : أنت في حفظ الله ، الله معك ، الله يصحبك ، سلامة الله ملازمة لك ، ذلك أن السلام اسم من أسماء الله يؤتي ثماره التربوية في واقع الناس عندما يتعاملون معه بوعي وبصيرة ، والمؤمن المتخلق بأخلاق الله يحمّل السلام الذي يلقيه على الغير شحنة من الأمن والعافية والطمأنينة والخير ، فكأنه يقول لهم : لا تخافوا مني ولا تخشوا جواري ولا كلامي ولا سلوكي ، فإنما كل ما يصدر مني سلم بحكم إيماني بأبعاد اسم الله تعالى " السلام " ، ولنا أن نتصور النقلة البعيدة التي يحدثها مثل هذا الفهم وهذا السلوك في العلاقات الاجتماعية ، إنه ببساطة يخلق " التحابّ " الذي تحدث عنه من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم ، وإننا نشكو من سيطرة الثقافة العدوانية بين المسلمين رغم شيوع صيغ التحية بالسلام عندهم لأنها صيغ طقوسية آلية لا حظّ لها من الرسوخ الفكري والوجداني ، لذلك يطلقون كلمة السلام بأفواههم بغير اكتراث بخلفياتها التربوية الإيمانية وأبعادها الواقعية الملموسة ، فأنى لهذا المنهج المتناقض أن يجعل المحبة تنبع من تحيتهم وتحكم علاقاتهم ؟

إن علاج أمراض المجتمع يبدأ من إحلال ثقافة السلم والرحمة محل ثقافة العنف والنقمة ، وتحية " السلام "  اذا فقهنا معناها وأصبحت تجسيدا لتصور عقدي واضح كفيلة بطرد المشاعر السلبية من النفوس وتحويلها إلى مشاعر إيجابية تبعث على البناء بدل الهدم وعلى الجمع بدل التفريق وعلى إيقاد شموع الأمل بدل إضرام النار في الأخضر واليابس ، وهذا عين ما يدل عليه الحديث النبوي ، وقد رأينا في القرآن والسنة والسيرة كيف ينشئ الإسلام العلاقات السلمية بينه وبين الناس كافة ولو بمصالحة الخصوم على شروط أحادية الجانب كما حدث في الحديبية ، أفلا يكون ذلك أولى إذا تعلق الأمر بالعلاقات بين المسلمين أنفسهم ؟ وكيف يمكن لنا إقامة الحجة على الشعوب (لتكونوا شهداء على الناس) وإقناعها بسلمية ديننا مبدئيا واسترتيجيا إذا كنا نرى من أنفسنا خلاف ذلك ؟ وأي تناقض أكبر من رفع شعار الإسلام شفويا ومخالفته تأصيلا وسلوكا ؟ ذلك أن من المسلمين قوما مازالوا يؤصلون للعدوانية والعدائية في العلاقة مع غير المسلمين ، وذلك ما جعل مساحة المختلف عليه تتسع على حساب مساحة المتفق عليه حتى إذا رسخ ذلك كفلسفة عامة أصبح يتناول حتى علاقات المسلمين فيما بينهم بسبب التوسع الجنوني في معاني الخيانة والزيغ والانحراف والكفر.

وها نحن نرى مدرسة من المدارس الاسلامية تحتكر النطق باسم الدين و تخلع على نفسها ألقاب الطائفة المنصورة والفرقة الناجية وأتباع السلف الصالح ، بلغت ثقافتها العدوانية حدّ منع أتباعها من إلقاء السلام على المسلمين من غير نحلتهم حتى لو كانوا علماء عاملين ودعاة مخلصين ومصلحين معروفين ، بل خاصة إذا  كانوا من العلماء والدعاة والمصلحين !!! وبذرائع واهية وقراءة متعسفة للنصوص الدينية يغدو المخالف لهم في الرأي خصما لدودا وعدوّا ممقوتا لا يجوز مبادرته بالسلام ولا ردّ السلام عليه  ، ما علاقة هذا بالسنة النبوية ومنهج الساف ؟ هذه قمّة الغباء والحمق يبلغها بعض الناس حين يصيبهم هوس ديني يُحوّلهم إلى مسخ من الخَلق يتفنّن في تكثير الأعداء باسم الاسلام ! فكيف سينمو الحبّ بين المسلمين ؟ وكيف يمكننا تصدريه لغيرنا ؟ مع الأسف أصبح دين الله تعالى مرادفا – بسبب التلقي الخاطئ والسلوك المعوج – للعدوانية وقطع الأرحام ونبذ العلاقات الودية التي حين تخلّق بها الدعاة والتجار في الزمن الأول فتحوا آسيا وافريقيا بغير سلاح ، وحين تخلى عنها الأدعياء سرى النزاع القاتل والاختلاف المذموم داخل المجتمع المسلم الواحد فأصابه الوهن ، يقوم بهذا بعض الناس وهم مطمئنون إلى ذرائع الولاء والبراء والبغض في الله لأن تحجر عقولهم وقسوة قلوبهم وخلفية موردتهم لم تترك مكانا للمحبة في دنياهم ، وها هم " الجهاديون " الذين يحتكرون هم أيضا عناوين الاسلام والسلف والحق لم يسقط على أيديهم جندي صهيوني واحد ، ولا أمريكي ولا روسي ، في  حين تسيل دماء المسلمين أنهارا بسلاحهم لأنهم تخرّجوا من محاضن فكرية وفقهية متحجرة  تعدّ الكلام عن السلام والمحبة والإنسانية بدعة منكرة وسلعة غربية لا يجوز التدنس بها.

إنها مشكلة الثقافة الدينية المغشوشة التي تُفسد التصوّر والأفكار والمشاعر وتجعل من الحلّ مشكلة ، وهذا يحيلنا إلى مزيد من التخلّف الحضاري  ويضيف إلى حياتنا مزيدا من الأزمات النفسية والمشكلات الاجتماعية ويعرقل العمل الدعوي إلى أبعد حدّ ، والأمة التي يحدث لها هذا التراجع لن تتقدم لأنها ستبقى تراوح مكانها ، تناقش البديهيات وتؤصل لها بدل الانخراط في العمل الراقي الفعال الذي يُصلح الدنيا والآخرة.

إن السلام المنتج للمحبة ثقافة ، وهو عامل أصيل في العملية التربوية يجدر الإقبال على توضيحه وترسيخ معانيه وأبعاده وردم الفجوة بين كلمة "السلام " وواقعنا.       

 

أعتذر ....أنا آسف

النضج والنقاء والطهارة والعفة والتسامح والتسامي مفاتيح تقفل بها أفواه وتفتح بها قلوب وتنير بها عقول فهنيئاً لقلوبٍ من سلامة صدرها لا تحمل إلا الخير للناس قال الفضيل بن عياض: من أوتي صدراً سليماً لإخوانه فقد تعجّل شيئًا من نعيم الجنة (ونزعنا ما في صدورهم من غِلٍّ إخوانا على سر

الأخوة في الله من دعائم النفس والمجتمع

المجتمع الذي ينشد التطور والتقدم ويرنو إلى النور والارتقاء، كان لا بد أن يقيم أركانه على دعائم متينة وأركان راسخة تهيئ له الصمود في تقلبات الزمن والأحوال، وتدفع به لتجاوز العثرات في تقدم الأمم والشعوب بل وفي الأفراد أنفسهم. ولن تجد في أي زمن من الأزمان أو عصر من العصور مثل الم

أمور تعين على تهذيب النفوس وتزكيتها

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فمن رحمة الله عز وجل بعباده أن يسَّر لهم أسباب الهداية، فأرسل لهم رسولًا يتلو عليهم آياته ويزكيهم؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَ