الإخلاص لله في البيئة التعليمية

التاريخ: الخميس 13 اكتوبر 2016 الساعة 05:20:56 مساءً

كلمات دلالية :

التعليمالاخلاص
الإخلاص لله في البيئة التعليمية

تحتاج البيئة التعليمية إلى تطهير النفوس بين أفرادها؛ فالمتعلمون بحاجة إلى تطهير أنفسهم مع بعضهم البعض، والمعلمون بحاجة إلى ذلك فيما بينهم، والمعلمون والمتعلمون بحاجة إلى إحياء أنفسهم بالإخلاص لله تعالى، وتوحيده، وحُسن الظن بالآخرين، كي يتحققَ الأمن النفسي بين الأفراد في البيئة التعليمية، مما ينعكس على سير العملية التعليمية برمتها، وهذا التطهير والإحياء للنفوس ذكره ابن مفلح المقدسي -رحمه الله- في عدة نقاط كالتالي:

 

الإخلاص لله تعالى:

 

جاء في مختار الصحاح، في مادة خ ل ص: (خلص) الشيء صار (خالصًا)، وبابه دخل، و(خلص) إليه الشيء وصل، و(خلَّصه) من كذا (تخليصًا)؛ أي: نجاه (فتخلص)، و(خُلاصة) السمن بالضم: ما خلص منه، وكذا (خِلاصته) بالكسر، و(أخلص) السمن: طبخه، و(الإخلاص) أيضًا في الطاعة: ترك الرياء، وقد (أخلص) لله الدِّين، و(خالصه) في العشرة صافاه، وهذا الشيء (خالصة) لك؛ أي: خاصة، و(استخلصه) لنفسه: استخصه"[1].

 

والمعاني اللغوية السابقة كلها تدور حول: تخليص المعاملة من الشوائب.

 

قال ابن مفلح المقدسي -رحمه الله-: "فصل في إصلاح السريرة، والإخلاص، وعلامات فساد القلب"[2]، والمعلم والمتعلم ينبغي عليهما أن يهتما بهذا الجانب أشد الاهتمام، ويعتنيان به أشد العناية، وقد كان العلماء المسلمون يوصون أنفسهم أولاً بالإخلاص لله تعالى في جميع العبادات، وخصوصًا طلب العلم، ويوصون إخوانهم العلماء بذلك أيضًا، ويوصون المتعلمين به أيضًا، وهذا إن دل فإنما يدل على عِظَم وأهمية الإخلاص في طلب العلم، وأن هذا الأمر تزكو وتصلحُ به النفوس، وقد أشار إلى ذلك ابن مفلح المقدسي -رحمه الله- فقال: "في الأثر: مَن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله -عز وجل- أصلح الله ما بينه وبين الناس، قال سفيان بن عيينة: "كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات"، فذكر ذلك، وفي آخره: ومن عمل لآخرته كفاه الله -عز وجل- أمر دنياه؛ رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص"[3].

 

ثم أشار ابن مفلح المقدسي -رحمه الله- إلى محل الإخلاص من الجسد، وتأثيره على بقية الأعضاء، فقال: "وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص: ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلَحت صلَح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد"[4].

 

ثم نقل ابن مفلح المقدسي -رحمه الله- كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، فقال: "قال الشيخ تقي الدين -رحمه الله-: فأخبر أن صلاح القلب مستلزم لصلاح سائر الجسد، وفساده مستلزم لفساده، فإذا رأى ظاهر الجسد فاسدًا غير صالح، علم أن القلب ليس بصالح، بل فاسد، ويمتنع فساد الظاهر مع صلاح الباطن، كما يمتنع صلاح الظاهر مع فساد الباطن؛ إذ كان صلاح الظاهر وفساده ملازمًا لصلاح الباطن وفساده"[5].

 

ثم شرح ابن مفلح المقدسي -رحمه الله- كلام شيخ الإسلام فقال: "قال عثمان -رضي الله عنه-: ما أسَرَّ أحد سريرةً إلا أظهرها الله -عز وجل- على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، وقال ابن عقيل في الفنون: للإيمان روائح ولوائح لا تخفى على اطلاع مكلف بالتلمح للمتفرس، وقلَّ أن يضمر مضمِر شيئًا إلا وظهر مع الزمان على فلتات لسانه، وصفحات وجهه"[6].

 

ومن حقق الإخلاص بصدق، استحق مرتبة العبودية لله تعالى، التي هي أشرف مقامات العبد عند الله -عز وجل-؛ قال ابن مفلح -رحمه الله-: وعن أبي هريرة مرفوعًا: ((إن العبد إذا صلى في العلانية فأحسن، وصلى في السر فأحسن، قال الله -عز وجل-: هذا عبدي حقًّا)) رواه ابن ماجه"[7].

 

وكان من عادة العلماء والعباد، أنهم لا يفرَحون بمدح المادحين؛ وذلك لأنهم استكملوا حقيقة الإخلاص، وذاقوا طعمها، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه المعلم والمتعلم داخل البيئة التربوية التعليمية؛ قال ابن مفلح المقدسي -رحمه الله-: "وروى أحمدُ عن مالك بن دينار قال: مذ عرفتُ الناسَ لم أفرح بمدحهم، ولم أكرَهْ مذمَّتَهم، قيل: ولمَ ذاك؟ قال: لأن حامدهم مفرط، وذامَّهم مفرط"[8].

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الرازي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي الرازي. ختار الصحاح. (مرجع سابق). ج1. ص94.

 

[2] المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق). ج1. ص193.

[3] المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق). ج1. ص193.

[4] (المرجع السابق): ج1. ص193.

[5] (المرجع السابق): ج1. ص193.

[6] (المرجع السابق): ج1. ص194.

[7] (المرجع السابق): ج1. ص192 - 193.

[8] المقدسي، محمد بن مفلح. الآداب الشرعية. (مرجع سابق). ج1. ص192 - 193.

فضل العلم ومكانة أهله

العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار من الظُّلَم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكّر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء ويحرمه الأشقياء[1]. للعلماء مكانة في

العلم في كفك

عندما تتصفَّح الكتب، وتنتقل بين حلقات العلم، وتسأل العلماء في أرجاء العالم، كل هذا في جهاز بحجم كفِّ اليد، عندها ندرك مدى تفريط الكثير، وخاصة ممن ينتسبون لطلب العلم الشرعي، وتَعذُّرهم بكثرة الشواغل وبُعدهم عن الدروس العلمية المقامة. فيا طالب العلم، هلَّا تأمَّلت فضلَ العلم، و

عناصر التكامل في بناء شخصية المتعلم

لا بد لكل بِناءٍ من أساس يقوم عليه، ومن دِعامات وأساطينَ يستند إليها، وإنَّ أسمى وأحق شيء بأن يشيد ويبنَى هو الإنسان، ومهمةُ التشييد بلغت من التعقيد ما إنَّ مفاتحَه لتَنُوء بالعصبة أُولِي القوة من المربِّين، فيكون حالهم معه ما بين مُسدِّد ومُقارِب، وهنا مكمن الصعوبة؛ لأن النشء قد