كيف تعد المدارس طلابها للحياة؟

التاريخ: الأحد 2 اكتوبر 2016 الساعة 06:48:58 مساءً

كلمات دلالية :

الطلاب المدرسة
كيف تعد المدارس طلابها للحياة؟

يحتاج الشاب والشابة في فترة المراهقة إلى الشعور بقيمة الذات، وبأهمية دورهما في المجتمع، بأن كل واحد منهما شخص مستقل، له كيانه وشخصيته وآراؤه، وبأنه قادر على الإسهام في محيط الأسرة والمدرسة والمجتمع. وفي هذه المرحلة يمكن أن تتجاهل المدرسة هذه الاحتياجات، وتصر على أن مهمتها تنحصر في الالتزام بجدول زمني للمنهاج الدراسي، كما يمكن في المقابل أن تفكر في حلول مبتكرة للتعامل مع هذه الاحتياجات. لعل التدريب الاجتماعي أحد هذه الحلول، التي أثبتت نجاحها.

الطالب إنسان مستقل

إن الخطط الطموحة التي تتبناها وزارة التربية والتعليم في المملكة، تشجع على طرح أفكار جديدة، وعلى التعريف بتجارب من مختلف دول العالم، حتى ولو بدت بسيطة، لكنها تساعد الشباب على الاستعداد للحياة بعد المدرسة، لأنه من المستحيل أن نعامل الطالب دومًا على أنه كائن غير مستقل، محتاج دومًا لمن يوجهه ويفكر له ويقرر عنه، ثم نطالبه في مواقف أخرى بأن يكون قادرًا على اتخاذ قرارات بنفسه، وأن يجد مخرجًا من الأزمات، وأن يفكر في الآخرين، ويشعر بهم، ويمد لهم يد العون.

تقوم الفكرة على استبدال الدوام المدرسي لمدة ثلاثة أسابيع، بالعمل في إحدى المؤسسات التالية:

- مدارس أو رياض أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة (الإعاقة الذهنية أو البدنية).

- دور المسنين والمسنات المحتاجين إلى الرعاية.

- المستشفيات.

- مؤسسات الرعاية النفسية والاجتماعية.

- دور المعوقين والمرضى النفسيين.

- مؤسسات رعاية وإطعام الفقراء والمعوزين.

- المؤسسات الدينية لرعاية الأطفال والشباب (أنشطة رياضية واجتماعية، ومساعدة على حل الواجبات المدرسية).

مرحلة التحضير للتدريب

يتطوع فريق من المعلمين للإشراف على المشروع، ويضع الخطة المتكاملة لتنفيذه، ويقدمها لإدارة المدرسة، التي تراجع كافة التفاصيل، ومدى استيفائها للشروط والأنظمة، قبل أن تصدر موافقتها عليها، ثم ترسل دعوات لأولياء أمور طلاب الصف الثاني المتوسط، الذين سيؤدون هذا التدريب لاجتماع عام في مسرح المدرسة، بشرط أن تصدر الدعوة قبل أسبوعين على الأقل من موعد الاجتماع، حتى يتسنى حضور أكبر عدد من أولياء الأمور، بعد ترتيب ارتباطاتهم الأخرى.

يراجع فريق المعلمين كل التقارير التي كتبها طلاب الأعوام السابقة، بعد انتهاء فترة التدريب الاجتماعي، ويختار المعلمون عشرة طلاب، قاموا بتأدية التدريب في مؤسسات مختلفة، وجمعوا خبرات متعددة، ويسأل المعلمون الطلاب عن رأيهم في المشاركة في اللقاء التحضيري لأولياء أمور الطلاب، الذين سيؤدون التدريب، في العام الدراسي الحالي.

يسبق الاجتماع مع أولياء الأمور، لقاء هذا الفريق من المعلمين مع كل أعضاء الهيئة التدريسية، لتعريفهم بالمشروع، والأهداف المرجوة من ورائه، والآليات المتبعة، بحيث يحصل الفريق على دعم بقية الزملاء، ويصبح كل معلم في المدرسة قادرًا على الرد على استفسارات الطلاب وأولياء الأمور، وبحيث لا يكون هناك تباين بين آراء المعلمين حول جدوى هذا التدريب، لأنه من غير المفيد، أن يقوم أحد المعلمين بهدم ما يبنيه زملاؤه، لأي سبب مثل الغيرة أو الاستهتار بعمل الآخرين.

دعم أولياء الأمور

بعد ترحيب إدارة المدرسة بأولياء الأمور، يقوم فريق المعلمين المشرفين على المشروع، بتعريف أولياء الأمور بأهدافه وآلياته والنتائج المتوقعة، والتأكيد على أن أطفالهم سيصبحون بعد هذه الأسابيع الثلاثة أشخاصًا آخرين، أكثر نضجًا وإدراكًا لعالم الكبار، وأقدر على التعامل مع نوعيات كثيرة من البشر.

يأتي بعد ذلك دور الطلاب الذين أدوا التدريب الاجتماعي في السنوات الماضية، للوقوف على المنصة، والتحدث عن تجاربهم بالتفصيل، بحيث يردون على أكبر قدر من استفسارات أولياء الأمور، حول هذه التجربة، ويتناولون التحديات والمخاوف قبلها، وأثناء تأديتها، والنتائج التي خرجوا بها بعد تأديتها.

يشدد فريق المعلمين على عدم جواز قيام أولياء الأمور بالمهام عن أطفالهم، فالمطلوب أن يقوم الطلاب والطالبات بأنفسهم بالبحث عن واحدة من إحدى المؤسسات السبع المشار إليها أعلاه، لتأدية التدريب الاجتماعي لديها، بعد حصولهم من المدرسة على خطاب رسمي يتضمن تفاصيل المشروع، بحيث تدرك المؤسسة التي يتقدم لها الطالب أو الطالبة، ما يمكن تكليفهم بعمله، وما لا يجوز، وكل المعلومات عن عدد ساعات العمل، والأوقات المسموح بها، والمسؤولية القانونية.

بعد هذه المعلومات التفصيلية، يتاح لأولياء الأمور طرح أسئلتهم على إدارة المدرسة والمعلمين وعلى طلاب السنوات الماضية، بحيث لا يغادر أحدهم هذا الاجتماع، وهو مازال حائرًا أو غير مستوعبًا لأهمية هذا الأمر، الذي يقتطع ثلاثة أسابيع من الدراسة، التي يعتبرها الكثيرون المهمة الوحيدة للمدرسة، ويتناسون أن اكتساب هذه المهارات الاجتماعية والشخصية لا تقل أهمية عن المعلومات التي يتعلمها الطلاب، وينسون كثيرًا من الدروس بعد اختبار نهاية العام، على عكس نضج الشخصية واكتساب الثقة بالنفس، التي تبقى العمر كله.

إقناع الطلاب المعنيين

مادام المطلوب هو تنمية شخصية الطلاب، فمن البديهي أن يخاطبهم المعلمون، ويسعون لإقناعهم بأهمية التجربة، وتكون البداية بأن يستلم كل واحد منهم رسالة من زميل سابق، كتب عن تجربته بعد الانتهاء منها، وسجل ملاحظاته لطالب من بعده، دون أن يعرفه، ليعينه على فهم ما هو مقدم عليه، ويؤهله نفسيًا لهذه التجربة.

وربما يكون من المفيد الاطلاع على نماذج من هذه الخطابات، لمعرفة ما تحتويه من آراء ونصائح، من طلاب لطلاب في نفس أعمارهم، ولذلك تتميز بالمصداقية والبساطة:

- الزميل العزيز: ينبغي أن تقبل على الأشخاص الكثيرين المختلفين الذين ستقابلهم بقلب منفتح، وعليك أن تسعد بالمفاجآت التي ستمر عليك، حين تجد أشخاصًا يمنحونك ثقتهم، ويحكون لك مواقف كثيرة من حياتهم، المهم ألا تنظر باستهتار لفترة التدريب الاجتماعي في مؤسسة دينية، لأن بعض المواقف تحتاج إلى جهد فكري وبدني، وتأكد أنك ستجمع خبرات لا حصر لها في هذه الفترة القصيرة، ستترك آثارها على حياتك كلها.

- الزميل العزيز: إن تأدية التدريب الاجتماعي في مستشفى، لا يقتصر على توزيع الطعام على المرضى، بل يشمل مهام أخرى، تبدو لك في البداية غير مريحة، بل ربما مثيرة للشعور بالقرف، لذلك فمن المفيد أن تجرب القيام بأعمال غير محببة للنفس في البيت، قبل خوض هذه التجربة في المستشفى، مع أهمية أن يتغلب الإنسان على نفسه، ويفكر في الآخرين، وحاجتهم لمن يقوم بهذا العمل لهم، والامتنان الذي يعبرون عنه، ولا تستغرب بعد ذلك أن تشعر بالسعادة عند تأدية هذا العمل.

- الزميل العزيز: في الحقيقة أنا شخص يعاني من صعوبة الاحتكاك بالآخرين، خاصة إذا كانوا من كبار السن أو المعوقين أو المحتاجين للرعاية، ولكن بعد هذا التدريب، أستطيع أن أقول بمنتهى الاعتزاز، إنني أصبحت أجد متعة كبيرة في الحديث معهم ومساعدتهم، والخروج معهم للتنزه دون حرج من الأشخاص الذين يشاهدون ذلك.

- الزميل العزيز: إنني أصبحت الآن أكثر قدرة على أن أشعر بما يحس به الأشخاص الذين يعانون من الإعاقة أو محتاجي الرعاية، كما أشعر باحترامهم وتقديرهم، لأنهم ليسوا أقل مكانة أو قدرًا من أي إنسان طبيعي.

- الزميل العزيز: لقد حصلت على مكان للتدريب في ورشة للشباب المعوقين ذهنيًا، ولكن للأسف اقتصرت مهمتي على وضع مسامير في أكياس، مثل زملائي المعوقين، وهي مهمة لا تستغل قدراتي التي يمكن أن تفيد الآخرين، ولذلك طلبت نقلي إلى مكان آخر، وحصلت على مكان آخر في دار للمسنين، وهناك شعرت بسعادة لا توصف، لأني قادر على مساعدتهم.

- الزميل العزيز: لقد تدربت في بيت للأطفال المعوقين ذهنيًا وبدنيًا، وتركت هذه التجربة بصمات عميقة على شخصيتي، ولذلك قررت أن أواظب على الحضور بعد انتهاء فترة التدريب، في عطلة نهاية الأسبوع كلما استطعت، وقد كونت صداقات كثيرة هناك، أعتز بها، ولا أتخيل أن أعيش بدونها.

- الزميل العزيز: بعد هذا التدريب الذي استمر ثلاثة أسابيع، اكتسبت خبرات كثيرة في التعامل مع الآخرين من الأطفال والشباب، والأهم أنني عرفت نقاط القوة والضعف في شخصيتي، وسعيت لتطوير نفسي، للتخلص من السلبيات، وزيادة الإيجابيات، وهو ما تحقق بدرجة لم أتصور حدوثها في فترة قصيرة كهذه.

- الزميل العزيز: يمكن القول إجمالاً أن التدريب الاجتماعي في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، كان تجربة إيجابية ومفيدة، فلقد تعلمت تحمل المسؤولية، والاستعداد لتقديم يد العون، والثقة بالنفس، واحترام الآخرين، والشعور بمن حولي من الأشخاص، سواء كانوا من ذوي الإعاقة أو غير معوقين.

- الزميل العزيز: من خلال الاحتكاك بأشخاص من ذوي الإعاقة، استطعت أن أرى الأمور بصورة مختلفة تمامًا عن ذي قبل، لقد تعلمت أن هؤلاء الأشخاص أناس طبيعيون تمامًا، مثل كل واحد فينا، مثلي ومثلك.

وبعد اقتناع الطلاب بهذا التدريب، يكون هناك لقاء تحضيري، يأتي فيه متخصصون ليشرحوا للطلاب أكثر الأمراض التي يعاني منها كبار السن، وكيفية التعامل معها، وكذلك طريقة التصرف مع الأشخاص من ذوي الإعاقة، وما يجب تجنبه خلال فترة التدريب، بحيث لا يحتاجون إلى فترة تحضيرية في مكان تدريبهم، وحتى يستفيدوا من الأسابيع الثلاثة كلها، في الممارسة العملية، والاحتكاك مع الأشخاص المحتاجين لمساعدتهم منذ اليوم الأول.

تجربة ابنتي في دور المسنين

ابنتي خجولة، لا تبدأ الحديث مع الغرباء، ويحمر وجهها للغاية، حينما تضطر للرد على أسئلة من لا تعرفهم، لذلك كنت مترددًا في الموافقة على خوضها هذه التجربة، لكن المدرسة أعلنت بوضوح أن هذا التدريب الاجتماعي جزء من المنهاج المدرسي، ولا يمكن الاعتذار عنه، إلا لأسباب قاهرة، ليس من بينها الخجل، بل إن ذلك الأمر يزيد تمسك المدرسة بأن تقوم ابنتي بهذا التدريب، لأنه سينعكس عليها إيجابًا، ونصحتها معلمتها بألا تبحث عن أسهل مهمة في روضة أطفال مجاورة للبيت، بل أن تبحث عن مهمة صعبة، لأن ذلك سيكون أكثر فائدة لشخصيتها، ففعلت واختارت دار مسنات.

طلبت مديرة الدار من ابنتي أن تأتي قبل موعد التدريب بشهر، لإجراء مقابلة شخصية، قبل حصولها على موافقة بقبولها للتدريب، كانت ابنتي متوترة قبل المقابلة، ولعلها لم تنم طوال الليل، من شدة الخوف من الفشل في الحصول على هذا المكان، وتضطر لإبلاغ المدرسة أنها غير قادرة على الحصول بنفسها على مكان للتدريب، وتطلب مساعدة المعلمة، وهو أمر يعتبر دليلاً على عدم الاستقلالية.

في المقابلة الشخصية رحبت بها مديرة الدار، واستقبلتها بنفسها عند البوابة الخارجية، قابلتها بذوق بالغ وصرامة في الوقت نفسه، ودخلت معها إلى غرفة الاجتماعات، وشرحت لها المطلوب منها، ثم أخذت تسألها عن مبررات اختيارها لهذا المكان بالذات، وما هي نقاط الضعف في شخصيتها، التي قد تكون عائقًا أمام قيامها بمهمتها القادمة، وبعد ربع ساعة، قالت لها إنها على يقين مع أنها ستكون خير معين للعاملات في الدار على مساعدة المسنات، اللاتي تعاني كثيرات منهن من مرض الزهايمر، الذي يجعلهن فاقدات للذاكرة، ولا يستطعن تذكر أشياء كثيرة، لذلك يجب ألا تتضايق أو تشعر بالإحباط من عدم حفظهن لاسمها، أو بسبب نسيانهن ما قدمت لهن من مساعدة في اليوم السابق.

في اليوم الأول من التدريب سمعت ابنتي مديرة الدار، تعاتب طالبة أخرى لأنها جاءت متأخرة عن موعد الدوام خمس دقائق كاملة، فحمدت الله ألف مرة أنها جاءت قبل الموعد بعشر دقائق، تعرفت خلالها على المسؤولة عن الطابق الذي ستعمل فيها، وارتدت ملابس العمل، واليافطة التي تحمل اسمها، وتحته عبارة (طالبة متدربة).

كانت المهمة الأولى توزيع طعام الفطور على السيدات المسنات، مع مراعاة الطلبات الخاصة لكل واحدة منهن، هذه لا تأخذ سكر في القهوة، وتلك لا تحب المربى، وكل واحدة لها نوع خاص من الخبز والجبن، والويل كل الويل لمن تخلط بين طلبات هذه السيدة وتلك، عندها تعود الذاكرة، وتتحول السيدة اللطيفة البشوشة، إلى شخص مختلف تمامًا، مثل الطفل الصغير الذي يغضب من عدم حصوله على الحلوى التي يريدها.

تعرضت ابنتي لمواقف كثيرة إيجابية وسلبية، في إحدى المرات طلبت منها إحداهن أن تأتي لها بالطبيب فورًا ليكشف عليها، لأنها تشعر بألم في قدمها، ولكن مديرة الدار أبلغت ابنتي من قبل أن الطبيب لا يأتي قبل الثانية عشرة ظهرًا، إلا في حالات الضرورة القصوى، التي ليس بينها الشعور بألم عادي في القدم، فطلبت ابنتي من السيدة أن تنتظر حتى تنتهي من تقديم الطعام للسيدات الأخريات الجالسات على طاولة الطعام، واللاتي لن يقبلن الانتظار، خاصة أن الطبيب له مواعيد محددة، فبدأت السيدة في سبها بألفاظ لم تسمعها من قبل، وتقول لها إنها فاشلة تعليميًا، وإلا ما كانت لتترك مدرستها لتأتي إلى هذا الدار، وأن البقرة تفهم أكثر منها. الغريب أن ابنتي لم تفقد السيطرة على مشاعرها، ولم تبك وتغضب كعادتها في هذه المواقف، بل نظرت إليها بابتسامة، وقالت لها إنها تعدها بأن تبلغ مديرة الدار بذلك، فور الانتهاء من مهمة إطعام الأخريات.

تأكدت بعد أيام قليلة أن غالبية السيدات المسنات لا يعرفن اسمها، ولكنهن سعيدات بوجودها، وبدأت بعضهن تحكي لها ما تذكره من أحداث في حياتها، وطلبت أخريات منها القيام بمهام إضافية، مثل إحضار نظارة جديدة للقراءة من محل النظارات، أو شراء أنواع معينة من الأطعمة لا توجد في الدار، أو غير ذلك من الطلبات، كما تعلمت أن ترفض بعض الطلبات، وأن تتخذ قرارات عما يجب القيام به.

في البداية كانت ابنتي تعد الأيام المتبقية في التدريب، لتنتهي من هذه المهمة، ولكنها في الأسبوع الأخير أصبحت حزينة للغاية، اكتشفت روعة العمل مع أشخاص يحتاجون المساعدة، وأن تتبدل الأدوار بحيث لم تعد الصغيرة التي تحتاج مساعدة الكبار، بل أصبح الكبار هم من يحتاج إلى مساعدتها، وتعلمت كيف تتعامل مع زميلاتها في مطبخ الدار، وفي قسم التمريض، وفي الإدارة، وتعلمت كيفية الاتصال بالجهات الخارجية، من عيادات الأطباء، إلى أقارب المسنات، والتحدث باسم المؤسسة، بعد أن سمحت لها مديرة الدار بذلك.

في اليوم الأخير، وقبل موعد نهاية الدوام بساعة، صعدت ابنتي مثل كل يوم إلى صالة الطعام لتوزيع القهوة والحلوى على المسنات، لكنها وجدتها خالية، ووجدت ورقة على الطاولة تبلغها بأن تنزل إلى الطابق الأرضي، نزلت إلى هناك، لتجد كل المسنات في الدار بأكمله، قد اجتمعن من كل الطوابق، لتوديعها وزميلاتها من الطالبات المتدربات، سمعت تصفيقًا حادًا عند دخول القاعة، ثم انطلقت موسيقى عزفتها إحدى الممرضات، تجيد العزف على البيانو، وأمسكت المديرة بالميكروفون تطلب من الطالبات التقدم للأمام، عندها لم تتمالك ابنتي نفسها، وسالت دمعة على خدها من فرط التأثر.

تحدثت مديرة الدار، ثم كل مسؤولة عن طابق، عن امتنان الجميع لهؤلاء الطالبات، اللاتي عملن يوميًا ثماني ساعات، بدون مقابل، طوال ثلاثة أسابيع، وتحدثت عن مميزات كل طالبة، هذه تتقن الإنصات، وتلك نشيطة للغاية، وتقرأ الطلبات من عيون المسنات، قبل أن تنطق الواحدة منهن بها، وهذه لا تكتفي بالعمل في الدار، بل تلبي طلبات السيدات من الخارج أيضًا، ثم وزعت عليهن هدايا رمزية، وشهادة خبرة، وتقييم تفصيلي لكل مهمة قمن بها.

حتى السيدات المسنات المصابات بالزهايمر ظهرن في هذا اليوم وكأنهن مدركات لكل ما يحدث، حتى السيدة التي سبت ابنتي بأفظع الألفاظ أشادت بها، ونسيت كل ما أغضبها آنذاك، وعندما انتهى الاحتفال، وخرجت ابنتي من الدار، وجدت حارس المبنى، يهرول ناحيتها، ويقدم لها علبة بسكويت، ويقول لها إنه سيفتقدها، لأنها كانت تبدأ يومها بالسلام عليه، ولا تمشى دون أن تتمنى له يومًا سعيدًا، بعد ساعات العمل الطويلة.

في المدرسة

يعود الطلاب بعد هذه التجربة، وفي اليوم الأول لعودتهم إلى الدراسة، يقام لقاء موسع، يروي فيه كل طالب وطالبة ما مر من أحداث، ويقدمون تقريرًا كتابيًا عن هذه الفترة، ويكتب كل واحد منهم خطابًا لطالب من السنة القادمة، كما حصلوا من قبل على رسائل زملائهم السابقين.

ويتحقق في كل مرة ما قاله المعلمون، من أن هؤلاء الطلاب والطالبات، مختلفون تمامًا عن الأطفال الذين كانوا يدرسون في هذه المدرسة قبل ثلاثة أسابيع، فتقل التصرفات الصبيانية، وتتوقف المشاغبات التي كان يقوم بها البعض، ويصبح النقاش في الصف، أكثر عمقًا وجدية.

يكتشف الجميع أن الأسابيع الثلاثة لم تكن وقتًا ضائعًا، كما ظن البعض من قبل، ويتبين عدم التأخر في المنهاج الدراسي على الإطلاق. وإذا كانت السجون ترفع شعار (الإصلاح والتهذيب)، فإنها تفعل ذلك من خلال إجبار من بداخلها على ذلك، فإن المدارس تستحق شعار (تعليم وتأهيل للحياة)، على أن يتم ذلك طواعية، ومن خلال اقتناع من بداخلها من طلاب ومعلمين.

كيف أتفوق في الثانوية العامة

حينما تنطق كلمة الثانوية العامة أمام أحد؛ تكاد تصيب الجميع بالهلع والفزع والقلق والاضطراب لما أحدثته في نفوس الجميع سواء الآباء والأمهات والطلاب أنفسهم. فالثانوية العامة هي أهم محطات العمليّة التعليميّة في أغلب البلدان العربيّة، حيث يتمّ من خلالها تحديد المجال الذي سيقوم الطال

المدرسة دور تربوي منشود وأمل مفقود

قبل عام ذكرتُ أمام جدتي أنني سأشارك في دورة لغة إنجليزية، فقالت: دورة؟ ليش؟ مش درستوا إنجليزي في المدارس؟ استوقفني هذا التعليق فترة وكلما تذكرته تأملته جيدًا، فهي بفطرتها أرادت أن توصل معنى آخر، وببساطة هي ترى أن اثني عشر عامًا كفيلة بأن يتقن فيها الشخص اللغة أو أيًا ما كان اسم ا

وللغش علاج!

الغش في اللغة الخدعة وإظهار النصيحة مع إضمار الباطل , وتزيين غير المصلحة , والغش أيضاً هو الكدر في كل شيء، وكذلك هو تغطية الشيء من غشي أي غطى , وفي الشرع قوله – صلى الله عليه وسلم – ( من غشنا فليس منا )فكل المعاني التي وجدت عن الغش في الشرع واللغة معان تدل على قبحه وقبح من يأتيه،