سلسلة الأخلاق (1) وإنك لعلى خلق عظيم

خاص عيون نت

التاريخ: الأربعاء 21 سبتمبر 2016 الساعة 06:24:05 مساءً

كلمات دلالية :

الاخلاق
سلسلة الأخلاق (1) وإنك لعلى خلق عظيم

الحمد لله الذي أنشأ وبَرَا، وخلق الماء والثرى، وأبدع كل شيء وذَرَا، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا يغيب عن بصره صغير النمل في الليل إذا سرى، { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } [طه: 6، 7] خلق (آدم) فابتلاه ربه ثم اجتباه فهدى، وبعث نوحاً فصنع الفلك بأمر الله وجرى، ونجا الخليل من النار فصار حرها برداً وسلاماً عليه فاعتبروا بما جرى، وآتى موسى تسع آيات بينات فما ادكر فرعون وما ارعوى، وأيد عيسى بآيات تبهر الورى، وأنزل الكتاب على محمد فيه البينات والهدى.

أحمده سبحانه على نعمه التي لا تزال تترى، وأصلي وأسلم على نبيه محمد المبعوث في أم القرى صلى الله عليه وعلى صاحبه في الغار أبي بكر بلا مرا، وعلى عمر الملهم في رأيه فهو بنور الله يرى، وعلى عثمان زوج ابنتيه ما كان حديثاً يفترى، وعلى ابن عمه علي بحر العلوم وأسد الثرى، وعلى بقية آله وأصحابه الذين انتشر فضلهم في الورى، وسلم تسليماً كثيرا.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران: 102].

أيها الأحباب الكرام في الله:

إننا في هذا اليوم المبارك على موعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أحلى أن يكون اللقاء معه! وما أجمل أن تكون الكلمات عنه! ورب الكعبة مهما أوتيتُ من فصاحة البيان وبلاغة الأسلوب والتبيان، فلن أستطيع أن أوفي الحبيب قدره، كيف لا وهو حبيب الرحيم الرحمن؟! { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص:68].

زكَّاه ربه في كل شيء: زكَّاه في عقله فقال جل وعلا:{ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } [النجم:2]، وزكَّاه في بصره فقال جل وعلا:{ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم:17]، وزكَّاه في صدره فقال جل وعلا:{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح:1]، وزكَّاه في ذكره فقال جل وعلا: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } [ الشرح:4]، وزكَّاه في طهره فقال جل وعلا:{ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } [الشرح:2]، وزكَّاه في صدقه فقال جل وعلا:{ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } [النجم:3]، وزكَّاه في جليسه فقال جل وعلا: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم:5]، وزكَّاه في حلمه فقال جل وعلا: { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة:128]، وزكَّاه في خلقه كله فقال جل وعلا:{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [القلم:4] صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الله أكبر!

 ومما زادني فـخراً وتيهاً        ...        وكدت بأخمصي أطأ الثريا

 دخولي تحت قولك يا عبادي ...         وأن أرسـلت أحمد لي نبياً

من أنا؟! ومن أنت؟! لنتشرف بأن يكون حبيبنا ونبينا ورسولنا هو ابن عبد الله المصطفى صلى الله عليه وسلم.

فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما: (أن هشام بن حكيم سأل عائشة -رضي الله عنها- عن خلق رسول الله ، فقالت: خلقه القرآن).

فقد كان صلى الله عليه وسلم  يعرف حق ربه  عليه، وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وعلى الرغم من ذلك كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه - صلوات ربي وسلامه عليه- ويسجد فيدعو ويسبح ويدعو ويثني على الله تبارك وتعالى، ويخشع لله  حتى يُسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل.

وعن عائشة - رضي الله عنها -: أن نبي الله  كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا"متفق عليه هذا رسول الله يصلي ويقف طويلا بين يديي الله وهو المعصوم -عليه الصلاة والسلام-، فما حالنا نحن المذنبين المقصرين؟!

معاشر المسلمين:

انظروا إلى أخلاقه عليه الصلاة والسلام مع أهله لنتأسى به، ما أحوجنا إلى هذا الخلق العظيم في زمن كثر فيه الطلاق، والتفكك الأسري؛ وذلك بسبب البعد عن الله، وعدم التأسي برسول الله.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" رواه الترمذي في سننه وصححه الألباني

إن بعضاً من المسلمين إذا رأوأحبابهم أو جيرانهم  تجدهم يتبادلون الابتسامات والود والمحبة فإذا ما رجعوا إلى بيوتهم، وإلى أهليهم ينظرون إليهم نظرة اشمئزاز ، وكأنهم حيوان مفترس، أما رسولنا وحبيبنا عليه الصلاة والسلام   في تعامله مع أهله وزوجه  كان يُحسن إليهم ويرأف بهم  ويتودّد إليهم، فكان يمازح أهله ويلاطفهم ويداعبهم، وكان من شأنه أن يرقّق بهم .

عائشة - رضي الله عنها - كان يقول لها: (يا عائش)، ويُكرمها بأن يناديها باسم أبيها بأن يقول لها: (يا ابنة الصديق)، وما ذلك إلا توددًا وتقربًا وتلطفًا إليها واحترامًا وتقديرًا لأهلها.

فلنتأسى برسول الله في احترامنا لأهل الزوجة؛ بأن نذكرهم بكل خير وخاصة عند زوجاتنا.

وكان صلى الله عليه وسلم يعين أهله ويساعدهم في أمورهم ويكون في حاجتهم، وكانت عائشة تغتسل معه  من إناءٍ واحد، فيقول لها: "دعي لي. وتقول له: دع لي"رواه مسلم وعن الأسود قال: سألت عائشة ما كان النبي عليه الصلاة والسلام  يصنع في بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة)رواه البخاري وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (كان رسول الله يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم) رواه أحمد وصححه الألباني

وكان يعدل بين نسائه  ويتحمل ما قد يقع من بعضهن من غيرة؛ فعن أم سلمة -رضي الله عنها- أنها (أتت بطعامٍ في صحفةٍ لها إلى رسول الله  وأصحابه، فجاءت عائشة... ومعها فِهرٌ ففلقت به الصحفة، فجمع النبي  بين فلقتي الصحفة وهو يقول: "كلوا، غارت أُمكم" مرتين، ثم أخذ رسول الله  صحفة عائشة فبعث بها إلى أُم سلمة، وأعطى صحفة أُم سلمة عائشة) رواه النسائي في صحيحه

والله ما طلعت شمس ولا غربت

إلا وحبك مقرون بأنفاسي

ولا جلست إلى قوم أحدثهم                            

 إلا وأنت حديثي بين جلاسي

صلى عليك الله يا علم الهدى

خلقه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه:

عن أنس  قال: (كان النبي  إذا استقبله الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، ولا يصرف وجهه من وجهه حتى يكون الرجل هو يصرفه، ولم ير مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له) رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني

وكان رسول الله  يكره أن يقوم له أحد؛ فعن عبد الله بن الزبير  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من أحب أن يمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار" رواه أبو داود في سننه وصححه الألباني

وكان من هديه  أن يمزح مع أصحابه؛ فعن الحسن البصري  قال: "أتت عجوز للنبي  فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال: يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز. فولت وهي تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز؛ إن الله يقول: { إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا } [الواقعة: 35-37]" الترمذي وحسنه الألباني

أيها المؤمنون:

ما أحوجنا نحن الآباء أن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الأطفال، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أنس  أنه قال: (كان يمر بالصبيان فيسلم عليهم).

وكان  ( يحمل أمامة بنت زينب - ابنة رسول الله - وهو يصلي بالناس إذا قام حملها، وإذا سجد وضعها ) متفق عليه وجاء الحسن والحسين -رضي الله عنهما- وهو يخطب فجعلا يمشيان ويعثران، فنزل النبي  من المنبر فحملهما حتى وضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله ورسوله { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [الأنفال: 28]؛ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما" رواه النسائي وصححه الألباني

أيها الأحبة الكرام في الله:

تعالوا لنتعرف كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يعامل الخدم، فعن أنس  قال: (خدمت النبي  عشر سنين، والله ما قال أف قط، ولا قال لشيء لم فعلت كذا، وهلا فعلت كذا) متفق عليه وعن عائشة -رضي الله تعالى- عنها قالت: (ما ضرب رسول الله  خادمًا له، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله) مسلم

كانت أخلاقه عليه الصلاة والسلام عاليه ورفيعة حتى مع أعدائه، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة –

رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله  قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم". قال: "فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين". فقال له رسول الله : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا".

وعن أبي هريرة  أنه قال: عندما قيل له: ادع على المشركين، قال : "إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة" رواه مسلم وصدق الله القائل: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [ القلم: 4]بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب فاستغفروه فيا فوز المستغفرين

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً... وبعد:

أيها الكرام الأعزاء:هل من رجل يتأسى برسول الله في تعامله مع المخطئين؟!

عن أنس بن مالك  قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله  إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله : مَه مَه. قال: قال رسول الله : "لا تزرموه، دعوه". فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله دعاه فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن". قال: فأمر رجلاً من القوم، فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه". رواه مسلم

وعن أبي أُمامة  قال: إن فتىً شابًا أتى النبي  فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه. فقال له: "ادنه". فدنا منه قريبًا، قال: "أتحبّه لأمّك؟" قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس يحبونه لأمهاتهم". قال: "أفتحبه لابنتك؟" قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس جميعًا يحبونه لبناتهم". قال: "أفتحبه لأختك؟" قال: لا والله جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس جميعًا يحبونه لأخواتهم". قال: "أفتحبه لعمتك؟" قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس جميعًا يحبونه لعماتهم". قال: "أفتحبه لخالتك؟" قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: "ولا الناس جميعًا يحبونه لخالاتهم". قال: فوضع يده عليه، وقال: "اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه". فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. رواه أحمد وصححه الشيخ الوادعي.

هذا غيضٌ من فيض، ونقطة من بحر، وقليل من كثير من أخلاق البشير النذير السراج المنير، فما أحوجنا أن نملأ بمحبته قلوبنا! وما أحوجنا أن نربي على هذه السنة والأخلاق الكريمة صغارنا وكبارنا! ما أحوجنا أن نتربى عليها مساء صباح، ونضع أخلاق النبي  نصب أعيننا؛ لتظهر آثارها علينا ليلاً ونهارًا، فبحسب متابعته تكون العزة والكفاية، والنصرة والولاية والتأييد، والهداية والفلاح والنجاة، وطيب العيش في الدنيا والآخرة.

عباد الله، صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه....

 

 

مجازر المسلمون في أراكان

ايها الإخوة المؤمنون لقد بين الله جل وعلا في كتابه الكريم صفة الظالمين , وحذر الله تعالى من الوقوع في الظلم والطغيان والبغي ,وامر الله تعالى جميع القادرين على أن يقفوا مع المظلومين ,ويكشف كربات المكروبين ,ويخفف عن مصاب المصابين ,وبين الله جل وعلا انه قادر على اهلاك الظالمين ( وَل

سلسلة الأخلاق (16) خلق العفو والصفح

فياأيها الأحبة الكرام في الله : من منا لا يسعى من أجل عفو الله ومغفرته، إذا أردت أن يحقق الله أمنيتك ينبغي عليك أن تحقق هذا الخلق في حياتك وواقعك، وأسرتك ومجتمعك. إنه العفو والصفح أيها الفضلاء. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ

معادن الناس «1»

نعم الناس معادن فمنهم السهل المنبسط اللين السهل، ومنهم الصعب المنقبض الشديد. منهم الشجاع الجريء المقدام ومنهم الجبان العاجز الخوار. منهم الكريم السخي ومنهم البخيل الشحيح. منهم السمح الصفوح ومنهم المستقصي شديد الخصومة. منهم المُتأني الصبور الحليم ومنهم الأحمق الغضوب المُتسرع. من