بنية التخلف

التاريخ: الإثنين 18 يوليو 2016 الساعة 06:48:24 مساءً
بنية التخلف

بنية التخلف

د.عبدالكريم بكار

ليس على وجه الأرض أمة تستطيع أن تدّعي أن كل ما لديها حسن جميل أو متقدّم متفوّق؛ كما أنه ليس على وجه الأرض أمة يمكن أن تُوصم بأن كل ما لديها سيّئ أو منهار. وهذه الوضعية تعود إلى تعقيد نسيج التقدّم والتخلّف وكثرة العوامل والمظاهر المكونة لكل منهما.

 

نحن في هذا المقال ومقالات أخرى تليه –بحول الله- سنركِّز على هذه المسألة سيراً خلف الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان –رضي الله عنه- والذي كان يسأل الرسول –صلى الله عليه وسلم- عن الشر، على حين كان غيره من الناس يسألونه عن الخير، وكأني به أراد تكميل اللوحة واستكمال المشهد؛ إذ إن الخير المنشود لا تتم المعرفة به من غير معرفة الشر، إذ يُظهر الضدّ حسن الضدّ أو قبحه .

 

وأودّ قبل الخوض في غمار هذا الموضوع أن أوضح عدداً من الأمور المهمة:

1- نحن المسلمين ننظر إلى الأشياء من أفق عقيدتنا وأفق المنهج الرباني الأقوم الذي نؤمن به، ونسعى إلى تكييف حياتنا مع مقولاته ومدلولاته، ومن هنا فإننا قد نرى في بعض الأمور ما لا يراه غيرنا. إن عبادة البقر –مثلاً- تشكل مؤشراً قوياً إلى تخلّف من يقوم بها، ولو كان يترّبع على كرسي رئاسة دولة عظمى أو مركز أبحاث متقدم.

2- إلى جانب ما نجده في معاييرنا من خصوصية، فإن علينا أن نقرر أن ما هو مشترك بين الأمم في تأسيس النظر إلى التخلّف والموقف منه يُعدّ واسعاً وكبيراً، وهذا في الحقيقة يعود إلى ما فطر الله سبحانه عليه العباد من الطموحات والحاجات، وإلى الظروف والتحدّيات المتشابهة، والتي يعيش فيها معظم الناس.

3- من خلال ما هو عام وما هو خاص في تكوين النظرة إلى التخلّف يبرز شيء مهم، هو سلم الأولويات لدى كل أمة. نحن المسلمين ننظر إلى إنعاش التدين والالتزام والسير وفق مراضي الله تعالى على أنه يشكل أولوية الأولويات وغاية كل الإصلاحات التي نُدخلها على نظمنا الحياتية المختلفة، على حين أن كثيراً من أمم الأرض وشعوبها ومفكريها لا يعطون لهذه القضية أي اهتمام؛ إذ يسيطر على الاهتمام دفع عجلة الاقتصاد، ومكافحة الأمراض، وتحسين التعليم، وتحقيق المزيد من الرفاهية

 

4- من المهم -ونحن نتحدث عن بنية التخلّف- ألاّ نميّع القضية ونهوّن من خطورة ما نحن فيه بدعوى الخصوصية، مما يدفعنا إلى غضّ الطرف عن المعايير العالمية، وعن تطلعات المسلم للمشاركة في صياغة عصره والعيش في ظلاله.

 

إن الفساد والتعذيب والاستبداد وأكل الحقوق والكسل والفوضى، والخروج عن القوانين، وتشغيل الأطفال، والتسرب من المدارس، والإعراض عن القراءة، والقسوة في تربية الأبناء، وتفكك الأسرة، وانتشار المخدرات، إلى جانب الفقر والتخلّف التقني.. إن هذه الأمور مكروهة في كل معيار ولدى كل الأمم، ويجب أن نتعاون مع العالم في القضاء عليها. إن التقدم في تقليل هذه الشرور يُعدّ مطلباً عالمياً، وينبغي أن يكون مطلباً لأمة الإسلام، ولا يصح التهاون حيالها لأي سبب من الأسباب.

 

 

حين نقول: إن هذا الشعب متخلّف أو هذا النظام غير متقدّم، فعلى أي أساس نبني هذا الحكم؟

نحن المسلمين ننطلق في حكمنا من اعتبارين:

الأول: هو مدى القرب والبعد مما نعتقد ونؤمن أنه وضع صحيح أو خاطئ، أي الخضوع لأدبيات الإسلام وتقريرات الفقهاء.

 

الثاني: ما نعتقد أنه يساعد المسلم على عيش زمانه بكرامة وكفاءة وفاعلية، وما نعتقد أنه يؤدي إلى الانسجام مع المعايير الدولية المتفق عليها.

 

ومن هنا فإن معظم مفردات التخلّف تعود إلى نوعين منه :

 

1- تخلّف عن السويّة التي يتطلبها الالتزام بالمنهج الربّاني الأقوم.

 

2- تخلّف عن ركب الحضارة المعاصر، ومقتضيات ريادته والتأثير فيه. ومن المهم أن أؤكد على شيء جوهري في هذا الشأن، وهو أن التخلّف الذي نعاني منه يمنعنا من بلورة رؤية جيدة ودقيقة حول الوضعية العامة للمسلمين وحقيقة المعاناة التي يعيشونها على نحو يومي، وهذا يعود إلى أنك حتى تتعرف على الواقع فإنك بحاجة إلى معرفة ومعلومة جيدة.

والحقيقة أن العالم الإسلامي يعاني من شح الأرقام التي يستدل بها على فهم ما هو فيه، كما أن الأرقام المتوفرة كثيراً ما تكون غير دقيقة، بسبب عدم نزاهة المصدر، أو بسبب ضعف الإمكانات المطلوبة للقيام بمسوحات إحصائية جيدة!

 

هذا يعني أن ما سنقوله عن التخلّف وبنيته ومظاهره سيظل قائماً على الظن والمقاربة. إننا حتى نقلل من التحيّز الناشئ من طبيعة صياغة التعريفات والمصطلحات نحتاج إلى المعارف الكمية، وهذه بعضها متقادم وبعضها مبنيّ على أسس لا تساعد في الكشف عن ظاهرة التخلّف لدى الأمة، ولهذا فإن الحديث عن التخلّف يظل مزعجاً لكثير من الناس، وذلك بسبب ما ينشره من تشاؤم أولاً، وبسبب ضعف قدرته على الحسم ووضع النقاط فوق الحروف أو تحتها ثانياً.

لكن مع كل هذا فإن من الثابت أن الحديث عن المرض يسبق دائماً الحديث عن العلاج. وإذا أراد المفكرون والمصلحون إغراء الناس بالحلول التي يقدمونها إليهم فلا بد من جعلهم يستيقنون أن أحوالهم ليست على ما يُرام، وأنهم فعلاً بحاجة إلى ما ينهض بهم، ويحسّن أوضاعهم.

 

إذا تلقينا الحديث عن المآسي بعواطفنا ومشاعرنا، فإننا سننزعج كما ينـزعج المريض حين يسمع من طبيبه عن تشخيص مرض خطير لديه، لكن إذا تلقيناه بعقولنا وما نحمله من تشوّق إلى السعي نحو الأفضل والأحسن، فإن الأمر سيكون مختلفاً؛ إذ سنكون مثل المريض الذي ينتظر بعد سماع الأخبار السيئة ما سيفضي به الطبيب عن إمكانات العلاج والمعاناة.

 

 

المحذور في الحديث عن التخلّف هو أن نبالغ في جلد أنفسنا إلى درجة اليأس، ونفض اليد من كل معالجة، والحقيقة أن المعادلة صعبة للغاية؛ إذ إنه لا يمكن الحديث عن التخلّف من غير نقد للذات، ولا يمكن نقد الذات من غير ظن البعض أننا نقوم بجلدها!

 

ما الحلّ؟

ليس هناك حل حاسم؛ ولكن خلط الحديث عن الدّاء بالحديث عن الدّواء قد يرطّب الأجواء، ويبعث على التفاؤل.