المواطنة والوطن في الشريعة الإسلامية (1)

التاريخ: الجمعة 15 يوليو 2016 الساعة 12:43:24 صباحاً
المواطنة والوطن في الشريعة الإسلامية (1)

المواطنة والوطن في الشريعة الإسلامية (1)

 

د. علي بن محمد الصلابي

المواطنة والوطن في اللغة:

المواطنة: من واطنَه على الأمْر مواطنةً، وواطَن القومَ: عاش معهم في وطنٍ واحد، وفِعل "واطَن"؛ بمعنى: شارَك في المكان مولدًا وإقامة؛ لأنَّ الفعل على وزن "فاعل"[1].

وفي "المعجم الوسيط": الوطن: مكان إقامَة الإنسان ومقرُّه، وُلد به أو لم يولد.

 وتمتدُّ جذور الوطَن والمواطنة إلى آدم وزوجه عندما كانا يَسكنان الجنَّةَ، ويأكلان منها رغدًا حيثُ شاءا، وكانت كلُّ حاجتهما مكفيَّة؛ كما قال الله تعالى لآدم في الجنَّة: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ﴾ [طه: 118، 119].

فلمَّا أَهبط اللهُ آدمَ وزوجَه من الجنَّة، بقيا هما وذرِّيتهما بما قُدِّر لهم من الخِلافة في الأرض، وعمارتها، وعبادة الله فيها؛ كانت الأرض مهيَّأةً لتكون كلها وطنًا ومستقرًّا لآدم وذرِّيته من بعده؛ ولهذا قال اللهُ تعالى في القرآن مخاطبًا آدمَ وزوجه وإبليس معهما: ﴿ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ [الأعراف: 24].

وهكذا كانت الأرضُ كلها في أول الأمر؛ وطنًا لآدم وأولاده، لا تَزاحم، ولا تَنافس، ولا اختِصاص بمكانٍ دون مكان.

فلمَّا كثرَت ذريَّةُ آدم وانتشرَت، بدأ النَّاسُ يتجمَّعون في أماكن بحُكم الطَّبيعة الاجتماعيَّة للبشر، حتى قال الأقدمون: الإنسان مدنيٌّ بطبعه، وكان النَّاس يتجمَّعون في بلدان أو قرًى، ويتَّخذ كلٌّ منهم لنفسه ولأهله وولده بيتًا يأوي إليه؛ يكنُّه من القرِّ والحرِّ، ويَستره من أعين الناس، ويمارس فيه خصوصيَّته، ومن مجموع هذه البيوت تكون القريةُ التي يترابَط أهلها فيما بينهم بروابط شتَّى؛ كالنَّسَب والمصاهرةِ، والجوارِ والصَّداقة، والزمالة في العمل، والاشتراكِ في تأمين حاجات القرية والدِّفاع عنها.

ومن هذه القرية، أو البلدةِ، أو المدينة بدأَت قضيَّة "الوطن"، فحين تعدَّدَت البلدان والقرى، واضطرَّ الإنسان لسببٍ أو لآخر إلى أن يهاجِر من بلده، لم ينْسَ الموضعَ الأولَ الذي عاش فيه، وكوَّن به علاقات حميمية؛ من أهلٍ وأصهار، وأقارب وأصدقاء، وأحبَّة، وأمسى مرتبطًا عاطفيًّا بذلك المكان وأهلِه، كما عبَّر عن ذلك أبو تمام بقوله:

نقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى

ما الحبُّ إلَّا للحبيب الأولِ

كم مَنزلٍ في الأرض يَسكنُه الفتى

وحنينُه أبدًا لأوَّل منزلِ  

وكان الوطن أولَ الأمر يتعلَّق بتِلك القرية أو المدينة، ثمَّ تطورَت حياةُ البشَر وعلاقاتهم فتكوَّنَت أوطان أكبر من ذلك، تَشمل إقليمًا كبيرًا، ثمَّ عدَّةَ أقاليم تَنتظم تحت سلطان واحد يجمعها؛ دينيٍّ، أو اجتماعي، أو سياسي[2].

 وخلاصة القول في المعنى العام للوطن قديمًا:

فإنَّنا نرى فكرةَ "الوطن والوطنية" تقوم على حاجَة الإنسان إلى المكان، وارتباطِه به، وهذا أمرٌ طبيعيٌّ؛ فكلُّ كائن حيٍّ محتاج إلى مكانٍ أو مأوًى يلوذ به؛ فالوحوش لها حجورها، والطير لها أعشاشها.

وقد نرى الطيورَ والأسماك ونحوها تَسير المسافات الشاسِعة، وقد تَخترق البحارَ والمحيطات، ثمَّ تعود إلى أماكنها الأولى؛ أي: إلى أوطانها، لا تَضلُّ طريقَها إليها، بحاسَّة الهِداية العامَّة التي مَنحها اللهُ لكلِّ مخلوقاته[3]: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ [طه: 50].

فالمواطنَة كلمة لها أصْل عربيٌّ مرتبط بموطن الإنسان، ومستقرِّه، وانتمائه الجغرافي، لكنَّها في نفسها كتركيب، ومصطلح تمَّ استحداثُها تعبيرًا عن الوضعيَّة السياسية والمدنيَّة والحقوقية للفرد في الدَّولة؛ وبذلك تكون "المواطنة هي: رابطةٌ التزاميَّة تقوم في زمان ومكان واحد"[4].

 

[1] "معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة"؛ محمد العدناني ص (725)، "شذا العرف في فنِّ الصرف"؛ محمد الحملاوي ص (42).

[2] "الوطن والمواطنة"؛ د. يوسف القرضاوي، ص (13) إلى (15).

[3] المصدر السابق ص (15).

[4] المواطنة في الإسلام، علي عبده أبو حميدي ص (12).

التخلف الفكري

تنوء الأمة العربية والإسلامية تحت أزمات ثقيلة، تحدثنا في الحلقات الماضية عنها باختصار وهي أزمة التخلف التربوي والثقافي والتكنولوجي، وسنتحدث اليوم بإيجاز عن التخلف الفكري، ونحن لسنا نتحدث عن أزمات الأمة بغرض بث روح اليأس في المجتمعات (كما قلنا سابقاً)، ولكن من باب تشخيص الداء، تمه

القمع وصناعة الفزاعة

سياسة القمع دائمًا ما يلجأ النظام المستبد في سبيل توطيد حكمه إلى القمع والبطش بمعارضيه، حتى وإن كان رأيهم فيه الصواب، ضاربًا بكل القوانين والحريات عرض الحائط، وما ينتج من ذلك من آثار تساعد على توطيد الاستبداد المشؤوم مستغلًا حالة الخوف والرعب التي تُصيب الأسرى، ويرتكز في ذلك إلى

لا دين حيث لا حرية

إنَّ إذلال الشعوب جريمة هائلة، وهو في تلك المرحلة النكدة من تاريخ المسلمين عمل يفيد العدوَّ ويضرُّ الصديق. بل هو عمل يتمُّ لحساب إسرائيل نفسها، فإنَّ الأجيال التي تنشأ في ظلِّ الاستبداد الأعمى تشبُّ عديمة الكرامة، قليلة الغناء، ضعيفة الأخذ والردِّ. ومع اختفاء الإيمان المكين