حواء في الغاية من الخلق

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 4 نوفمبر 2014 الساعة 12:00:00 صباحاً
حواء في الغاية من الخلق


حواء في الغاية من الخلق

عزة مختار

 بين العبودية والعبادة

كثيرون أتوا إلي الحياة ومضوا دون أن يعلموا لخلقهم سببا ، ولا لبقائهم علي وجه الأرض غاية  ، تمضي بهم الأيام طولا وعرضا  لتصير مجرد عدد ، لا ينتظرون غد ولا يؤثر فيهم فوات الأمس .

والله الخالق عز وجل يحدد بنفسه الغاية من الخلق ولا يدعها  لاجتهاد الإنسان الذي تتغير  مذاهبه حسب أهواءه إن ترك له الأمر ليقرره .

يقول الله عز وجل في الآية 56 من سورة الذاريات ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ، تلك هي القضية الكبرى والغاية العظمي ، " ليعبدون " ، العبادة بكل ما تشمله العبودية  لله من معني ، الخلافة ، والإعمار ، والبحث ، والعدالة ، والتراحم ، والبناء ، والأخلاق ، الحرية والتحرير ، التعاون ، التكامل ، العطاء ، الحب ، السلام ، الجهاد ، التعبد ، الذكر ، الخير

" ليعبدون " الطفل حين يأتي للحياة وقد أخذ الله عليه ميثاقا حين كان في عالم الذر " ألست بربكم ، قالوا بلي " ، الأم التي تتحمل آلام الحمل والميلاد في سبيل إخراج نفس تسبح بحمد ربها ، الأب الذي يسعي رفقا بعائلته فيتحمل ويتكبد ويشقي في الأرض كي يستريحوا هم ابتغاءا لوجه الله الذي جعل الجميع راع ، والجميع مسئول عن رعيته ، الطالب الذي يسهر الليل ليواصل استذكار النهار ولا ينسيه ذلك الصلاة عل وقتها ، ورغبة منه في النهوض ببلاده لينهض دينه ، الزوجة التي تتفاني حبا وإخلاصا  وعطاءا وسهرا ورعاية وخوف وشفقة ، ورحمة ورغبة ، تتناسى الألم ، ولا تذكر إلا الحب ولياليه الدافئة لتعم علي الجميع بركة ورضا  .

بمعني أن جملة العبادات المفروضة ( أركان الإسلام ) علي الإنسان في العمر بأكمله لا تستهلك من عمره إلا القليل

فماذا عن بقية العمر ؟

هل تلك الغاية الكبري والمحددة من الخلق يتحكم الخالق سبحانه فيها في جزء قليل من عمر الإنسان ويدع الباقي له يصلح فيه أو يفسد كيف شاء ؟

يقول الله تعالي في كتابه الكريم في سورة الأنعام  " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شرك له وبلك أمرت وأنا أول المسلمين "  . هنا لم يترك الله عز وجل مساحة للإنسان الذي قرر أن يختار بكامل إرادته الحرة أن يكون إلي جنب الله

لكل دولة أو قبيلة أو حتى أسرة مجموعة من القوانين تضعها لتنظم الحياة فيها ، علاقة كل فرد فيها بالآخر ، علاقته بالآخرين ، علاقته بالمسئول ، واجباته وحقوقه ، لا تفرض تلك القوانين إلا علي أهلها ، وأنت تريد الانتماء لذلك المجتمع الجديد فعليك أولا أن تطلع علي قوانيه ، ونظمه ، وشروطه ، فإن أنت قبلتها " مختارا " فلك الدخول فيه والانخراط بين أهله ، وإن رفضت فلك ذلك بكامل حريتك لكن ليس لك الدخول فيه ، أما إن أنت تحايلت للدخول ، ثم لم  تحترم تلك القوانين فسوف يكون مصيرك شر الطرد ، ولله المثل الأعلى ، لله عز وجل شروطا كي تكون من عباده المتقين ، وكي تحقق معني العبودية للمعبود الحق ، هو من يضع الشروط والقوانين والشرائع ، عليك أن تتبع ، وعليه سبحانه أن يكتب لك القبول والفوز في الدنيا والآخرة . وهنا أحب أن آخذ جزءا صغيرا من اللوحة الكبيرة في خريطة العبودية لله عز وجل ، وكيف تكتمل تلك العبودية كي تليق بالمعبود الذي لا إله إلا هو وهي اللقطة الأولي في قصة خلق الإنسان .

 

آدم وحواء البدء والمنتهي

خلق الله عز وجل آدم عليه السلام بيده وعلمه من علمه ، وأسكنه الجنة وتحدي به الملائكة ، وأسجد الملائكة له ، وظل آدم في الجنة وحده إلي أن استوحش ، أي أن آدم عليه السلام شعر بالوحدة والوحشة رغم أنه لم يعرف مخلوقا إنسانا غيره ، لا رجلا ولا امرأة

أحدنا قد يقرر مثلا أن يسافر ليقضي بعض الوقت وحده ، أو أن يعتزل في بيته لنفس السبب ثم بعد وقت تهاجم أفكاره صور من يحب ، من أحبابه وأصدقائه ، ثم إذا به يستوحش ما هو به ويحن لتلك الصحبة التي تملأ عليه فراغ حياته ، ذلك لآن هناك كيان يشتاق إليه ، يعرفه جيدا ، عاش معه ،  تتخلل صوره ذاكرته وتطاردها ، تجتاح الذكريات كل ذرة في خلاياه ، فهو يستوحش المكان بغيرهم ، فسرعان ما يعود ، أما آدم عليه السلام فاستوحش ما لا يعرف ، هو شعور بالوحدة دون أن يدري لم وماذا ، لكن الله عز وجل الخالق المبدع خلق آدم في الأصل لهذا الغرض ، ليكون مع حواء رجلا وامرأة لإعمار الأرض ولتتم التجربة الإنسانية ، ذلك المخلوق " المختار المخير " ، يخلقه الله بيده ويكرمه ويسكنه الجنة قبل هبوطه للأرض ليعرف من عدوه ويعرف أن الوطن الأصلي له هو الجنة وليس غيرها ، فهو علي الأرض ضيف ليعود باختياره للجنة إن هو أراد .

خلقت حواء من آدم لتكون له سكن ، " وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا " .

ومعنى سكن في لسان العرب السُّكُونُ ضدّ الحركة سَكَنَ الشيءُ يَسْكُنُ سُكوناً إذا ذهبت حركته وأَسْكَنه هو وسَكَّنه غيره تَسْكيناً وكل ما هَدَأَ فقد سَكَن كالريح والحَرّ والبرد ونحو ذلك وسَكَنَ الرجل سكت وقيل سَكَن في معنى سكت وسَكَنتِ الريح وسَكَن المطر وسَكَن الغضب

فهو يلجأ إليها من غربة

ويهدأ معها بعد حركة

ويستريح إليها بعد شقاء وعناء

تمنحه فرصة جديدة للحياة وتعطيه من فيض وجدانها

قد يتساءل البعض وما علاقة ذلك بموضوعنا عن العبودية لله والغاية من خلق الإنسان في حين أنه لب الموضوع ، إن الله عز وجل لم يخلقنا ليعذبنا ، ولم يخلقنا لنكون وحيدين في هذا الكون ، بدليل خلق  من كل شئ زوجين اثنين ، رجل وامرأة ، ذكر وأنثي ، سالب وموجب ن بقدرة الله عز وجل كان من الممكن أن يكون التكاثر بشكل مختلف ، وأن يكون المخلوق موحد النوع ، وإنما شاءت إرادته أن يكون ذكر وأنثي يكون أحدهما للآخر إما سعادة وإما فتنة ، إما سببا للنجاة أو سببا للهلاك ، إما نعيم مقيم في الدنيا والآخرة وإما عذاب مقيم في الدنيا والآخرة كذلك .

أرادت المشيئة الإلهية أن يضع في فطرة آدم احتياجا لها فيخلقها منه ، جزء ينتمي إليه ، فاستوحش شيئا في نفسه لا يدركه ، فخلق الله له حواء

لتكون له سكن ، يعود لرحابها ، ويأوي لصدرها ، ويسكن لقلبها ، ويتسعين بروحها فيصبر علي آلام الحياة والمشقة في الأرض والسعي فيها وبنائها وتعميرها ، يتحمل ويكد ويبذل من أجلها ، ثم هو يرغب فيها ويعود مختارا لذلك الحضن الدافئ الذي يضم ويسع ويعطي ليكون سكنا وملاذا لذلك العائد المكدود .

وكما نوهنا من قبل ، العبادة ليست دقائق نقضيها في بضعة ركعات يومية أو صيام أيام معدودة في العام أو حج مرة واحدة في العمر ، إنما جعل الله حياة الإنسان كلها له ، وجعل لكل منا غاية ورسالة وهدف ووسائل كل علي حدة ليحيل حياته كلها لله ، وجعل المهمة الأولي للمرأة هي تلك السكينة التي تضفيها علي زوجها الذي هو إما جنتها أو نارها .

 

حواء معان متجددة

وحين أنظر لحال الأسر المسلمة اليوم أرثي لها أيما رثاء ، فليس هذا ما أراده الله لها ، وبرغم الهموم ، وبرغم كثرة ما يشغل أسرنا اليوم ، من هموم تخص الأمة يدفع ثمنها كل فرد فينا ، إلا أن هناك مساحة واسعة يجب أن تحياها بيوتنا تمثل تلك المساحة لب العبادة بالنسبة للزوجة ، هي كما أردا الله منها ، سكن ، والسكن تشمل كل ما يسعد زوجها ، ومنه مشاركته اهتماماته وهمومه وقضاياه وترتيب الحياة بما يتوافق مع تلك الغاية التماسا لمرضاة الله ، لا يقلل ذلك من شأنها كإنسانة حرة شيئا ، لها أن تفعل ما لا يتعارض مع رغباتها في التفوق والنجاح والعمل شرط ألا يخرجها ذلك من دائرة الهدف الكبير .

ولقد أثار انتباهي أمرا في كلمة " روح " ، وكلا من الزوج والزوجة مطلوب منهما البذل لإنجاح السعي لتلك الغاية ، كلاهما عليه واجبا يبذله ، كل منهما عليه نقطة يقدمها لتتحول كلمة " روح " إلي " زوج " فيصير الزوج هو الروح ، الزوج هو الحياة ، هو الحصن ، هو الأمان ، هو الفخر ، هو الري والعطاء ، منه البدء ، وإليه المنتهي ، هو العودة ، هو زوال كل وحشة وغربة ، حين يكون هو يكون الوطن ، وحيث يكون هنا يكون الرجوع .

فهي حين تفتح ذراعيها لاستقباله علي باب البيت الحبيب ، إنما تفتح له أبواب الدنيا كلها لتحتتضنه ، تخفف عنه ، تحمل عنه همومه وأتراحه قبل أن تحمل عنه ما يحمله في يده إليها ، حين تضمه تذوب في ضمتها كل الثلوج ، وكل الغضب ، ويشتعل الحنين ، وتعلو الوجه ابتسامة الرضا ، وتزول الأمراض وتهرب الشياطين

حين تضمه ، يعود إليها طفلا بريئا عائدا لحضن أمه ملتمسا لديها كل معاني الخير ، فالأم لا تمثل في الوجود إلا كل خير

حين تضمه وتربت علي ظهره وتنظر لعينيه ستجد رجلها الذي طالما حلمت به وتمنته ، هو لها كل الرجال ، وهي له كل النساء ، به تفخر ، وعنده تهدأ ، وله تستكين

حين تضمه تصير له الحبيبة العاشقة ، والزوجة المخلصة ، والأم الحنون ، والمرأة التي يردها الله أن تكون

حين تضمه تنمحي كل المعاني السلبية في البيت ليصير موطن الملائكة ، حب ، ودفء وعطاء بغير حدود

حين تضمه لا تشعر أنها تعطي ، بقدر ما تشعر أنها تأخذ ، فالحب حين تعطيه تأخذ بالمقابل أضعاف ما تمنح دون أن تدري

تلك هي ضمة واحدة علي الباب ، فما بالنا بضمات عديدة ، وابتسامات مستديمة ،  وتعبير عن الحب لا يفتر ، واهتمام بمواعيد الراحة والعمل لا يلين ، ودفع في طريق النجاح كأنه نجاح لها

ما بالنا لو استقامت بيوتنا علي ذلك الفهم فكيف يكون حالها  ؟

وحديثي عامة أقدمه للمرأة ، فهي من أمثل ، وهي من أوجه لها رسالتي ، أنت أيتها الحبيبة من تقدرين علي إدارة الحب في المتجمع ، أنت صاحبته وملهمته ، أنت من تملكين مفاتيح مدائنه ، أنتي بقلبك ملكة بلاد الحب ، متوجة عليها ، فإما أن تكوني ملكة عادلة فتهبين مما تملكين لرعيتك التي أنت مسئولة عنها ، وإما أن تكوني ملكة ظالمة ، تسألين عمن ظلمتيهم ممن تعولين

أنت من جعل الله سورة باسمك في سور القرآن الكريم ، وأنت من جعل الله من يكرمك كريم ، ومن يهينك لئيم ، أنت رمز مروءة الرجال ، ورمز تقدم الأوطان ،  فبقدر مراعاة حقوقك ، وبقدر إحسان معاملتك  تقاس الحضارات .

أنت من تتحملين الحمل والميلاد والإرضاع بقدرة وهبها الله إياكي ، ثم لا تزيدك تلك الآلام كلها إلا قوة وتعلق بأبنائك وأحبابك

أنت من خلقك الله من الرجل ، وهو كائن حي ، وليس من تراب مباشر كما خلق آدم ، خلقك ليسكن إليك ، ويقدر علي الشقاء في الأرض بك

أنت أول من أسلمت لله وركعت وسجدت لله بعد النبي محمد صلي الله عليه وسلم متمثلة في أمك خديجة رضي الله عنها  

أنت من جعل الجنة تحت أقدامك وأنت أم ، وخفف عنك عبادات وأنت متعبة تعب قسري شهريا أو في كل ميلاد

أنت من أكرمك فجعل الشقاء علي الرجل في الأرض دونك " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقي " ، يخرج الاثنان من الجنة ، فيشقي آدم سعيا علي رزق زوجه وهي المكرمة في بيته لا يصيبها تعب ولا نصب

أنت من جعل تعاملك مع رجل واحد ليصونك فتحفظي من كل الرجال

كل هذا لك ، في سبيل إعانة زوجك علي إتمام مهمته في الحياة ، لتصير تلك مهمتك في الحياة

وتلك غاية الخلق منك أيتها الغالية

كوني له فيكون ويكون ويكون

لا تنسيك هموم الدنيا همك الأول

لا ينسينك الطغاة والمرابين بك والمتاجرين رسالتك الأولي 

لا ينسينك الغرور ما خلقك الله له

أنت إن فعلت فأنت تنفذين الغاية من الخلق ، تسيرين فيها

أنت سكن ، فكوني كما أرادك الله إن شئت بإرادتك الحرة أن تكون من أهل جنته

       

سَقَط الْقِنَاع

أتَخَيَّل أَنَّنَا مجبرون عَلَى أَنَّ نحاكي الْوَاقِع الْمُؤْلِم، بخواطر، تَقَرَّب الْأَفْهَام، تَنَفَّض الْغُبَار الْمَضْرُوبِ فِي الْعُيُونِ، الَّذِي يَحْجُب الرُّؤْيَة. كُنْتُ أَلْبِسُ نُظَّارِه تَحْجُب رؤيتي لَقَد صمَّ إذْنِي دويّ المفرقعات الْكَاذِبَة وأَعْدَم ضَمِيرَ

العواطف تتلون بألوان الحياة..

عواطِفُك الشَّفافة تفقِدُ لمعانَها وإشْراقَها مع مرورِ الزَّمن وتقلُّباتِ الفصول وتغيُّر الطِّباع وظروف الحياة وصُروفِ الاقدار .. وحياتُك لا تسيرُ في اتِّجاهٍ واحد ولا تستقيم على خطٍّ إلى منتهــاه , بل هي خطوطٌ أشبَه بخطوطِ يدِك المتشابكة والمنفصِلة عن بعضِها وخُطاك تسير حيث ق

لا بد أن ينتصر الخير

قال صديقي: أنت تزعم أن الخير ينتصر دائماً؟ قلت: بالتأكيد، لا أشك في ذلك أبداً. قال: كأنك تعيش في دنيا غير هذه الدنيا! ألا ترى كيف تنتهي الأحداث دائماً (أو غالباً) بهزيمة الخير والأخيار وانتصار الشر والأشرار؟ قلت: أصبت، إني حقاً أعيش في غير هذه الدنيا، أعيش ببدني فيها، ول