رمضان الربعاوي ، ورابعة الرمضانية

خاص عيون نت

التاريخ: الخميس 26 يونيو 2014 الساعة 12:00:00 صباحاً
رمضان الربعاوي ، ورابعة الرمضانية

رمضان الربعاوي ، ورابعة الرمضانية

في الطريق إلي هناك ، التقيته شاحب الوجه ، ضعيف البنية ، يميل برأسه في حضن  جدته المبتسمة بوجه كوجه النيل  ، تربت بيدها علي  ظهره  بيدها التي حفر فيه الدهر كلمات لا يستطيع أن يقرأها إلا من أدرك آلامها ، ابتسمت كالجبل الذي يحمل  هموما بحجم الوطن ، ثم تمشط شعره المبلل من أثر الحر الشديد ، وإرهاق الصوم في ظهيرة قاسية

كان فردا من عائلة متوجهة لنفس المكان الذي نقصده ، جدة ، وأم ، وخالة ، وابنة صغيرة لها

داعبته بكلمات ، اثبت يا بطل ، هانت ، سنصل بعد دقائق ، وهناك سوف تنسي عطش الصيام ، وجوع طول نهار رمضان ، فابتسم ابتسامة واهنة ، وبثغر جاف يدل علي طول سفر

ابتسمت الجدة مجددا لابتسامة حفيدها ، ونظرت بعينين عميقتين كعمق المحيط ، نظرت بامتنان وحب ، فهي جدة تحب كل من يظهر حبا أو ودا لمن تحبهم

حين الوصول ، وقفت بجوار السيارة وضحكت فها هو الشبل المرهق يغادر السيارة هرولة ، فرحا وإذا به يسبق الجميع إلي نقطة التفتيش الأولي ، وإذا به يرفع يديه بالتحية لشباب يعلوه بريق غريب ، أضفت عليه الشمس نورا علي نورهم بسمرة تشرق أكثر مما تغير لون الوجه الوضيء

غادرت السيارات فإذا بعشرات السيارات ، تغادرها عشرات الأسر ، وذلك ليس في هذا الوقت وحده ، وإنما علي مدار الساعة ، عشرات من الأسر بكامل أفرادها ، يتحملون مشقات الطريق والسفر في الحر والصيام بأطفال ونساء ، فإنما كان الرجال بالميدان لا يغادرونه .

كان الوقت في الثانية ظهرا ، وصوت شيخنا ينادي بالرشاشات أن تستعد للخروج مع الأخوات في مسيرة إلي ميدان رمسيس ثم العودة

قلت في نفسي ليتني ما جئت من رمسيس فقد كنت هناك من دقائق ، لكنني خجلت من نفسي حين رأيت الطفل المتعب المرهق الصائم ، يسابق مع والدته للسير في وهج الشمس إلي رمسيس مرة أخري ثم العودة ، يا له من مكان ذلك الذي ننطلق منه ثم نعود

إنها رابعة

هناك ، كانت مدينة مستقلة ، حياة ، أمان ، عبادة ، أخلاق ، طهر ، عفة ، أهل ، مروءة ، لن تجد هناك جائعا ، لن تجد حزينا ، وأبدا لن تكون فيها وحدك

غب عنها كما شئت فلن تستطيع أن تبتعد كثيرا وحتما سوف تعود ، وحتما سوف تبقي

تحتويك خيمة

تستظل بظل صاحبك وأخيك

تفترش الأرض

ثم تنام هانئا بلا ضيق في قلبك أو تعب في جسدك

تنطلق المسيرة مع الرشاشات المصاحبة لها

شيخ كبير يحمل رشاشا فوق ظهره ويسير منحنيا ، فرحا بما يقدمه من تخفيف لحدة الحر عن الأخوات المجاهدات السائرات في شوارع القاهرة .

مجموعة من شباب التأمين يسير مسرعا ليحيط بالمسيرة الربانية وفي ذات الوقت يوجه الثائرات للسير بجانب الطريق حتى لا نقطعه أو نعطل المرور أو السائرين في الشوارع ، فتيات منهن المتبرجات يسرن جنبا إلي جنب بمنتهي الشموخ والشعور بالأمان وسط تلك المجموعات السائرة الثائرة

وفي لحظات الوصول إلي الميدان ، وكأنك من الفاتحين العظماء ، وكأنك كنت الحبيب الغائب ، وكأن الأهل والأحباب كلهم في انتظارك بعد عودتك من سفر طويل ، يخرجون من الميدان لاستقبالك بالماء البارد ، وإن كان قد أذن نداء المغرب ، فتجدهم يهرعون إليك بالطعام والماء ، وجوه لم تعرف عنها إلا أنها رفيقة رابعة ، ربما لا تلتقيها مرة أخري ، وربما لم تكن تعرفها من قبل ، تسرع للاصطفاف لصلاة المغرب فيضيع كل التعب وكل إرهاق الطريق ، تلتقط أنفاسك وتتناول إفطارك ، ومن بعيد أري ذلك الطفل الرائع الصائم الآتي من سفر بعيد وكان قد غاب عن ناظري في المسيرة ، رأيته وأمه تلح عليه في تناول القليل من الطعام بينما هو  يهرول حولها متضاحكا ويحثها علي الانتهاء من الإفطار حتى يذهب معا أمام المنصة ليتابع الليالي الرمضانية الربعاوية .

سَقَط الْقِنَاع

أتَخَيَّل أَنَّنَا مجبرون عَلَى أَنَّ نحاكي الْوَاقِع الْمُؤْلِم، بخواطر، تَقَرَّب الْأَفْهَام، تَنَفَّض الْغُبَار الْمَضْرُوبِ فِي الْعُيُونِ، الَّذِي يَحْجُب الرُّؤْيَة. كُنْتُ أَلْبِسُ نُظَّارِه تَحْجُب رؤيتي لَقَد صمَّ إذْنِي دويّ المفرقعات الْكَاذِبَة وأَعْدَم ضَمِيرَ

العواطف تتلون بألوان الحياة..

عواطِفُك الشَّفافة تفقِدُ لمعانَها وإشْراقَها مع مرورِ الزَّمن وتقلُّباتِ الفصول وتغيُّر الطِّباع وظروف الحياة وصُروفِ الاقدار .. وحياتُك لا تسيرُ في اتِّجاهٍ واحد ولا تستقيم على خطٍّ إلى منتهــاه , بل هي خطوطٌ أشبَه بخطوطِ يدِك المتشابكة والمنفصِلة عن بعضِها وخُطاك تسير حيث ق

لا بد أن ينتصر الخير

قال صديقي: أنت تزعم أن الخير ينتصر دائماً؟ قلت: بالتأكيد، لا أشك في ذلك أبداً. قال: كأنك تعيش في دنيا غير هذه الدنيا! ألا ترى كيف تنتهي الأحداث دائماً (أو غالباً) بهزيمة الخير والأخيار وانتصار الشر والأشرار؟ قلت: أصبت، إني حقاً أعيش في غير هذه الدنيا، أعيش ببدني فيها، ول