وقفة مع آيات تحويل القبلة

خاص عيون نت

التاريخ: الخميس 20 يونيو 2013 الساعة 12:00:00 صباحاً
وقفة مع آيات تحويل القبلة

حسام العيسوي إبراهيم /خاص ينابيع تربوية

القرآن الكريم هو نعمة الله الخالدة لهذه الأمة المحمدية، من تمسك به هُدِيَ إلى صراط مستقيم، ومن تركه ضل في الدنيا وكان من الخاسرين في الآخرة، وإذا أردنا أن نقف مع حادثة من حوادث التاريخ فلن نجد مثل آيات القرآن الكريم تتحدث عن هذه الحادثة، تُذَكِرُنَا بالدروس والعبر، هذه العبر المتجددة عبر التاريخ، وهذا هو إعجاز كلام الله تبارك وتعالى، وحادثة تحويل القبلة من الأحداث العظيمة في تاريخ الأمة المحمدية، فكيف تحدث القرآن عن هذه الحادثة ؟ وما هي الدروس والعبر التي نستفيدها من هذه الحادثة المباركة ؟

حادثة تحويل القبلة تمت في العام الثاني من الهجرة، وكان لهذا التحويل أثره الكبير في المجتمع المسلم، وأهم آثاره والدروس المستفادة منه:

1- أن نتجنب ثالوث العداوة.

هذا الثالوث ذكره ربنا سبحانه وتعالى في بداية حديثه عن هذه الحادثة فقال تعالى: " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها " [ جزء من الآية 142 من سورة البقرة ]

فالشيطان يوحي إلى أولياءه من اليهود والمنافقين ليُرْبِكوا صفوف المسلمين، ويثيروا الشك والريبة في المجتمع المسلم، وهذا ما تم بالفعل، وثارت ضجة في المدينة، أقام اليهود الدنيا ولم يقعدوها: إن محمداً له كل يوم رأي، وكل يوم قبلة، كيف اتجه إلى الكعبة وكان من قبل يتجه إلى بيت المقدس ؟ إن كان ما مضى باطلاً فإن صلاة من صلى قبل ذلك ضائعة، وإن كان حقاً فكيف غيَّر هذا الحق اليوم ؟ ونزل القرآن الكريم يرد على هؤلاء، نزلت آيات كثيرة تمهد لهذا الأمر، وتقرر أولاً حق الله في نسخ ما يشاء من الأحكام والآيات، كما قال تعالى " ما ننسخ من آية أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير " [البقرة: 106 ]، ثم من ناحية أخرى حملت على هؤلاء السفهاء الذين ينتهزون أي فرصة لإثارة الشبهات واختلاق الأقاويل بلا علم ولا بينة، وردت عليهم فأفحمتهم، قال تعالى: " سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم " [ البقرة:142 ]، المشرق والمغرب لله.. الجهات كلها تستوي, صخرة بيت المقدس أو الكعبة في مكة، كلها لله عز وجل، الله الذي يخصص ويأمر، وإلا فالجهات مستوية، كما قال تعالى في نفس السورة: " ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله " [البقرة: 115 ]، فهو سبحانه وتعالى من حقه أن يخصص الجهة التي يريدها ويحبها لخلقه " يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم " [ البقرة: 142 ]، وقد هدى هذه الأمة إلى أحسن الجهات، اختار لها أفضل الأماكن... أول بيت وضع للناس ليتجهوا إليه، وليكونوا متعلقين بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وليجددوا ملته في التوحيد ومحاربة الأوثان والأصنام، فهل تعلم الأمة أعداءها ؟ وهل تتعرف على وسائلهم وطرقهم ؟!

2- وسطية هذه الأمة.

فهي أمة وسط في كل شيء، قال تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " [البقرة: 143 ]، فهم وسط في كل شيء:في الاعتقاد، وفي التعبد، وفي الأخلاق، وفي السلوك، وفي التشريع، حتى القبلة يقول عنها العلماء والباحثون اليوم:إن الكعبة البيت الحرام تعتبر وسط العالم، وسط الدائرة، مركز الدائرة، سرة العالم، هكذا أثبت الأستاذ حسين كمال الدين.

وهذه الوسطية ذكرها المولى تبارك وتعالى في آيات كثيرة فقال تعالى: " وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير " [ الحج: 78 ]، فهل تتعلم الأمة هذه الوسطية في أخلاقها، وفي تعليمها، وفي تفكيرها ؟!

3- الابتلاء ضرورة لا مناص عنها.

وهكذا تعلمنا من هذه الآيات، أن الله يختبر الأمة الإسلامية، على مستوى الأفراد، بل على مستوى الجماعات، الكل يختبر، وذلك من أجل التمحيص والاختيار، قال تعالى: " وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين " [ آل عمران: 141]، " أم حسبتم أن تدخلو الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم " [ البقرة: 214 ] " أم حسبتم أن تدخلو الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " [آل عمران: 142 ]، وفي هذه الآيات يحدثنا الله عز وجل عن اختباره للمؤمنين في حادثة تحويل القبلة فيقول: " لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " [ البقرة: 143 ]، لابد من امتحان كما حدث في الإسراء والمعراج، لابد من تنقية الصف قبل مرحلة الجهاد المقبلة التي يواجه المسلمون فيها أعداداً كثراً: الجبهة الوثنية، والجبهة اليهودية، والجبهة النصرانية، والجبهة المجوسية، وجبهة المنافقين، لابد من صف مؤمن متماسك كالبنيان المرصوص، فلابد من امتحان يميز الله فيه الخبيث من الطيب، المؤمن يقول: سمعنا وأطعنا، والمذبذب ينقلب على عقبيه لأدنى شيء، فهذا لا خير فيه " وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله " [ البقرة: 143 ] كان هذا التحويل شاقاً بما صحبه من تهاويل، ولكن الذين هداهم الله للإيمان استقبلوه بنفوسٍ مطمئنة، وعرفوا أن هذا من حق الله تبارك وتعالى.

4- لكل مجتهد نصيب.

فما كان الله ليضيع عمل عامل، وما كان لله أن يبخس حق مجتهد، ولذلك قال تعالى: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " [ البقرة: 143 ]، فالذين صلوا قبل ذلك نحو بيت المقدس لم تضع صلاتهم، صلاتهم كانت صحيحة في وقتها، ولو صلوا بعد ذلك إلى بيت المقدس لبطلت صلاتهم، لأن كل حكم صحيح في وقته، فإذا نسخ لا يجوز أن يعمل به.

فهل تعي ذلك الأمة ؟ فتعلم أنه لا سبيل لنهضتها إلا بالعمل، ولا سبيل لخروجها مما هي فيه إلا بالاجتهاد والتضحية، وما أعجب ما قاله ابن تيمية ! إن الله لينصر الأمة الكافرة لو كانت عادلة، ويهزم الأمة المسلمة لو كانت ظالمة.

5- صدق التوجه هو المقصود.

البِر الحقيقي هو بر العقيدة وبر الخلق وبر السلوك، ولهذا ردَّ على اليهود الذين يقفون عند الرسوم والشكليات بقوله " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون " [ البقرة: 177 ]

نسأل الله عز وجل أن يرزقنا بر العقيدة، وبر العبادة، وبر السلوك، وبر الأخلاق، إنه سميع قريب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

خطباؤنا والمجتمع: شراكة متينة!

سمعت قبل أيّام قصّة ذات دلالة نقلًا عن عالم خطيب أمضى بضعة عقود على منبره، فلأسباب تتعلّق بالعمر، والسّفر، وخلو يده من أيّ وسيلة لقياس أثر الخطب على المستمعين، أدركه الملل، وقرّر الاعتزال وترك المنبر لغيره، وزاد من عزمه أنّه يجهد نفسه في الإعداد، فضلًا عمّا قد يطرأ مستقبلًا من مض

بين الزهد والبلادة!

آن لنا نحن أبناء الإسلام أن ندرك الزهد الحقيقي بعد أن فهمناه دهرا فقرا ورضا بالقليل وإيثارا للعزلة في الزوايا على المضاربة في الأسواق تاركين الساحة لكل عابث فاجر أو عدو ماكر ، وهو ما فطن إليه علم الزهد، في زمانه سفيان الثوري وأدرك تغير أولويات كل زمن فقال كان المال فيما مضى يك

الصبر على مشاق الدعوة إلى الله

هذا مجال لخلق الصبر في القرآن، وهو الصبر على مشاق الدعوة إلى الله تعالى، وما يحفّ بها من متاعب وآلام، تنوء بها الظهور، وتضعف عن حملها الكواهل إلا من رحم الله، وذلك أن أصحاب الدعوة إلى الله يطلبون إلى الناس أن يتحرروا من أهوائهم وأوهامهم وموروثاتهم ومألوفاتهم، ويثوروا على شهوات أن