الإسلاميون .. من الدعوة إلى الدولة

التاريخ: الخميس 22 نوفمبر 2012 الساعة 12:00:00 صباحاً
الإسلاميون .. من الدعوة إلى الدولة

السنوسي محمد السنوسي

قبل أن ندخل إلى الإشكالية التي يطرحها المقال، ويحاول أن يستكشف بعض جوانبها ومآلاتها، من المهم أن نعرِّج على المصطلحات الثلاثة التي يتناولها المقال.

أما «الدعوة» فالمراد منها «الدعوة إلى الله، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي}، والمقصود بالدعوة إلى الله الدعوة إلى دينه وهو الإسلام: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} الذي جاء به محمد  " صلى الله عليه وسلم"  من ربه سبحانه وتعالى؛ فالإسلام هو موضوع الدعوة وحقيقتها».

و«رجل الدعوة» هو المسلم الذي يجعل العمل للإسلام همه الأول وشاغله الأكبر، به يعمل وإليه يسعى ويدعو، فهو ليس المسلم الذي ورث الإسلام عن أبويه ولا يعنيه أمر الإسلام في قليل أو كثير، ولا حتى المسلم الذي يمارس شعائر الإسلام في حدها الأدنى دون أن يشكل الإسلام له منهجًا في الحياة بكل تفاصيلها.. بل هو ذلك المسلم الذي يتخذ من الإسلام عقيدةً وفكرًا ومنهجًا ومنطلقًا عن قناعة تامة وثقة لا تتزعزع. 

إصدار القوانين

وأما «الدولة» فهي «الكيان السياسي والإطار التنظيمي الواسع لوحدة المجتمع، والناظم لحياته الجماعية وموضع السيادة فيه، بحيث تعلو إرادة الدولة شرعًا فوق إرادات الأفراد والجماعات الأخرى في المجتمع، وذلك من خلال امتلاك سلطة إصدار القوانين، واحتكار حيازة وسائل الإكراه وحتى استخدامها في سبيل تطبيق القوانين، بهدف ضبط حركة المجتمع، وتأمين السلم والنظام، وتحقيق التقدم في الداخل والأمن في الخارج، وإلى جانب الاستخدام العام للمصطلح بمعنى الجسم السياسي للمجتمع، هناك استخدام أكثر تحديدًا يقتصر فيه المعنى على مؤسسات الحكم، وتتألف عناصر الدولة من الشعب والأرض والسلطة».

و«رجل الدولة» تعبير يطلق على الشخصية السياسية التي تدرك عمق اللحظة التي يمر بها وطنها، وتمتلك مفاتيح عملية لإدارة الموارد والأزمات، ولديها رؤية طموحة وواقعية.

رجل السياسة

وهناك مصطلح آخر قريب الصلة به، وهو «رجل السياسة»، وبعض الكتابات تشير إلى أنهما يشتركان في الكثير من الصفات والقدرات، غير أن «رجل الدولة» يتميز بالبعد الاستراتيجي عن الواقع والمستقبل، ويغلِّب مصلحة الوطن على المهاترات السياسية والمصالح الحزبية الضيقة، التي تشكل في كثير من الأحيان عائقًا أمام المصلحة الوطنية.

وأما «الإسلاميون» فهم مجموعة من المسلمين يتحركون بالإسلام ويدعون إلى تطبيقه في واقع الناس، وإلى تحويله إلى برنامج عملي، وليس فقط مجموعة من المبادئ والمفاهيم النظرية التي تنعكس في شعائر متناثرة. وبتعبير آخر «المسلمون هم كل من يتدين بدين الإسلام، أما الإسلاميون فهم طلائع الفكر والعمل الإسلامي المشتغلون بصناعة الفكر، والذين يقودون العمل لوضع هذا الفكر في الممارسة والتطبيق؛ فكل إسلامي هو مسلم، وليس العكس دائما بصحيح».

بين الدعوة والدولة

وهنا يثور سؤال مهم: وما الفرق بين مرحلتي: رجل الدعوة ورجل الدولة؟ وهل المطلوب أن يغادر كل الإسلاميين المرحلة الأولى إلى الثانية؟

ونقول: إن مجالات العمل الإسلامي تندرج جمعيها- نظريًّا- تحت مفهوم الدعوة، أي الدعوة إلى الإسلام كما أشرنا، لكن من حيث التطبيق العملي هناك مستويات أو مجالات عدة يتفرع إليها العمل الإسلامي؛ فهناك المستوى الإيماني والتربوي، أي ترسيخ العقيدة الصحيحة والأخلاق الحسنة، وهذا هو المجال الذي يتبادر إلى الأذهان عند الحديث عن «الدعوة».. وهناك المستوى السياسي وتكوين نخبة تستطيع تحويل الأفكار والأطروحات إلى برامج عملية وخطط واقعية، وهذا هو المجال الذي يُعنى به «رجال السياسة» و«رجال الدولة»، ثم هناك أيضًا مستوى العمل الاجتماعي وتكوين روابط مع الجماهير بالعمل الخيري وغيره فيما يُعرف حديثًا بالعمل الأهلي أو المدني.

ومن ثم فليس من المعقول ولا من المطلوب أن ينتقل كل الإسلاميين من مرحلة «رجل الدعوة» التي أَلِفُوها كثيرًا إلى مرحلة «رجل الدولة» التي باتت أكثر إلحاحًا، بل المقصود هو العمل على تكوين طبقة أو نخبة تقود العمل السياسي والحزبي، وتحقق التواصل السياسي مع الجماهير، وتمتلك القدرة على تسيير دفة الدولة وتقديم البديل الذي تتوق إليه الشعوب، بعد أن عانت عقودًا من الزمن من أنظمة رسَّخت الاستبداد والفساد.

ولاشك أن لكل مرحلة رجالها وصفاتها ومؤهلاتها وشروطها وإشكالياتها، وأنه آن للإسلاميين أن يتعاملوا مع كل مرحلة بمنهجية وخطط ومؤسسية، بعيدًا عن الارتجالية والاجتهادات الفردية، فضلًا عن التصورات الساذجة البدائية.

صفات مشتركة ومغايرة

ويمكن أن نشير بإجمال في النقاط الآتية إلى المطلوب من الإسلاميين للانتقال من رجل «الدعوة» إلى رجل «الدولة».. لكن أجدد التأكيد أولًا على أنه إذا كان لكل مرحلة من هاتين المرحلتين خصائص وصفات تميز كلًّا منهما، فإن بينهما أيضًا خصائص وصفات مشتركة؛ فالصفة التي سأذكرها في رجل «الدعوة» قد تكون مطلوبة أيضًا في رجل «الدولة».. ولكن ليس بنفس الدرجة والأولوية، وكذلك العكس.

رجل «الدعوة» ينطلق من الحلال والحرام.. أما رجل «الدولة» فينطلق من المصالح والمفاسد أو من الصالح والأصلح، وهذا ليس معناه أن رجل «الدولة» بعيد عن الالتزام بالحلال والحرام، لكن الأمر في المجال السياسي يخضع لوجهات نظر متعددة، ليس بالضرورة أن يكون فيها حلال وحرام، أو صواب وخطأ.. بل مساحة الضوابط الشرعية (الحرام) في السياسة قليلة جدًّا.

رجل الدعوة

رجل «الدعوة» يبحث عما يحفظ له «خصوصيته» وذاته الفكرية والمعنوية.. ورجل «الدولة» يبحث عن «المشترك» بينه وبين الآخرين، ويدخل في ائتلافات مع غيره حتى مع من لا يتفق معهم في كل الأمور، فيفتح حوارات ونقاشات موسعة مع كل الأطراف وفي كل القضايا.

رجل «الدعوة» لا يحب المغامرة ويخاف من الوقوع في «الفتن» ويتبع «الأحوط»، أي أعلى درجة في الأحكام الشرعية تحقق الورع والزهد.. ورجل «الدولة» يقتحم المجالات مادام لا يوجد نص قاطع يمنع، كما يكون أكثر جرأة ولا يخشى الوساوس، ويتبع الأيسر أي الأخف من الأحكام الشرعية.

رجل «الدعوة» يغلب عليه الإحساس بالمسؤولية الفردية والنجاة بالنفس.. ورجل «الدولة» يهتم بالمسؤولية الجماعية ويبحث عن حلول للجميع.

رجل «الدعوة» قد يكتفي برأي واحد ورثه وألِفَه عمن يثق فيه.. ورجل «الدولة» يحاول أن يرى المسألة بوجوه متعددة؛ ليكوِّن بنفسه رأيًا يطمئن هو إليه، ويكون أقل تقليدًا لغيره ويحاول الابتكار.

رجل «الدعوة» قد تكون مواجهته للمشكلات هي أن يهرب منها! لأن «الفرد يَسَعُه ما لا يسع الجماعة»، أي يمكن أن يلتزم الفرد بأمر معين، لكن من الصعب أن يلتزم الناس كلهم بهذا الأمر.. فمثلًا إذا كانت السينما يغلب عليها الإباحية وأفلام الغرائز فم السهل على رجل «الدعوة» أن يقاطعها ويهرب منها ولا يحتك بها؛ لأنه لا يجد نفسه أصلًا مضطرًّا للتعامل معها.. أما رجل «الدولة» فتجب عليه مواجهة المشكلات والبحث عن حلول إيجابية غير تقليدية.

رجل «الدعوة» قد يرى في الأحزاب الليبرالية والعَلمانية عدوًّا للدين تجب محاربته.. لكن رجل «الدولة» يرى فيها منافسًا سياسيًّا مطلوب التغلب عليها وسحب البساط الجماهيري من تحتها.

تفاصيل

رجل «الدعوة» ينطلق من عالم «المثل والقيم الفاضلة»، وقد يستعلي على الواقع أو يرفضه أو يتجنبه أو يصطدم معه.. ورجل «الدولة» ينطلق من «الواقع والممكن» ومما هو متاح، ويسعى لتغيير ما هو سيئ بالصبر والتدرج والمرحلية، ويحاول أن يتعايش مع الواقع، لا أن يرفضه أو يتجنبه.

رجل «الدعوة» خطابه وعظي ويركز على الثوابت والْمُطْلَقات، أي الأمور التي لا تقبل النقاش والاختلاف.. ورجل «الدولة» خطابه عملي، وفي المتغيرات ومساحات الاجتهاد والإبداع؛ لأن رجل «الدعوة» لا يملك إلا الموعظة، بينما رجل «الدولة» يجب عليه أن يقدم حلولًا للمشكلات، وألا يكتفي بالمواعظ.

رجل «الدعوة» يتحدث عن القيم والأهداف.. ورجل «الدولة» يتحدث عن الخطوات والبرامج والتفاصيل، وتحويل القيم إلى خطط واضحة.

رجل «الدعوة» يهتم بتغيير المنكر، وقد لا يكترث بالعواقب.. أما رجل «الدولة» فينظر إلى النتائج والمآلات قبل أن يقدم على اتخاذ أي خطوة.

مد الجسور

من المهم أن نشير إلى أن تكوين طبقة «رجال الدولة» والسياسيين المحترفين لا الهواة.. هو أمر يحتاج إلى وعي عميق وجهد متواصل، والأهم إلى زمن تتشكل فيه تلك الطبقة.. وليس مصادفة أن يكون معظم السياسيين قد عرفوا العمل العام والسياسي منذ أن كانوا طلابًا بالجامعة، فهذا جهد مطلوب من الإسلاميين أن يضعوه في اعتبارهم على المدى الطويل.

أما على المستوى القصير، وبالنظر إلى تصدّر الإسلاميين المشهد السياسي بعد الربيع العربي، فنحن بحاجة إلى خطوات عاجلة لسد هذا الفراغ.

وهنا أؤكد على ضرورة مد الجسور مع السياسيين الوطنيين الشرفاء الذين لهم خبرة بالعمل السياسي، ومتاهات دولاب الدولة المتشعب والعميق، وفي الوقت نفسه يحترمون الهوية الإسلامية ولا يجدون غضاضة في احترام خيار الشعوب.. بعكس الذين كانوا يبدون قدرًا لا بأس به من التعاون مع الإسلاميين قبل الربيع العربي ثم لما أُجريت الانتخابات وانحازت الجماهير إلى الخيار الإسلامي قلب هؤلاء ظهر المجن للإسلاميين وناصبوهم العداء، وكأن الإسلاميين سرقوا أصوات الجماهير لا أن الجماهير هي التي اختارتهم عن طواعية واقتناع!!

إضافةً لذلك يجب أن يسرع الإسلاميون في إنشاء مراكز بحثية سياسية واستراتيجية تستفيد فيها من الكوادر العلمية عند غيرهم، فالعمل الحركي لابد أن تغذيه عقول ودراسات وأبحاث تنير الطريق وتقدم الحلول والبدائل، وصولًا إلى الدراسات الاستشرافية التي تتوقع وتحلل وتسابق الزمن والأحداث.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الوعي الإسلامي

‎خطبة الجمعة بين التوظيف السياسي والأمر بالمعروف

‎خطبة الجمعة بين التوظيف السياسي لمحاربة التغيير وبين واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يذهب ملايين المسلمين كل جمعة ألى المساجد لسماع موعظة خطبة الجمعة، ولكنهم في الغالب لا يسمعون إلا كلاماً مكرراً مملولا، يدعوهم إلى طاعة الحكام والإخلاص لهم والثقة بهم وإن أفسدوا وغيروا وبدّ

جهاد اللسان والبيان.. الجهاد الدعوي والإعلامي

من أنواع الجهاد المفروض على المسلم ومراتبه: الجهاد باللسان، وذلك بالدعوة إلى الإسلام وبيان محاسنه، وإبلاغ رسالته، بلسان الأمم المدعوَّة ليبيِّن لهم، وإقامة الحُجَّة على المخالفين بالمنطق العلمي الرصين، والردُّ على أباطيل خصومه، ودفع الشبهات التي يثيرونها ضدَّه، كل إنسان بما يقدر

اسأل.. ولا تخف!

كانت عائشة – رضي الله عنها – تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عمَّا يُشْكِل عليها من أمور الدين، فسمعته صلى الله عليه وسلم مرة يقول: «من نوقش الحساب عُذِّب»، فقالت: أليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: ٨]؟ فقال: «ذلك العرض»[1]. ولَـمَّا سمعته