اليوم الآخر في القرآن الكريم

التاريخ: الخميس 29 إبريل 2010 الساعة 12:00:00 صباحاً
اليوم الآخر في القرآن الكريم

د. محمد عياش الكبيسي

 

الإيمان باليوم الآخر هو حجر الزاوية في العقيدة الإسلامية، ذاك لأن الإنسان بطبعه لا يلزم نفسه بالطاعة إلا أن تكون من ورائها دفع مفسدة، أو جلب مصلحة، فالإيمان بالله وبرسالاته لا يؤدي ثمرته إلا إذا كان هناك جزاء ينتظره الإنسان، ومن ثم كان الإيمان باليوم الآخر له دور كبير في إلزام الإنسان بمنهج الله، ومن هنا جاء اهتمام القرآن باليوم الآخر اهتماما لا يقل عن الاهتمام بالركنين السابقين "الإلهيات" و "النبوات"

 

 ولنأخذ أمثلة على هذا الاهتمام:

 

1_ ذكر القرآن اليوم الآخر بما يصعب حصره، فلقد جاء ذكر الآخرة في القرآن بنحو (114) مرة. واليوم الآخر بنحو (26) مرة. أما أسماء اليوم الآخر فهي كثيرة جدا.

 

2_ في الغالب يأتي ذكر الإيمان باليوم الآخر عقب الإيمان بالله دون فاصل ولنقرأ هذه الأمثلة:

(ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر).

(ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر).

(لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين. إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر).

 

3_ الشمولية الواسعة التي حظي بها اليوم الآخر في القرآن الكريم، فلقد بحث القرآن الموت والبعث والحشر والحساب والميزان والصحف والصراط والجنة والنار، وكل هذا بتفصيل دقيق لا سيما إذا كان الغرض الترغيب والترهيب.

 

وسنعرض عقيدة اليوم الآخر في القرآن الكريم بنقاط مختصرة لكنها جامعة _إن شاء الله _ لأهم ما ينبغي أن يعرفه المسلم في هذا الموضوع_ وكما يأتي:

 

أـ أدلة وجود اليوم الآخر ومناقشة المنكرين:

يبدو أن القرآن استخدم دليل "الخلق" في إثبات اليوم الآخر، فالله خلق الكون من العدم فما المانع من أن يخلقه مرة ثانية والإعادة في عادة البشر أهون من الابتداء، وإذا كان الأمر ممكنا، والقران اخبر بوقوعه، والقران هو المعجزة الظاهرة، فعلام التكذيب؟! استطيع أن أقول أن هذا هو الدليل الوحيد الذي استخدمه القرآن في إقناع منكري اليوم الآخر، ولنقرأ بعض الأمثلة من القرآن الكريم:

 

(وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا. قل كونوا حجارة أو حديدا. أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا. يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا).

 

(أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا انتم منه توقدون. أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم. إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون).

 

وربما استخدام القرآن دليلا قريبا من الأول ونستطيع أن نسميه (دليل الملك) فمن هو مالك السموات والأرض والإنسان؟ فالمالك هو الذي يتصرف في ملكه كيف يشاء، ولنقرأ هذا النص فقط:

(بل قالوا مثل ما قال الأولون. قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون. لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين. قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل أفلا تذكرون. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم. سيقولون لله قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل فأنى تسحرون. بل آتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون).

 

ب_ وصف اليوم الآخر بصورة إجمالية:

 

وسنأخذ هذا من خلال الأسماء التي منحها القرآن لليوم الآخر، وهذه أبرز تلك الأسماء فلننظر فيها:

1_ يوم الدين: (الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين).

2_ يوم القيامة: (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون).

3_ يوم الحسرة: (وانذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر).

4_ يوم البعث: (فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون).

5_ يوم الفصل: (هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون).

6_ يوم التلاق: (يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق).

7_ يوم الآزفة: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع).

8_ يوم الحساب: (وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب).

9_ يوم التناد: (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد).

10_ يوم الجمع: (وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير).

11_ يوم الوعيد: (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد).

12_ يوم الخلود: (ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود).

13_ يوم الخروج: (يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج).

14_ الدار الآخرة: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين).

15_ الآخرة: (وبالآخرة هم يوقنون).

16_ الساعة: (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها).

17_ يوم التغابن: (يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن).

18_ الواقعة: (إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة).

19_ الحاقة: (الحاقة، ما الحاقة، وما إدراك ما الحاقة).

20_ القارعة: (كذبت ثمود وعاد بالقارعة) و (القارعة، ما القارعة. وما إدراك ما القارعة. يوم يكون الناس كالفراش المبثوث).

21_ الطامة الكبرى: (فإذا جاءت الطامة الكبرى. يوم يتذكر الإنسان ما سعى. وبرزت الجحيم لمن يرى).

22_ الصآخة: (فإذا جاءت الصآخة. يوم يفر المرء من أخيه. وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه).

23_ الغاشية: (هل أتاك حديث الغاشية. وجوه يومئذ خاشعة. عاملة ناصبة. تصلى نارا حامية).

 

ماذا يريد القرآن من كل هذه الأسماء؟ إن هذا الحشد ليس عبثا إن كل اسم من هذه الأسماء يفتح لنا نافذة على ذلك اليوم الآتي، أنها لقطات مصورة، وكل لقطة تفعل فعلها في نفس هذا الكائن الضعيف (الإنسان)، أنها تأخذه من تلابيبه لتوقفه على الصراط المستقيم صراط الله.

 

ج_ تفاصيل أحداث اليوم الآخر:

يبدأ اليوم الآخر بالنسبة للإنسان بالموت، أما الكون بما فيه ومن فيه فبقيام الساعة، ثم تستمر الأحداث متتالية حتى الخلود الأبدي في نعيم الجنة أو في عذاب النار، فلنتسلسل مع أحداث اليوم الآخر.

 

1_ الموت:

الموت ليس غيبا، وإنما هو حقيقة مشاهدة محسوسة، وكل إنسان يوقن أنه سيموت، والموت لا يحتاج إلى تفسير وبيان، ولا ينبغي أن نذهب عميقا في الفلسفات العميقة، فنسأل ما الموت؟ وما حقيقته؟

فهذا يبعدنا عن الحقيقة، فالحقيقة إن هذا الإنسان الذي يتحرك ويكد ويلهج ويبني ويهدم ويأكل ويشرب تأتي عليه لحظة ينقلب إلى قطعة هامدة فلا حركة ولا كلمة ولا أي شيء، ثم يتأذى أقرب الناس إليه بجثته الهامدة، لقد أصبحت نتنا وجيفة لا تطاق، فيتخلص أهله منه بأي طريق!!

 هذا هو الموت، فهل يشك فيه إنسان؟ وهل الإنسان بحاجة إلى أكثر من هذا؟.

 

ذكر القرآن الموت ذكرا كثيرا، ويكفي أن نعلم انه كرر لفظ (الموت) وما اشتق منها بنحو (165) مرة.

ومجرد تذكير الإنسان بالموت مغزى يهدف إليه القرآن، فالإنسان ينسى وهو بحاجة إلى من يذكره، ينسى الموت فيشقى ويطغى، لكنه إذا ذكر الموت ربما اتعظ وادّكر، ولكن القرآن قد يذكر الموت لا للتذكير فحسب بل ربما يقرن معه غايات أخرى ولنأخذ هذه الأمثلة:

 

(إنا نحن نحيي ونميت والينا المصير) (لا اله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب إبائكم الأولين) وهنا جاء للتذكير بقدرة الله الفعال لما يريد.

 

(فلولا إذا بلغت الحلقوم. وانتم حينئذ تنظرون. ونحن اقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون. فلولا إن كنتم غير مدينين. ترجعونها إن كنتم صادقين) (قل فادرؤوا عن انفسكم الموت إن كنتم صادقين). وهنا جاء لتقرير ضعف الإنسان.

 

(ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون). وهنا جاء نذيرا للطغاة والظالمين.

(حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن). (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون. لعلي اعمل صالحا فيما تركت). وهنا جاء لبيان ندم الإنسان العاصي الغافل ساعة الموت.

 

(وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلاً ). وهنا جاء ليثبت أن الموت مقدّر وله اجل محتوم. وتصور كم ستلقي هذه العقيدة في نفوس اتباعها من جلد وشجاعة وإقدام.

(كل نفس ذائقة الموت) القرار العام الحاسم الذي لا استثناء فيه، الأنبياء، الطغاة، الملائكة والشياطين، الأولين والآخرين، يا له من قرار!!

 

2_ القبر والبرزخ:

 وهي المرحلة التي تأتي بعد الموت مباشرة وفيها يحجب جسد الميت ويحال بينه وبين الدنيا، وهذا الحائل هو الذي يسمى "البرزخ".

ولم يقف القرآن طويلا عند هذه المرحلة، فكل ما ذكره عن البرزخ (حتى إذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) والآية توضح حقيقتين: الأولى: وجود مرحلة يقول فيها الإنسان: رب ارجعون، هي بعد الموت قبل البعث. والثانية إن بين هذه المرحلة والمرحلة الأولى برزخ (حاجز) ومن أراد أن يكسر هذا الحاجز يقال له: كلا.

وأما القبر، فمع أن القرآن ذكره ثماني مرات بمشتقاته، إلا إن القرآن لم يذكر عنه لذاته شيئا جديدا، فمثلا يقول القرآن: (ثم السبيل يسره ثم أماته فاقبره)، وهذا معلوم فالميت يقبر، لكن الله أراد التذكير بقدرته _سبحانه _ وضعف عبده، ويقول أيضا: (وان الله يبعث من في القبور)، فهذا الكلام عن البعث أكثر مما هو عن القبر، ونحو هذا قوله _تعالى _ (وإذا القبور بعثرت. علمت نفس ما قدمت وأخرت).

 

والمقصود إن القرآن لم يحدثنا عن تلك المرحلة، طبيعتها وطبيعة الإنسان فيها، وعمرها، لم أجد في القرآن من هذا شيئا، نعم ربما هناك إشارات كما في قوله _تعالى _: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب) فالعرض إذا كان قبل قيام الساعة فهو في عالم البرزخ _والله اعلم _ لكن تبقى الحقيقة إن الله لم يفصل لنا تلك المرحلة، ولم يطلعنا على جوانبها، فلماذا؟! الله وحده هو الذي يعلم. ولكن إذا كان المقصود بذكر اليوم الآخر أساسا هو الإعداد ليوم الحساب ترغيبا وترهيبا فان تفصيل القرآن للجنة وما فيها والنار وما فيها مع التأكيد بأن الإنسان بعد موته لا يمكن أن يرجع إلى الدنيا فبينه وبينها برزخ، هذا يكفي لمن كان له لب _والله اعلم _.

--------------------------------

المصدر : العقيدة الإسلامية في القرآن الكريم ومناهج المتكلمين

 

 

 

 

أحباب القلب خلف القضبان

دمتم بخير وعافية دمتم لدعوتكم فداء ولإخوانكم دواء ولأحبابكم قمرا منيرا وضياء وسماء صافية ولقاء ورفاق وشمس دافئة مشرقة وصفاء وابتسامة تنير الحياة دمتم رفقاء الدنيا والآخرة يا أجمل عطايا السماء نوركم ساطع رغم الجرح والأنين في موطن الصديق يوسف في غيابت الجب خلف قضبان اله

ولادة في غرفة الإعدام

أخي بلا مأوى بلا دار بلا عنوان يتنقل بين الجدران يحيا بين الغربان يفترش الأرض ويلتحف السماء بظلمة الليل وبرد الشتاء ونار الظلم والظلام بفعل اللئام بيننا وبينه جدار عازل، سور فاصل سلاح قاتل، حارس غادر طعام فاتر، ماء غائر سلك شائك، حبل تدلى وضمير تخلى أخي في الزنزانة رهن ا

في ظلال الليل

مطر وبرق ورعد ورياح هوجاء تئن القلوب أرقا وإرهاقا وتعبا تتقلب الأجساد بردا بلا أنيس أو جليس يا دار كوني بردا وسلاما على الحبيب من ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم رغبا ورهبا للعزيز فلا موعد لطعام أو شراب لا موعد لنوم أو يقظة لا موعد لبرد أو دفئ لا موعد لمرض