من معالم عمر بن عبد العزيز

التاريخ: الأربعاء 31 مارس 2010 الساعة 12:00:00 صباحاً
من معالم عمر بن عبد العزيز

 

 

 



 الدكتور علي الصلابي

 

 

ومن خلال حياة عمر بن عبد العزيز الاجتماعية يمكننا معرفة معالم منهجه في التغيير الاجتماعي والتي من أهمها:

 

1- القدوة:

حيث ضرب من نفسه مثالاً رائعًا في الزهد والورع ومحاسبة النفس والأهل والعشيرة وإقامة الشرع على نفسه ومن حوله.

 

2- التدرج والمرحلية:

حيث أخذ بسنة التدرج في الإصلاح الاجتماعي، وإماتة البدع وإحياء السنن، كما مرَّ معنا.

 

3- فهم النفوس البشرية:

 ولهذا كان يتبع مع الناس أسلوبَ الحكمة والموعظة الحسنة، ويرغِّب ويرهب، ويعطي شيئًا من الدنيا لتهدئة النفوس ثم أخذها للحق وإقامة العدل وإزالة الظلم.

 

4- ترتيب الأولويات:

 فقد قدَّم ردَّ المظالم على غيرها من الأعمال، ولهذا انتهج سياسةً واضحةً في ردِّ المظالم، بدأ بنفسه، ثم أهله وعشيرته، وعزل الولاةَ الظلمةَ وعيَّن الأخيارَ من أهل الكفاءةِ والأمانةِ والعلم، لإقامةِ العدل وتطبيق الشرع.. إلخ.

 

5- وضوح الرؤية في خطواته الإصلاحية:

 حيث جدَّد مفهوم الشورى وبيعة الحاكم وحق الأمة في الاختيار، عمل على توكيل الأمناء على الولايات، نشره للعدل في كافة الدولة، إحياؤه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حرصه على سلامة معتقد الأمة الصحيح ومحاربته للمعتقدات الفاسدة، اهتمامه بالعلماء وتوظيفه لخدمة الإسلام من خلال الدعوة والعلم والتعليم والتزكية،.. إلخ من الأعمال في مجالِ الاقتصاد والسياسة والاجتماع، حيث كان يملك رؤيةً إصلاحيةً تجديديةً شاملةً، كما سوف يتضح من خلال هذا الكتاب.

 

6- التقيُّد بالقرآن الكريم والسنة النبوية وهدي الخلفاء الراشدين في رؤيته الإصلاحية:

وبذلك يمكننا القول بأن وضوح الرؤية انبثق من خلال ثوابت راسخة متمثلة في المرجعية الشرعية للرؤية الإصلاحية الشاملة التي قام بها عمر بن عبد العزيز، والتي من جوانبها الحياة الاجتماعية.

 

ثانيًا: عمر بن عبد العزيز والعلماء:

كانت أيام سليمان بن عبد الملك بدايةً لمشاركةِ العلماءِ في مسئوليات الدولة وقربهم من مصدر القرار السياسي وتأثيرهم فيه، فلما جاء عهد عمر بن عبد العزيز أصبحت مشاركة العلماء في إدارة شئون الدولة قويةً فعَّالة، وشاملة متنوعة، فعلى رأس الدولة عمر وهو يعد من أبرز العلماء وكبار الفقهاء وساس الدولة، كعالم وليس كملك، وتوسَّعت دائرة مشاركة العلماء في عهده، فبدأت في مركز اتخاذ القرار في العاصمة، حيث أحاط عمر نفسه بجملةٍ من العلماء للإشارةِ عليه ومعاونته وأبعد من سواهم، فأصبحوا فرسان الحلبة وحدهم، فأسهموا في صياغة سياسة الدولة صياغةً شرعيةً خالصةً، وامتدت مشاركتهم في المسئولية إلى بقية مرافق الدولة، فأسندت إليهم مختلف المناصب والأعمال، ولا يعدو القول الحقيقة إذا قلنا إن الدولة في عهد عمر بن عبد العزيز كانت دولةَ العلماء، فهي نموذجٌ لما ينبغي أن تكون عليه الدولة الإسلامية؛ اتَّحدت فيها السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية على أحسن حال، وقد اتَّسعت مشاركة العلماء في عهدِ عمر بن عبد العزيز بشكلٍ لم يسبق له مثيلٌ في الدولة الأموية، ويرجع السبب في ذلك إلى أمور، أهمها حرص عمر على تقريب العلماء وجعلهم بطانته ووزراءه وأعوانه، ويتعلق السبب الآخر بالعلماء، حيث لم يَرَ أحد من العلماء لنفسه أيَّ مبرر في البعد عن عمر والمشاركة في أعماله، فمن كان منهم اعتزال الخلفاء والأمراء من منطلق أن على العلماء أن يصونوا العلم ولا يذهبوا للسلاطين ابتداء بل على السلاطين أن يقدروا العلم والعلماء ويسعوا إليهم، من كان يرى ذلك فقد تحقق له شرطه، حيث كان عمر يقصد العلماء ويبعث إليهم، ومن كان يرى اعتزال الخلفاء والأمراء خوفًا على دينه من مخالطتهم لم يعد لهذا المحذور وجودٌ؛ حيث إن مجالس عمر ومخالطته تعين المرء على دينه، لهذا أقبل العلماء على عمر ورأوا أن من الواجب عليهم تحمل عبْء المسئولية الملقاة على عاتقه، ولم يعد لمعتذر عذر، بل أقبلوا عليه، وقالوا كما ذكر ابن عساكر: ما يسعنا أن نفارقَ هذا الرجلَ حتى يخالفَ فعله قوله، فهذا ميمون بن مهران الذي يقول: لا تدخل على سلطان وإن قلت آمره بطاعة والذي يقول: لا تعرف الأمير ولا تعرف من يعرفه، ومع هذا لا يجد لنفسه بدًّا من العمل عند عمر بن عبد العزيز ومشاركته، وتتجلى مشاركة العلماء في عهد عمر في عدة مظاهر أهمها:

 

1- قربهم من الخليفة وشد أزره للسير في منهجه الإصلاحي:

أسهم العلماء في مساعدة عمر بن عبد العزيز في السير في منهجه الإصلاحي، حيث أيدوه فيما اتخذه من قرارات إصلاحية، كما كان لبعضهم أثرٌ في اتخاذ عمر لبعض تلك القرارات.

 

من ذلك ما أثر على العالم العامل عراك بن مالك، فقد ذكر ابن عمه أنه كان من أشد أصحاب عمر بن عبد العزيز على بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم، وقد تعرَّض بسبب هذا الموقف لغضب بني أمية فيما بعد، فنفاه يزيد بن عبد الملك بعد توليه الخلافة إلى دهلك، وكان عراك بن مالك الغفاري شيخًا كبيرًا ومحدثًا تابعيًّا ثقةً من خيار التابعين، وكان زاهدًا عابدًا، وقد انتفع به أهل تلك الجزيرة التي نُفِي إليها، وكان هذا التابعي الجليل يسرد الصوم، قال فيه عمر بن عبد العزيز: ما أعلم أحدًا أكثر صلاةً من عراك بن مالك، وقد مات في منفاه رحمه الله في إمرةِ يزيد بن عبد الملك عام 104هـ ، وكان ميمون بن مهران من المقربين من عمر بن عبد العزيز، فقد روى ابنُه عمر بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: ما زلت ألطف في أمر الأمة وأنا وعمر بن عبد العزيز حتى قلت له: ما شأن هذه الطوامير التي تكتب فيها بالقلم الجليل وهي من بيت المال، فكتب إلى الآفاق لتركه فكانت كتبه نحو شبر، وميمون بن مهران قال عنه الذهبي الإمام الحجة عالم الجزيرة ومفتيها، وقال عنه عمر بن عبد العزيز: إذا ذهب هذا وضرباؤه، صار الناس بعده رجراجة، وكان يكبر عمر بن عبد العزيز بعشرين سنة، وكان ميمون بن مهران من علماء السلف ومن له مواقف وأقوال في نصرة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن أقواله: لا تجالسوا أهل القدر، ولا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تَعَلَّموا النجوم، وكتب ذات يوم إلى عمر بن عبد العزيز: إني شيخ كبير رقيق، كلَّفتني أن أقضي بين الناس، وكان على الخراج والقضاء بالجزيرة، فكتب إليه: إني لم أُكَلِّفك ما يُعنِّيك اجْب الطَّيَِبَ من الخراج، واقضِ بما استبان لك، فإذا لُبس عليك شيء، ارفعه إليَّ، فإن الناس لو كان إذا كبُر عليهم أمرٌ تركوه لم يقم دين ولا دنيا، ومن أقوال ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلمَ من أين ملبسه ومطعمه ومشربه، وقال: ثلاثة تُؤدَّى إلى البرِّ والفاجر: الأمانة، والعهد وصلة الرحم، قال رجل لميمون بن مهران: يا أبا أيوب، ما يزال الناس بخير ما أبقاك الله لهم، قال: أقبل على شأنك: ما يزال الناس بخير ما اتقوا ربهم، وقال: من أساء سرًّا، فليتب سرًّا، ومن أساء علانية، فليتب علانية، فإن الناس يعيرون ولا يغفرون، والله يغفر ولا يعيّر، وعن جعفر بن برقان: قال لي ميمون بن مهران: يا جعفر قل في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقولَ له في وجهه ما يكره، وعن أبي المليح قال: قال ميمون: إذا أتى رجل باب سلطان، فاحتجب عنه، فليأت بيوت الرحمن، فليصلِّ ركعتين، وليسأل حاجته، وعن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهنَّ: لا تدخل على السلطان، وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تصغين بسمعك إلى هوى، فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه، ولا تدخل على امرأة ولو قلت: أعلمها كتاب الله، وقال: ما نال رجل من جسيم الخير- نبي ولا غيره- إلا بالصبر، وتوفي ميمون رحمه سنة سبعَ عشرةَ ومائة، وقيل سنة ست عشرة.

 

2 ـ تعهدهم عمر بالنصح والتذكير بالمسئولية:

 يعتبر عمر بن عبد العزيز أكثر خليفة وُجِّهت إليه النصائح والتوجيهات في عهد بني أمية، فقد شهد أكبر عدد من الرسائل بين الخليفة والعلماء، ولو استعرضنا أولئك العلماء الذين وجَّهوا النصحَ والتذكيرَ لعمرَ وما كتبوه من رسائلَ لطال بنا الحديث، ولكن نذكر منهم على سبيل المثال، سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ومحمد بن كعب القرظي، وأبا حازم سلمة بن دينار، والقاسم بن مخيمرة وحسن البصري وغيرهم، وكانت نصائح العلماء تتضمن عددًا من التوجيهات التي لها صلةٌ بمنهج عمر السياسي، مما يؤكد أن عمر بن عبد العزيز استقى منهجَه من المنهل الذي نبعث منه هذه التوجيهات، فمِّما جاء في موعظة محمد بن كعب القرظي: يا أمير المؤمنين افتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد الظالم، وبمثل هذا المعنى جاءت موعظة القاسم بن مخيمرة حيث قال لعمر: بلغنا أن من وليَ على الناس فاحتجبَ عن فاقتهم وحاجتهم احتجب الله عن فاقته وحاجته يوم يلقاه. قال عمر: فما تقول: ثم أطرق طويلًا وبرز للناس، وجاء في إحدى رسائل الحسن البصري لعمر: أما بعد يا أمير المؤمنين فكن للمثل أخًا وللكبير ابنًا وللصغير أبًا، وعاقبْ كلَّ واحد منهم بذنبه على قدر جسمه، ولا تضربن لغضبك سوطًا واحدُا فتدخل النار، وقد كان عمر كما سلف يحرص على تطبيق مثل هذا التوجيه ويأمر عمَّاله بذلك، ومما جاء في رسالة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه المليئة بالتوجيهات: فإنه قد كان قبلك رجالٌ عملوا وأحيوا ما أحيوا وأتوا ما أتوا، حتى ولد في ذلك رجال ونشأوا فيه وظنوا أنها السنة فسدوا على الناس أبواب الرخاء، فلم يسدوا منها بابًا إلا فتح الله عليهم باب بلاء، فإن استطعت- ولا قوة إلا بالله- أن تفتح على الناس أبوابَ الرخاء فافعل، فإنك لن تفتحَ بابًا إلا سدَّ الله الكريم عنك باب بلاء يمنعك من نزع عامل أن تقول لا أحد يكفيني عمله، فإنك إذا كنت تنزع لله وتستعمل لله أتاح الله لك أعوانًا فأتاك بهم، وجاء فيها أيضًا: فمن بعثت من عمالك إلى العراق فأنهه نهيًا شديدًا بالعقوبة عن أخذ الأموال وسفك الدماء إلا بحقها.. المال المال يا عمر والدم فإنه لا نجاةَ لك من هول جهنم من عامل بلغك ظلمه ثم لم تغيره، وهذه التوجيهات هي عين سياسة عمر في السعي لإغناء رعيته وانتقائه لعماله ومحاسبته لهم.

 

3- مشاركتهم في تولي مختلف مناصب الدولة وأعمالها:

 لم تقتصر مشاركة العلماء لعمر بن عبد العزيز على الإشارة عليه وتقديم النصح له، بل تعدت ذلك إلى تولي عدد من المناصب في مختلف الأقاليم، وأهم هذه المناصب وأكثرها أثرًا في سياسة الدولة الإمارة على الأقاليم، وبيت المال، وحين نتتبع ولاة عمر على الأقاليم نجد أن جُلهم من العلماء فمن ذلك الإمام الثقة والأمير العادل عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب على ولاية الكوفة، والعالم القدير أبو بكر بن عمر بن حزم على المدينة، والإمام الكبير إسماعيل بن أبي المهاجر على إفريقية، والفقيه المحدث عدي بن عدي الكندي على الجزيرة الفراتية وأرمينية وأذربيجان، والإمام القاضي عبادة بن نسي على الأردن، والثقة الصالح عروة بن عطية السعدي على اليمن، والقاضي الفاضل سالم بن وابصة العبدي على الرقة، وأما بيت المال فقد تولَّى العمل فيه عدد من العلماء ومنهم: العالم الجليل ميمون بن مهران على خراج الجزيرة، والثقة الصالح صالح بن جبير الصدائي على الخراج لعمر بن عبد العزيز، والعالم وهب بن منبه على بيت مال اليمن وأبو زناد، وتولى عمر بن ميمون البريد لعمر بن عبد العزيز، ولا شك أنه كان لهذه المشاركة الواسعة من العلماء بتوليهم الإمارة، وبيوت الأموال في مختلف الأقاليم الأثر الكبير في ضبط شئون الدولة الإدارية والمالية وما ترتب على ذلك من آثار حسنة في الحياة السياسية في عهد عمر بن عبد العزيز.

 

ثالثًا: المدارس العلمية في عهد عمر بن عبد العزيز والدولة الأموية:

تحدثت في كتابي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن المدارس العلمية واتخاذه من عاصمة الدولة مدرسةً يتخرج منها العلماء والدعاة والولاة والقضاة، فنشطت المدارس العلمية في مكَّة والمدينة والبصرة والكوفة والشام ومصر وغيرها، وأشرف الصحابة الكرام على تعليم وتربية الناس فيها، واستطاعت تلك المدارس أن تخرِّج كوادرَ علميةً وفقهيةً ودعويةً متميزةً ساندت المؤسسةَ العسكريةَ التي قامت بفتح العراق وإيران والشام ومصر وبلاد المغرب، واستطاع علماء الصحابة الذين تفرغوا لدعوة الناس وتربيتهم أن ينشئوا جيلًا من العارفين للدين الإسلامي من أبناء المناطق المفتوحة، وقد استطاعوا أن يتغلبوا على مشكلة إعاقة الحاجز اللغوي، بل تعلم الكثير من الأعاجم لغةَ الإسلام، وأصبح كثيرٌ من رواد حركة العلم بعد عصر الصحابة من العجم.

 

لقد أثَّرت المدارس العلمية والفقهية في المناطق المفتوحة، وشكَّلت جيلًا من التابعين نقلوا إلى الأمة علمَ الصحابة وأصبحوا من ضمن سلسلة السند التي نقلت للأمة كتابَ الله وسنةَ رسوله صلى الله عليه وسلم، ويرجع الفضل- بعد الله- في نقل ما تلقاه الصحابة من علم من الرسول بالدرجة الأولى بعد الله إلى مؤسسي المدارس العلمية بمكةَ والمدينةِ والبصرة والكوفة وغيرها من الأقطار، وقد استمرت مدارس التابعين في النشاط العلمي في عهد الدولة الأموية، وكثير من العلماء الذين تخرجوا من تلك المدارس أعانوا عمر بن عبد العزيز على مشروعه الإصلاحي التجديدي الراشدي المنضبط بمنهاج النبوة، ومن أهم تلك المدارس:

 

1- مدرسة الشام:

تأسست في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأشهر مؤسسيها من الصحابة معاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعباد بن الصامت رضي الله عنهم، وحمل التابعون الرايةَ العلميةَ والتربويةَ والدعويةَ بعد الصحابة ومن أشهرهم:

 

أ- الإمام الفقيه أبو إدريس الخولاني، عائذ بن عبد الله:

قاضي دمشق وعالمها، روى عن أبي الدرداء، وأبي هريرة وابن عباس وخلق غيرهم، كان أبو إدريس عالمَ الشام بعد أبي الدرداء، قال: أدركت أبا الدرداء ووعيت عنه، وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس ووعيت عنهما، كان أبو إدريس ثقةً من أهل الفقه في الدين وعلم الحلال والحرام، وكان من أحسن الناس تلاوة للقرآن، فعن يزيد بن عبيدة أنه رأى أبا إدريس في زمن عبد الملك ابن مروان، وأن حلق المسجد بدمشق يقرءون القرآن، يدرسون جميعًا، وأبو إدريس جالس إلى بعض العمد، فكلما مرت حلقة بآية سجدة بعثوا إليه يقرأ بها، وأنصتوا له وسجد بهم جميعًا.. حتى إذا فرغوا من قراءتهم قام أبو إدريس يقص.

 

وعن يزيد بن أبي مالك قال: كنا نجلس إلى أبي إدريس الخولاني فيحدثنا، فحدث يومًا عن بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استوعب الغزاة، فقال له رجلٌ من ناحية المجلس: أحضرت هذه الغزوة؟ فقال: لا، وقال الرجل: قد حضرتها مع رسول الله، ولأنت أحفظ لها مني، وقد عزل عبد الملك بن مروان بلال بن أبي الدرداء عن القضاء، وولى أبا إدريس، ثم أن عبد الملك عزل أبا إدريس عن القصص، وأقره على القضاء، فقال أبو إدريس: عزلتموني عن رغبتي وتركتموني في رهبتي، توفي عام 80هـ.

 

ب- الفقيه قبيصة بن ذؤيب الدمشقي:

روى عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء وعبد الرحمن بن عوف وخلقٍ غيرهم، كان قبيصة من علماء التابعين ثقةً مأمونًا كثيرَ الحديث، قال الشعبي: كان أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت، قال عنه مكحول: ما رأيت أحدًا أعلم من قبيصة، وعن ابن شهاب، قال: كان قبيصة بن ذؤيب من علماء هذه الأمة، توفي سنة 86هـ وقيل 87هـ، وقيل88هـ ، وقد توسعت في ترجمته عند حديثي عن عبد الملك.

 

ج ـ رجاء بن حيوة الفلسطيني:

من أجلة التابعين وشيخ أهل الشام، حدث عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وعباد بن الصامت وطائفة، كان شاميًّا ثقة فاضلاً كثير العلم، ويروى عن رجاء بن حيوة أنه قال: من لم يؤاخ إلا من لا عيب فيه قلَّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه بالإخلاص له دام سخطه ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوُّه، كان رجاء كبير المنزلة عند سليمان بن عبد الملك وعند عمر بن عبد العزيز، وأجرى الله على يديه الخيرات، ثم إنَّه بعد ذلك أُخِّر، فأقبل على شأنه، توفي سنة 112.

 

د- مكحول الشامي الدمشقي:

عالم أهل الشام عداده في أواسط التابعين من أقران الزهري سمع من واثلةَ بن الأسقع، وواثلة آخر من مات من الصحابة بدمشق، وتوفي عام 85هـ وله ثمان وتسعون سنة، قال عنه الزهري: العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام، وكان مكحول أفقه أهل الشام، ولم يكن في زمنه أبصر بالفتيا منه، توفي 112هـ، وقيل 113هـ، وقيل غير ذلك.

 

هـ- عمر بن عبد العزيز:

 من علماء المدرسة الشامية والمدينة، وذلك بعد انتقاله إلى الشام وقيامه بأعباء الخلافة، وكان معروفًا بالفقه، بصيرًا بالسنة، يرجع إليه القضاة في الأمور التي يختلفون فيها، وقد بدأ بالمدرسة الشامية لأنها ترعرعت في عاصمة الخلافة الأموية.

 

و- بلال بن سعد السكوني:

 الإمام الرباني الواعظ أبو عمرو الدمشقي، شيخ أهل دمشق، كان لأبيه صحبة، كان بليغ الموعظة، حسن القصص، نافعًا للعامة، وكان لأهل الشام كالحسن البصري بالعراق، وكان قارئ أهل الشام، جهير الصوت، يقول الأوزاعي: لم أسمع واعظًا قط أبلغ من بلال بن سعد، ومن مواعظه العميقة: يا أهل التُقى إنكم لم تُخلقوا للفناء، وإنما تُنقلون من دار إلى دار، كما نُقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى الخلود في جنة أو نار، ومن أقواله: لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر من عصيت، وقال الأوزاعي سمعته يقول: والله لكفى به ذنبًا أن الله يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها، وقد توفي سنة نيف وعشرة ومائة.

 

2- المدرسة المدنية:

لما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كانت المدينة عاصمةَ الدولة الإسلامية وموطن الخلافة، وفيها تفتق عقل الصحابة في استخراج أحكام إسلامية تصلح لما جدَّ من شئون في المجتمعات الإسلامية، بعد الفتوح التي كثرت، وفي عهد عمر بن الخطاب بلغ فقهاء الصحابة المفتون 130 مائة وثلاثين صحابيًّا، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وورث علماء التابعين الفقه والعلم والتربية والدعوة، وأما أشهر علماء التابعين سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وقد تحدثت عن دور فقهاء وعلماء التابعين بالمدينة في نشأة عمر بن عبد العزيز.

 

3- المدرسة المكية:

احتلت هذه المدرسة المكانة في قلوب المؤمنين الساكنين والثائبين على بلد الله الحرام، الحجَّاج والعمَّار والزوَّار، بل أخذت مكة بألباب كل مؤمن رآها أو تمنى أن يراها، ولقد كان العلم بمكة يسير زمن الصحابة، ثم كثر في أواخر عصرهم، وكذلك في أيام التابعين، وزمن أصحابهم، كابن أبي نجيح، وابن جريج، إلا أن مكة اختصت زمن التابعين بحبر الأمة وترجمان القران ابن عباس رضي الله عنهما الذي صرف جل همه، وغاية وسعه إلى علم التفسير، وربى أصحابه على ذلك، فنبع منهم أئمةٌ كان لهم قصب السبق بين تلاميذ المدارس في التفسير، وقد ذكر العلماء مجموعة من الأسباب أدت إلى تفوق المدرسة المكية في هذا العلم، وأهم هذه الأسباب والأساس فيها إمامة ابن عباس رضي الله عنهما وأستاذيته لها، ومن أشهر علماء التابعين في المدرسة المكية.

 

أ- مجاهد بن جبر المكي:

خذ الفقهَ والتفسيرَ عن ابن عباس وغيره من الصحابة، كان فقيهًا عالمًا ثقةً من أوعية العلم، وعن مجاهد قال: عرضت القرآن ثلاث عرضات على ابن عباس، أَقِفُه عند كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت، وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد، وقال مجاهد: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني، وقدم مجاهد على سليمان بن عبد الملك ثم على عمر بن عبد العزيز، وشهد وفاته، وعن مجاهد قال: قال لي عمر بن عبد العزيز في مرض وفاته: يا مجاهد ما يقول الناس فيَّ؟ قلت: يقولون مسحور، قال: ما أنا بمسحور، ثم دعا غلامًا له فقال: ويحك، ما حملك على أن سقيتني السُّم؟ قال: ألف دينار أُعطيتها وأن أُعتق، قال: هاتها، فجاء بها، فألقاها في بيت المال، وقال: اذهب حيث لا يراك أحد، وقال مجاهد: ما أدري أي النعمتين أعظم، أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء.

 

قال الذهبي معلقًا على قول مجاهد: مثل الرّفض والقدر والتجهّم، وعن عبد الوهاب بن مجاهد، قال: كنت عند أبي فجاء ولده يعقوب فقال: يا أبتاه، إن لنا أصحابًا يزعمون أن إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحدٌ، فقال: يا بني ما هؤلاء بأصحابي، لا يجعل الله من هو منغمس في الخطايا كمن لا ذنب له، ومات مجاهد سنة اثنتين ومائة وهو ساجد، وكان عمره ثلاث وثمانين سنة.

 

ب- عكرمة مولى ابن عباس:

كان مكيًّا تابعيًّا ثقةً من أعلم التابعين، روى عن ابن عباس، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عمر، وابن عمرو، وعقبة بن عامر، وعلي بن أبي طالب، قال: طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب وابن عباس بالدار، وعن عكرمة أن ابن عباس رضي الله عنه قال له: انطلق فأفتِ الناس وأنا لك عون، قلت: لو كان الناس ومثلهم مرتين لأفتيتهم، قال ابن عباس: انطلق فأفتهم، فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفتِه، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تُفته، فإنك تطرح عنك ثلثي مؤونة الناس، وكان عكرمة كثير الأسفار، ونزل على عبد الرحمن الحسّاس الغافقي، وصار إلى إفريقية، وقد اتهم عكرمة بالصفرية فرقة من فرق الخوارج، ولم تثبت هذه التهمة بسند صحيح، وإنما بصيغةِ "يقال"، وقد دافع علماء الجرح والتعديل عن عكرمة كأبي حاتم الرازي، وابن حبان، والعجلي، وابن منده، وابن عبد البر، ونقل ذلك ابن حجر في مقدمة الفتح، وقال: لا تثبت عنه بدعة، وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا هو يحتج بعكرمة، توفي سنة 105هـ.

 

ج- عطاء بن أبي رباح:

مفتي الحرم وأحد الفقهاء الأئمة، روى عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأم سلمة، وعائشة، ورافع بن خديج، وزيد بن أرقم، وابن الزبير، وابن عمرو، وابن عمر، وجابر، ومعاوية، وأبي سعيد، وعدة من الصحابة، وكان ثقةً فقيهًا عالمًا كثير الحديث، انتهت إليه فتوى أهل مكة، قال عنه ابن عباس: يا أهل مكة تجتمعون علي وعنكم عطاء، ولسعة علمه وجلالة قدره كانوا في عهد بني أمية يأمرون في الحج مناديًا يصيح: لا يُفتي الناسَ إلا عطاءُ بنُ أبي رباح، توفي سنة 115 هـ.

 

هؤلاء بعض علماء التابعين من المدرسة المكية الذين نهضوا بعبء الدعوة والتعليم وإتمام البناء العلمي.

 

4- المدرسة البصرية:

 وهي منافسة للكوفة في كل الفنون، وقد نزلها من الصحابة جمعٌ كثير، منهم أبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وأنس بن مالك وغيرهم، ويعتبر أنس بن مالك رضي الله عنه شيخ السادة من علماء التابعين أمثال الحسن البصري، وسليمان التيمي، وثابت البناني، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وإبراهيم بن أبي ميسرة، ومحمد بن سيرين، وقتادة وغيرهم، ومن أشهر علماء المدرسة البصرية:

 

أ- محمد بن سيرين البصري:

كان مولى أنس بن مالك، سمع من ابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة وخلق سواهم، وعن حبيب بن الشهيد قال: كنت عند عمرو بن دينار، فقال: والله ما رأيت مثل طاووس، فقال أيوب السختياني، وكان جالسًا: والله لو رأى محمد بن سيرين لم يقله، وقال عثمان البتي: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء من ابن سيرين، وكان الحسن البصري يقدمه على غيره، فعن ثابت البُناني، قال: كان الحسن متواريًا من الحجَّاج، فماتت بنت له، فبادرت إليه رجاء أن يقول لي صلِّ عليها، فبكى حتى ارتفع نحيبه، ثم قال لي: اذهب إلى محمد بن سيرين، فقل له ليُصل عليها، فعرف حين جاء الحقائق، أنه لا يعدل بابن سيرين أحدًا، وكان محمد بن سيرين يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان قد اشتهر بتفسير الأحلام، وهو أشهر من أن يعرف في هذا الباب، قال عنه الذهبي: قد جاء عن ابن سيرين في التعبير عجائب، وكان له في ذلك تأييد إلهي، وكان يلبس الثياب الثمينة والطيالس والعمائم، وكان صاحب ضحك ومزاح، وكان بارًّا بأمه، قالت حفصة بنت سيرين: كانت والدة محمد حجازيةً، وكان يعجبها الصبغ، وكان محمد إذا اشترى لها ثوبًا اشترى ألين ما يجد، فإذا كان عيدٌ، صبغ لها ثيابًا، وما رأيته رافعًا صوته عليها، كان إذا كلمها كالمصغي إليها، وعن ابن عون، أن محمدًا كان إذا كان عند أمه لو رآه رجل لا يعرفه ظن أن به مرضًا من خفض كلامه عندها، وقال ابن عون: كانوا إذا ذكروا عند محمد رجلاً بسيئة ذكره هو بأحسن ما يعلم، وجاءه ناسٌ فقالوا: إنا نلنا منك فاجعلنا في حلٍّ، قال: لا أُحل لكم شيئًا حرَّمه الله، توفي ابن سيرين بعد الحسن البصري بمائة يوم، سنة عشر ومائة.

 

ب- قتادة بن دعامة السدوسي:

كان من أوعية العلم، روى عن بعض الصحابة وكبار التابعين، وكان ثقةً حجةً في الحديث، قال عنه أحمد بن حنبل: كان قتادة عالمًا بالتفسير وباختلاف العلماء، ثم وصفه بالفقه والحفظ، وقال: قلما تجد من يتقدمه، وقال: كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئًا إلا حفظه قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها، قال سلام بن مطيع: كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، قال عنه الذهبي: حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين، كان رأسًا في العربية والغريب وأيام العرب وأنسابها، وكان من تلاميذ الحسن البصري، وجالسه اثنتي عشرة سنة وصلى معه الصبح ثلاث سنين، توفي سنة ثماني عشرة ومائة.

 

5- المدرسة الكوفية:

نزل الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر رضي الله عنهم أجمعين، وقد اهتم عمر بالكوفة، ووجه عبد الله بن مسعود، واجتهد ابن مسعود في إيجاد جيلٍ يحمل دعوةَ الله فهمًا وعلمًا، وكان له الأثر البالغ في نفوس الملازمين له، أو من جاء بعدهم، وقد اشتهر مجموعة من تلاميذ ابن مسعود بالفقه والعلم والزهد والتقوى، منهم علقمة بن قيس، مسروق بن الأجدع، عبيدة السلماني، الأسود بن يزيد، ومرة الجعفي وغيرهم، ومن أشهر علماء التابعين في المدرسة الكوفية:

 

أ- عامر بن شرحبيل الشعبي:

كان علامة عصره ومن أفقههم، روى عن عائشة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر وجمهرة غيره حتى قيل أنه أدرك خمسمائة من الصحابة، لذلك كان صاحب آثار كثير العلم والفقه، قال محمد بن سيرين: لقد رأيته يُستفتى والصحابة متوافرون بالكوفة، ورغم هذا العلم الواسع فقد كان ينقبض عند الفتوى، وكثيرًا ما يقول لا أدري، لأنه كان يعتبرها نصف العلم، وقد قال الشعبي: إنا لسنا بالفقهاء، ولكنَّا سمعنا الحديث فرويناه، ولكنَّ الفقهاء من إذا علم عمل، ومن نكاته اللاذعة، ما رواه الأعمش قال: أتى رجل الشعبيَّ، فقال: ما اسم امرأة أبليس؟ قال: ذاك عرس ما شهدته، توفي سنة أربع ومائة، وقيل ست ومائة، وقيل خمس ومائة.

 

ب- حمَّاد بن أبي سلمة:

فقيه أهل العراق، روى عن أنس بن مالك، وتتلمذ على يدي إبراهيم النخعي، وهو أنبل أصحابه وأفقههم وأقيسهم وأبصرهم بالمناظرة، وكان أحد العلماء الأذكياء والكرام الأسخياء، له ثروةٌ وحشمةٌ وتجمُّل، وكان أفقه أهل الكوفة علي وابن مسعود، وأفقه أصحابها علقمة، وكان أفقه أصحابه إبراهيم، وأفقه أصحاب إبراهيم حماد، وأفقه أصحاب حماد أبو حنيفة، وأفقه أصحابه أبو يوسف، وانتشر أصحاب أبي يوسف في الآفاق، وأفقههم محمد، وأفقه أصحاب محمد أبو عبد الله الشافعي، رحمهم الله تعالى، وقد توفي حماد سنة عشرين ومائة.

 

6- المدرسة اليمنية:

من أشهر علمائها من الصحابة الذين أسهموا في دخول الإسلام فيها معاذ بن جبل، علي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري وغيرهم، ومن أراد التوسع فليراجع الرسالة العلمية للدكتور عبد الله الحميري، الحديث والمحدثون في اليمن في عصر الصحابة، ومن أشهر علماء التابعين في المدرسة اليمنية:

 

أ- طاووس بن كيسان:

فقيه أهل اليمن وقدوتهم، وأعلمهم بالحلال والحرام من سادات التابعين، روى عن ثلةٍ من الصحابة الكرام، كزيد بن ثابت وأبي هريرة، وزيد بن أرقم، وابن عباس، وهو معدودٌ من كبراء أصحابه، وروى عن معاذ مرسلاً، كان من أبناء الفرس الذين جهزهم كسرى لأخذ اليمن له، كان فقيهًا جليلاً بركة لأهل اليمن، أدرك خمسين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له عمر بن عبد العزيز في عهد سليمان: أرفع حاجتك إلى أمير المؤمنين.

 

ال: ما لي إليه حاجة، فكأن عمر عجب من ذلك، ومن أقواله: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج، وقال: البخل أن يبخل الرجل بما في يديه، والشح أن يحب أن يكون له ما في أيدي الناس، وقال عنه قيس بن سعد الطاووس فينا مثل ابن سيرين فيكم، وقال بن المديني: كان سفيان لا يعدل من أصحاب ابن عباس بطاووس أحد، وكان رحمه معتزلاً الأمراء والسلاطين، إلا إذا أُكره على عمل لهم، وإذا طلب أداء نصيحة فإنه لا يجامل أحدًا ويصدع بالحق، توفي بمكة سنة ست ومائة للهجرة.

 

ب- وهب بن منبه:

أبو عبد الله وهب بن منبه من أبناء فارس كان ينزل ذمار، وكان ممن قرأ الكتب ولزم العبادة، وواظب على العلم، وتجرد للزهادة، وقال عنه الذهبي: الإمام العلامة، الإخباري القصصي، وقال العجلي: تابعي ثقة كان على قضاء صنعاء، وذكره شيرازي في فقهاء التابعين باليمن، وكان صاحب حكمة وفطنة، وكان له أثر في محاربة الخوارج في اليمن وتحذير الناس من آرائهم، وإليك حواره مع أبي شمَّر الخولاني لما دخل على وهب بن منبه برفقة داود بن قيس، وتكلم داود لوهب، وقال عن صاحبه أبي شمّر الخولاني إنه من أهل القرآن والصلاح، والله أعلم بسريرته، فأخبرني أنه عرض له نفرٌ من أهل حروراء- يعني الخوارج- فقالوا له: زكاتك التي تؤديها إلى الأمراء لا تجزئ عنك، لأنهم لا يضعونها في موضعها، فأدِّها إلينا، ورأيت يا أبا عبد الله أن كلامك أشفى له من كلامي، فقال: يا ذا خولان، أتريد أن تكون بعد الكبر حروريًّا تشهد على من هو خير منك بالضلالة؟ فماذا أنت قائلٌ لله غدًا حين يقفك الله؟ ومن شهدت عليه، فالله يشهد له بالإيمان، وأنت تشهد عليه بالكفر، والله يشهد له بالهدى، وأنت عليه بالضلالة، فأين تقع إذا خالف رأيك أمر الله وشهادتك شهادة الله؟ أخبرني يا ذا خولان ماذا يقولون لك؟ فتكلم عن ذلك وقال لوهب: إنهم يأمرونني أن لا أتصدق إلا على من يرى رأيهم، ولا أستغفر إلا له، فقال: صدقت، هذه محنتهم الكاذبة، فأما قولهم في الصدقة، فإنه قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أن امرأةً من أهل اليمن دخلت النار في هرة ربطتها، أفإنسان مما يعبد الله يوحده، ولا يشرك به أحب إلى الله أن يطعمه من جوع أو هرة؟ والله يقول: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان:8) وأما قولهم لا يستغفر إلا لمن يرى رأيهم أهم خير أم الملائكة، والله يقول: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (الشورى: من الآية 5) فوالله ما فعلت الملائكة ذلك حتى أمروا به ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنبياء:27) وجاء ميسرًا ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (غافر: من الآية 7)، واستمر معه في الحوار والنقاش إلى أن قال ذو خولان: فما تأمرني؟ قال: انظر زكاتك فأدِّها إلى من ولاه الله أمرَ هذه الأمة، وجمعهم عليه، فإن الملك من الله وحده، وبيده يؤتيه من يشاء، فإذا أديتها إلى ولي الأمر برئت منها، وإن كان فضل فصلْ به أرحامك ومواليك وجيرانك والضيف، فقال: أشهد أني نزلت عن رأي الحرورية، توفي وهب رحمه الله سنة عشر ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك، وقيل إن يوسف بن عمر والي اليمن ضربه حتى قتله، ولعل ذلك بسبب موقف وهب من جور يوسف بن عمر المشهور بعنفه وظلمه.

 

7- المدرسة المصرية:

تكونت في مصر مدرسةٌ كان شيوخها من الصحابة الذين رحلوا إليها أيام الفتح ونزلوا في موضع الفسطاط والإسكندرية، ومن هؤلاء عمرو بن العاص، عبد الله بن عمرو بن العاص، الزبير بن العوام، وكان من أكثر الصحابة تأثيرًا في مصر عقبة بن عامر رضي الله عنه، وغير ذلك من الصحابة يرجع إليهم الفضل في دعوة الناس وتوجيههم نحو دينهم، وجاءت طبقة التابعين، وكان منهم أئمة ودعاة، ومن هؤلاء:

 

يزيد بن أبي حبيب.. الإمام الحجة، مفتي الديار المصرية، أبو رجاء الأزدي كان من جلة العلماء العاملين، ارتفع بالتقوى مع كونه مولى أسود، قال عنه الليث بن سعد: يزيد بن أبي حبيب سيدنا وعالمنا، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة.

 

8 - مدرسة شمال إفريقيا:

دخل القادة الفاتحون شمال إفريقيا وكان على رأسهم عمرو بن العاص ثم عبد الله بن سعد بن أبي السرح رضي الله عنهما، ثم تابع معاوية بن حديج فتح إفريقية، وولى معاوية بن أبي سفيان على مصر وإفريقية، وجاء بعده عقبة بن نافع الفهري، فاختط مدينة القيروان، وسار في الناس سيرةً حسنةً، وكان من خيار الولاة والدعاة، الذين جاهدوا ودعوا بالسيف والكلمة، ثم قام على إفريقية ولاةٌ صالحون ساروا على النهج نفسه، وفي عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز بعث إسماعيل بن أبي المهاجر واليًا على إفريقية سنة مائة، فكان داعيةً إلى الإسلام بلسانه وأعماله وأخلاقه، فأحبه الناس، وأحبوا دينه، وحرص على دعوة البربر إلى الإسلام، فاستجابوا لدعوته، وأسلموا على يديه، واهتم إسماعيل بتعليم الناس أحكام الشريعة، وتفقيههم في الحلال والحرام، وكان عمر بن عبد العزيز بعث معه عشرةً من التابعين من أهل العلم والفضل، وأهل إفريقية يومئذ من الجهل بحيث لا يعرفون أن الخمر حرام، حتى وصل هؤلاء فعلموا الناس الحلال والحرام، وسيأتي الحديث عن الفقهاء العشرة في محله بإذن الله، ومن خلال ما سبق من الحديث عن المدارس العلمية يظهر أهمية توريث العلم والخبرات الدعوية عند السلف، وامتداد ذلك يشمل أقاليم الدولة الإسلامية، ونستفيد أيضًا أهمية تفريغ مجموعة من أذكياء الأمة للتعلم والتعليم والإفتاء والإرشاد والوعظ ونشره بين الناس.

 

أحباب القلب خلف القضبان

دمتم بخير وعافية دمتم لدعوتكم فداء ولإخوانكم دواء ولأحبابكم قمرا منيرا وضياء وسماء صافية ولقاء ورفاق وشمس دافئة مشرقة وصفاء وابتسامة تنير الحياة دمتم رفقاء الدنيا والآخرة يا أجمل عطايا السماء نوركم ساطع رغم الجرح والأنين في موطن الصديق يوسف في غيابت الجب خلف قضبان اله

ولادة في غرفة الإعدام

أخي بلا مأوى بلا دار بلا عنوان يتنقل بين الجدران يحيا بين الغربان يفترش الأرض ويلتحف السماء بظلمة الليل وبرد الشتاء ونار الظلم والظلام بفعل اللئام بيننا وبينه جدار عازل، سور فاصل سلاح قاتل، حارس غادر طعام فاتر، ماء غائر سلك شائك، حبل تدلى وضمير تخلى أخي في الزنزانة رهن ا

في ظلال الليل

مطر وبرق ورعد ورياح هوجاء تئن القلوب أرقا وإرهاقا وتعبا تتقلب الأجساد بردا بلا أنيس أو جليس يا دار كوني بردا وسلاما على الحبيب من ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم رغبا ورهبا للعزيز فلا موعد لطعام أو شراب لا موعد لنوم أو يقظة لا موعد لبرد أو دفئ لا موعد لمرض