لماذا يذهبون إلى دورات تطوير الذات

التاريخ: الثلاثاء 27 اكتوبر 2009 الساعة 12:00:00 صباحاً
لماذا يذهبون إلى دورات تطوير الذات

"رؤية نفسية وتربوية"

لماذا يذهبون إلى دورات تطوير الذات

محمد عبد الله الصغير

بعد نشأتها في الغرب منذ أكثر من ثلاثين سنة لأسباب متعددة وحاجات متنوعة ، وصلتنا دورات تطوير الذات وانتشرت في البلدان الإسلامية ولاسيما دول الخليج ، وظهر انتشارها خلال السنوات السبع الماضية تقريبًا ، أيضًا لأسباب متعددة وحاجات متنوعة ، وقد تباينت مواقف الناس تجاه هذه الدورات ، ما بين قبول غير مستبصر ورفض مجحف ،  وما بينهما بناء على ما في هذه الدورات من إيجابيات وسلبيات ذات أبعاد متعددة نفسية واجتماعية (فكرية وسلوكية...).

ينبغي تأكيد أن الدورات التدريبية ، تُعنى بتطوير المهارات العملية تطبيقًا عمليًا ، يتم من خلال وجود المتدرب مع مدرب ومجموعة متدربين في وسط تدريبي ،  وليس الهدف الأساس من الدورات التدريبية صب معلومات نظرية من فم المدرب في آذان الحضور الذين يستطيع الواحد منهم الحصول عليها أو أفضل منها من أي مصدر آخر ، وهذا المفهوم المهم للدورات التدريبية غاب عن أذهان عدد من الإخوة والأخوات الذين دخلوا مجال التدريب دون وعي عميق وإعداد جيد فصار بعضهم يعقد دورات تسمى تدريبية ، وهي في الحقيقة أشبه ما تكون بالمحاضرات لا تفيد في إكساب المهارات العملية المطلوبة ولاسيما إذا كان عدد الحضور كثيرًا.

لماذا يقبل بعض الناس على دورات التطوير الذاتي؟

الأسباب متعددة ومتفاوتة وتختلف باختلاف نوعية الدورات وطبيعة الأشخاص وظروفهم ودوافعهم ، فمنهم من تكون لديه طموحات ورغبات لبناء شخصيته بناء قويًا متكاملاً ورفع قدراته ومهاراته واستثمار طاقاته ، ومنهم من تكون لديه معاناة أو عقبات أو نقص يريد التغلب عليه ليكون في وضع أفضل وحال أحسن.

ومما لوحظ في حضور دورات التطوير الذاتي ( حتى في الغرب بشهادة عدد من المدربين الغربيين ) أن البعض يسيء فهمها والإفادة منها فيكثر منها لأجل جمع الشهادات أكثر من حرصه على تعلم المهارات ويستغلها في الحصول على الجاه والشهرة والمال ، وبعض الذين لديهم معاناة نفسية يستمر في حضور دورات تطوير الذات ويجمع فيها من الشهادات ما يظن أنه يتغلب به على مشكلته ، فتكون هذه الدورات حيلة نفسية توهمه بانتهاء معاناته والتغلب على مشكلاته ، بل قد توهمه بالقدرة على حل مشكلات الناس وعلاجها علاجًا نفسيًا ، وقد وجدت من ذلك الشيء الكثير في مثل هذه الدورات ، ولاسيما في دورات البرمجة اللغوية العصبية ونحوها ، وفي المقابل هناك من المرضى النفسيين من أفادته دورات التطوير الذاتي فائدة حسنة لم يجدها في العيادة النفسية (على سبيل المثال بعض مرضى الرهاب الاجتماعي تفيده دورات فن الإلقاء والخطابة).

لماذا يُقبل المرضى النفسيون على دورات تطوير الذات؟

لأنهم يريدون التخلص من معاناتهم النفسية ، ولهم كل الحق في ذلك ولا ملامة عليهم فيه ، ولاسيما أن العيادات النفسية محدودة ، والذهاب إلى طبيب نفسي يشوبه ما يشوبه من الحذر الاجتماعي والديني والنفسي ، فكم من الناس من لديه معاناة نفسية عميقة لا يريد أن يقال عنه مريض نفسي،  ولا يريد أن يعالج لدى طبيب نفسي !

كما أن كثيرًا من المرضى لديهم معاناة نفسية طويلة الأمد، ولاسيما إذا كانت متعلقة بخلل في التواصل مع الآخرين أو في المشاعر السلبية أو التفكير الخاطئ ، وهؤلاء قد لا يجدون في العيادات النفسية من يساعدهم بالقدر الكافي،  إما لنقص المختصين في هذه المجالات أو لعدم اهتمام بعض المعالجين النفسيين بالمرضى بالقدر المطلوب.

ألا تغني مناهجنا التعليمية عن دورات تطوير الذات؟

مناهجنا التعليمية فيها خير كثير ، ولاسيما فيما يحتاج إليه الشخص في أمور دينه ، ولكن الحياة العملية تتطلب إكساب مهارات عملية تطبيقية ، تفي بحاجة الشخص لشق طريقه في الحياة والتكيف مع مستجداتها وظروفها وعقباتها ، وهذا - فيما يبدو لي - لدينا فيه نقص واضح نلاحظه في المجتمع وفي العيادات النفسية بشكل واضح فمثلاً:

-  طلاب الصف الثالث الثانوي كثيرًا ما يعانون القلق والتوتر والإحباط رغم كون كثير منهم متفوقين دراسيًا ، ولكن لديهم نقص في المهارات النفسية الاجتماعية ، ولم يدرسوا شيئًا من ذلك خلال مراحل دراستهم منذ الابتدائية ، وهم أحوج ما يكونون إلى تعلم المهارات النفسية مثل: إدارة الوقت وفهم الذات والتوافق النفسي والتحكم في الضغوط النفسية والتفكير الإيجابي ونحو ذلك.

 

 - الأزواج الشباب والشابات حديثو الزواج ، كثيرًا ما يحدث بينهم خلافات زوجية أو يكون لدى بعضهم ضعف في الثقة بالنفس ونقص في مهارات التواصل وأخطاء معرفية وسلوكية أو انحرافات عاطفية رغم كون كثير منهم ذوي ذكاء مرتفع وثقافة واسعة وتفوق دراسي.

- الانحرافات السلوكية والتصرفات المضادة للمجتمع موجودة في مجتمعنا بوضوح ( كأي مجتمع يتعرض لمؤثرات ثقافية واجتماعية مهيأة ) ، مع أن التعليم لم يقصر في النواحي المعرفية التوعوية والوقائية والعلاجية لتلك الانحرافات ، فالحاجة ماسة لإكساب الناس ، ولاسيما الشباب ، المهارات الأساسية التي يحتاجون إليها في حياتهم  (مهارات في فهم الذات ومكوناتها وتقديرها ، والثقة بالنفس ، وحسن التواصل مع الغير ، والتغلب على العقبات ، وإدارة الوقت،  وإدارة المال والعلاقات الاجتماعية ونحو ذلك).

إن تطوير الذات مطلب حضاري جوهري أساسي لرقي المجتمع وتطور الدول ، فالطالب يمكن أن يستفيد من تطوير الذات في كسب المعلومات والمهارات الدراسية ، والمعلم في المهارات التعليمية ، والزوج مع زوجته (والزوجة كذلك) في المهارات الزوجية والأسرية،  والإداري في المهارات الإدارية وهكذا كل فيما يحتاج إليه.

وهذا ما أظهرته الدراسات في البلدان الغربية ، التي أخذت تكثف من تعليم المهارات العملية في مناهجها الدراسية وتقلص من المعلومات النظرية غير الضرورية ، فمثلاً أظهرت بعض الأبحاث أن معدل الخلافات بين الطلاب في الفسحة،  قد انخفض بشكل كبير بعد أن وجد في المنهج الدراسي بعض المهارات النفسية الاجتماعية

.

بعض طلابنا وطالباتنا يعرفون معلومات نظرية (في العلوم أو الرياضيات أو الجغرافيا...) قد لا يعرفها أساتذة الجامعات في الغرب ، في حين تنقصهم أهم المهارات النفسية والاجتماعية التي يحتاجون إليها كل يوم في البيت والمدرسة والسوق...

 

انظر إلى سلوك الطلاب عند الانصراف من المدرسة أو عند التزاحم على بوفيه المدرسة (المقصف) ، وانظر إلى سلوك الناس عندما يصطفون في طابور في البنك أو في المطار أو نحو ذلك، وانظر إلى سلوكهم في قيادة السيارات في الطرقات ، وهل تقع الحوادث بسبب نقص معلومات أم ( بقضاء الله تعالى طبعًا ) بسبب نقص مهارات وضعف في تربية الذات.

هل الدورات الموجودة مرضية بوضعها الحالي؟

فيما يبدو لي أن الجواب هو (لا) ، فالوضع غير منظم ولا يوجد تقييم لجدارة المدربين ومصداقية شهاداتهم وتخصصاتهم وقدراتهم التدريبية ، ولا للمحتوى الفعلي للدورة التدريبية فمن شاء درّب كيف شاء بالمعلومات التي يشاء وبالطريقة التي يشاء ، ويأخذ من جهود الآخرين ما يشاء وينسب إلى نفسه ما شاء ويوصي بما شاء ويحذر كيف شاء،  ولذلك تتبلبل أذهان بعض المتدربين أمام كثير من المعلومات وكيفية تطبيق بعض المهارات.

ومما أوجد هذا الخلل عوامل عدة منها:

 - كون الشهادات التي حصل عليها المدرب شهادات تجارية تمنحه مسميات علمية دون اختبارات اجتياز أو قياس كفاءة فحضور دورة أسبوعين يكفي للحصول على مسمى مدرب معتمد في كذا (دون اختبار).

 - نقل كثير من المدربين معلومات غير دقيقة علميًا ينقلونها عن مدرب تجرأ على تخصصات لا يحسنها وخاض فيها بدون فهم.

 - نقل كثير من المدربين عن الكتب المترجمة في مجالات تطوير الذات، وقد يكون في هذه الكتب أخطاء علمية بسبب بعد المؤلف عن التخصص أو بسبب سوء الترجمة أو بسبب خلل في فهم القارئ المدرب.

- كون الهدف لدى بعض المدربين وبعض المراكز هدفًا تجاريًا في المقام الأول، ومن ثم فالاهتمام بالنواحي العلمية وإفادة المدرب إفادة حقيقية لا تعطي الاهتمام المطلوب.

توجد دورات جيدة في محتواها وتنظيمها ، وفي قدرة مدربيها وبعضها يقدم مجانًا عن طريق بعض الجهات الخيرية ( أو بسعر رمزي ) ، وقد لاقت إقبالاً حسنًا وتستحق الثناء والإشادة والتشجيع.

وهناك دورات تحتاج إلى ضوابط وإشراف ومتابعة جهات ذات اختصاص لتطويرها ، وضمان تحقق النفع المرجو منها وانتفاء ضررها ، ولاسيما الدورات التي لها بعد علاجي نفسي خصوصًا ما يتعلق بالتنويم الإيحائي فإنه سلاح ذو حدين قد يستخدمه من له أغراض سيئة في مصالحه الشخصية على حساب مصالح الناس وحقوقهم وأعراضهم.

المصدر : مجلة المعرفة العدد 143

 

منهج التثبت: خلق الأسوياء ومنهج الأنبياء

عندما أخبر الهدهد نبي الله سليمان عليه السلام أنه جاءه من سبأ بنبأ يقين، كان الموقف الحكيم الذي اتخذه سليمان هو الالتزام بالمنهج العلمي في التعامل مع الأخبار؛ باختبارها والتثبت من صدقها من مصادر أخرى وإخضاعها للنظر والتأمل و التحليل المنطقي "قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ ك

التدين الرقمي ومشيخة التقنية!

مع ظهور ثورة التكنولوجيا الرّقميّة، التي صاحبها ثورة معرفيّة وثقافيّة ضخمة؛ أصبح الإنترنت بتطبيقاته الهائلة وإمكاناته الّلامتناهية، وبخدماته التي تتميز بالسرعة والدّقة وسِعة التخزين العالية؛ جزءاً لا يتجزأ من مكون مجتمعاتنا المعاصرة، حيث بسط نفوذَه وسلطَته على جميع مناحي الحياة،

تجديد الخطاب الدعوي في عصر الثورة الصناعية الرابعة

تحدثنا في مقال سابق عن الحاجة إلى تجديد روح التدين ونؤكد اليوم أن الحاجة إلى تجديد روح التدين تستلزم تجديد الخطاب الدعوي فما أحوجنا اليوم إلى خطاب دعوي جديد يستوعب المتغيرات العاصفة التي يعيشها هذه الجيل بعد الثورة الرقمية والثورة الصناعية الثالثة ويستشرف آفاق الثورة الصناعية الر