بالانضباطِ نرتقي وليسَ بالاختلاط

خاص عيون نت

التاريخ: الإثنين 24 اغسطس 2009 الساعة 12:00:00 صباحاً
بالانضباطِ نرتقي وليسَ بالاختلاط

 

 

أحمد بن عبد المحسن العسّاف-الرياض

خاص ينابيع تربوية

 

الحديثُ عنْ الانتقالِ إلى العالمِ الأولِ حديثٌ جميلٌ يخوضُ فيه الكثيرون، وفي ذلك دلالةٌ إيجابيةٌ على اتفاقِ الغالبيةِ على ضرورةِ نفضِ غبارِ التَّخلفِ واللَّحاقِ بركبِ الأممِ المتطَّورةِ ثمَّ تجاوزها. وهذا ليسَ حلماً يقطعهُ علينا الواقعُ الصَّعب؛ فثمَّتَ دولٌ آسيويةٌ كانتْ معنا في ذيلِ القائمةِ وباتتْ اليومَ موضعَ إعجابِ العالمِ وتقديره.

وإذا سبرنا سيرةَ هذهِ الدِّولِ في تحوِّلها السريعِ عبرَ نصفِ قرن، فإنَّنا سنجدُ عدداً منْ الأعمالِ المشتركةِ التي يمكنُ محاكتُها، ويقفُ على رأسِها الاستثمارُ بالإنسانِ كأعظمِ موردٍ والعنايةُ بحقوقهِ وحفظِ كرامته، وإصلاحُ التعليمِ وتنويعُه وتوسيعُ مجالاتهِ ليناسبَ غالبَ الطُّلابِ باختلافِ الميولِ والقدراتِ بعدَ إجراءِ اختباراتٍ علميةٍ متعدِّدةٍ تسبقُ كلَّ مرحلةٍ معْ صرامةٍ في النِّظامِ تحجبُ الاستثناءات. وفي ماليزيا يدرجونَ مهاراتٍ رئيسيةً للتفكيرِ في جميعِ المراحل الدِّراسية، ولدى سنغافورة ثلاثةُ أنظمةٍ تعليمية، ويُعدُّ النِّظامُ التعليميُ في كوريا الجنوبية متقدِّماً على مستوى العالم.

والابتعاثُ في تلكَ البلادِ فريدٌ متميزٌ باختيارِ أنبهِ الطُّلابِ وأهمِ التخصُّصاتِ وأرقى الجامعات، معْ تزايدِ إيمانِ المبتعثينَ بواجبِهم الوطني المنتظر؛ حتى لا يذهبوا لدراسةِ الفيزياءِ أوْ التقنيةِ أوْ الإدارةِ ثمَّ يعودوا روائيينَ يكتبونَ ما لا ينفع، وقدْ حرصتْ دولُ آسيا أنْ تكونَ مؤئلاً للبعثاتِ التعليميةِ حتى تستغنيَ عنْ بلدانٍ تخالفُ ثقافتَها وسياستَها وتستقطبَ البعثاتِ وقدْ كانَ لها ما أرادت.

ومنْ الجوانبِ المهمَّةِ في مسيرةِ هذه الدُّولِ إصلاحُ الاقتصاد، وتسهيلُ الاستثمار، وحمايةُ المالِ العام، وزيادةُ فرصِ العملِ والإنتاجِ حتى غدتْ سنغافورة وماليزيا منْ أقلِّ دولِ العالمِ في معدَّل البطالة، وارتفعَ دخلُ الفردِ خلالَ أربعينَ عاماً ثلاثينَ ضعفاً في سنغافورة وستةَ عشرَ ضعفاً في كوريا الجنوبيةِ التي كانتْ دولةً فقيرةً تأخذُ المعوناتِ قبلَ أنْ تصيرَ دولةً مانحةً وعضواً في منظمةِ التعاونِ والتنميةِ الاقتصادية، ويعظمُ الأمرُ حينَ نقرأُ أنَّ سنغافورة وكوريا الجنوبية تخلوانِ تماماً منْ المواردِ الطَّبيعيةِ وماليزيا بلدٌ زراعيٌ محدودُ المحاصيل.

كما ارتفعتْ نسبةُ المواطنينَ الحاصلينَ على إسكانٍ حكوميٍ منْ 9 % إلى 82 % في سنغافورة، ولمْ يجدْ المراسلونَ الأجانبَ في سنغافورة فضائحَ فسادٍ كبيرٍ أوْ تصَّرفاتٍ خاطئةٍ خطيرةٍ يوردونَها في تقاريرهم، واحتلتْ هذهِ الدُّولُ المراتبَ الأولى في الشفافيةِ عالميا، فأيُّ خيرٍ عظيمٍ تجنيه البلادُ منْ مواطنٍ يذهبُ لمكتبهِ أوْ متجره أوْ معملهِ وقدْ أمنَ على رزقهِ ونفسهِ واطمأنَّ على المالِ العامِ منْ العوادي؟

وحرصتْ الدُّول الآسيويةُ على الخلاصِ منْ التبعيةِ للأجانب، ولمْ ترضخْ للتدَّخلاتِ الخارجية؛ فرفضتْ سنغافورة وساطةَ الرَّئيسِ كلينتون لمنعِ جلدِ فتىً أمريكيٍ ارتكبَ خطئاً، كما صكَّتْ أسماعَها عنْ الاستهزاءِ الغربي الذي وصفَ سنغافورةَ بأنَّها دولةٌ "مربية" لاهتمامِها بالقيم، ولمْ ينكصْ (مهاتير) عنْ معارضتهِ للعولمةِ معْ إجلابِ الإعلامِ الأمريكي وتوماس فريدمان  –تحديداً- عليه، ولليابانِ موقفُ ثباتٍ لنصرةِ لغتِها وتقاليدِها أمامَ الاستكبارِ الأمريكي.

وممَّا قرأته في تجاربِ هذهِ الدُّولِ حسنُ اختيارِ الرِّجالِ؛ فلا يتولى المناصبَ العاليةَ إلاَّ الأكفاءَ ولا ينصرفُ عنها إلاَّ مَنْ فقدَ الكفاءةَ بخللٍ أوْ وجودِ أفضلَ منه، وقدْ ألمحَ (كوان يو) لذلكَ حينَ قال: بعدَ عدَّةِ سنواتٍ في الحكومة، أدركتُ أنَّني كلمَّا اخترتُ أصحابَ المواهبِ كوزراءَ وإداريينَ ومهنيين، كانتْ سياساتنُا أكثرَ فعاليةً وأكثرَ نجاحاً، لقدْ توَّجبَ علينا أنْ نضعَ ثقتَنا بمسؤولينا وموظفينا الشَّبابِ الذين يتصفونَ  بالاستقامةِ والأمانةِ، والذَّكاءِ والطَّاقة، والدَّافعِ والقدرةِ على التنفيذ.

والحديثُ عنْ القيمِ وثقافةِ المجتمعِ وتقاليده يدحضُ شبهَ الأفَّاكينَ الذينَ يربطونَ النَّجاحَ بنسفِ القيم، فسنغافورة أصرَّتْ على أنْ تكونَ دولةً ترعى السلوكَ الفاضلَ الصَّالحَ في المجتمع، وفي اليابانِ يتجلّى النَّجاحُ الأكبرُ للتجربةِ اليابانيةِ في رفضِ اقتباسِ الثَّقافةِ الغربيةِ التي تقودُ إلى التغريبِ في كلَّ شيء، فنجحتْ حركةُ التحديثِ اليابانيةِ في اقتباسِ تكنولوجيا الغربِ وتوطينِها، واستيعابِها، وتطويرِها دونَ أنْ تغادرَ أصالةَ تقاليدِها الاجتماعية، وقدْ عزا عددٌ منْ الباحثينَ نجاحَ هذهِ التجربةِ إلى خصوصيةِ المجتمعِ الياباني، وفي قومِنا مَنْ يقشَّعرُّ جلدُه إذا قيلَ: لنا خصوصية.

ويعودُ نجاحُ دولِ آسيا إجمالاً إلى امتيازِ الحكم، وانفتاحِ الاقتصاد، وصنعِ البيئةِ المشجِّعةِ للاستثمار، والثقةِ المتبادلةِ بينَ الحكومةِ والشَّعبِ، وطرقِ التعليمِ، والاتصالِ الإيجابي بالآخرين، إضافةً إلى استقلاليةِ مصادرِ المعرفةِ لدى اليابانيين ونقلِ المفيدِ منْ معارفِ الغربِ فقطْ حسبما أكدَّه (فوكوزاوا) أحدُ أبرزِ زعماءِ الإصلاحِ في عصرِ الإمبراطورِ (مايجي). وقدْ اعتمدتْ سنغافورة في تحقيقِ معجزتِها على بناءِ الإنسانِ والمحافظةِ على القيمِ الحضاريةِ والتاريخِ والتقاليدِ ومنْ ثمَّ الانطلاقُ إلى الأخذِ بمقوماتِ بناءِ دولةٍ حديثةٍ لا تعرفُ حدوداً للتَّطور. 

ومعْ استعراضِ الأحلامِ الآسيويةِ التي صارتْ واقعاً نظلُّ نعيشُ في حلمٍ جميلٍ غيرِ مستحيل، بأنْ تتكاتفْ الشُّعوبُ والحكوماتُ لأداءِ الأمانةِ الملقاةِ على عواتقِهم، كما نتمنَّى أنْ نستفيدَ منْ هذهِ التجاربِ بالزِّيارةِ والدِّراسةِ والقراءةِ(1) والابتعاث، فقدْ استقبلتْ سنغافورة أكثرَ منْ عشرينَ ألفِ مسؤولٍ صينيٍ للاطلاعِ على تجربتها، وعسى أنْ يأتيَ يومٌ يكونُ فيهِ الوزراءُ وأكابرُ الموظفينَ منْ خريجي جامعاتِ آسيا الذينَ تجري في دمائِهم العزَّةُ بدينهم وتقاليدِهم ويسيطرُ على تفكيرِهم خدمةُ بلادِهم ومجتمعاتِهم والارتفاعُ بها، ليستقرَّ في وعي العامَّةِ والخاصَّةِ أنَّ التَّطورَ والارتقاءَ يكونُ بأشياءَ وتدابيرَ منها التخطيطُ والانضباطُ؛ وليسَ التخبُّطُ والاختلاط.

...............

(1) يوجد في المكتبة العربية عدة كتب عن دول آسيا لمن شاء الإطلاع.

أحباب القلب خلف القضبان

دمتم بخير وعافية دمتم لدعوتكم فداء ولإخوانكم دواء ولأحبابكم قمرا منيرا وضياء وسماء صافية ولقاء ورفاق وشمس دافئة مشرقة وصفاء وابتسامة تنير الحياة دمتم رفقاء الدنيا والآخرة يا أجمل عطايا السماء نوركم ساطع رغم الجرح والأنين في موطن الصديق يوسف في غيابت الجب خلف قضبان اله

ولادة في غرفة الإعدام

أخي بلا مأوى بلا دار بلا عنوان يتنقل بين الجدران يحيا بين الغربان يفترش الأرض ويلتحف السماء بظلمة الليل وبرد الشتاء ونار الظلم والظلام بفعل اللئام بيننا وبينه جدار عازل، سور فاصل سلاح قاتل، حارس غادر طعام فاتر، ماء غائر سلك شائك، حبل تدلى وضمير تخلى أخي في الزنزانة رهن ا

في ظلال الليل

مطر وبرق ورعد ورياح هوجاء تئن القلوب أرقا وإرهاقا وتعبا تتقلب الأجساد بردا بلا أنيس أو جليس يا دار كوني بردا وسلاما على الحبيب من ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم رغبا ورهبا للعزيز فلا موعد لطعام أو شراب لا موعد لنوم أو يقظة لا موعد لبرد أو دفئ لا موعد لمرض