الطِّفلُ الملِكيُ والقُنصلُ الفرنسي!

التاريخ: الثلاثاء 2 يونيو 2009 الساعة 12:00:00 صباحاً
الطِّفلُ الملِكيُ والقُنصلُ الفرنسي!

الطِّفلُ الملِكيُ والقُنصلُ الفرنسي!

أحمد بن عبد المحسن العسّاف - الرِّياض

خاص ينابيع تربوية

  

كانَ حفرُ قناةِ السويسِ حلماً يراودُ كثيراً منْ الساسةِ والمهندسينَ الأعاجم؛ بيدَ أنَّ هذا الحلمَ يتبدَّدُ معْ رفضِ ملوكِ مصر، وقدْ ظلَّ القنصلُ الفرنسيُ بالقاهرةِ ( فرديناند دوليسِّبْس) شغوفاً بهذا العملِ بحثاً عنْ المجد فلمْ يلْقَ أُذُناً مَلِكيةً صاغية.

وكانَ للملكِ محمَّد علي باشا طفلٌ سمينٌ اسمهُ محمَّد سعيد باشا فأرادَ أبوه إنقاصَ وزنهِ ببرنامجٍ رياضيٍ وغذائيٍ وأوكلَ إلى دوليسِّبْس أمرَ تعليمهِ ركوبَ الخيل، وكانَ الطَّفلُ يأتي إلى دارِ القنصلِ متعباً فيطعمُه سرَّاً أشهى الحلويات، فنشأتْ بينَ الطَّفلِ الملِكي والقنصلِ الفرنسي صداقةٌ قوية.

ولمَّا يئسَ دوليسِّبْس منْ تنفيذِ مشروعِ حياتهِ غادرَ مصرَ إلى بلدانٍ مختلفةٍ وتقلَّبَ في مناصبَ كثيرةٍ حتى أُحيلَ على التقاعدِ فعاشَ في شبهِ عزلةٍ عنْ العالم، وفي ذاتِ يومٍ منْ عامِ (1271=1854م ) بلغَه نبأُ وفاةِ عبَّاس باشا وأنَّ صديقَه الصَّغيرَ- وقدْ صارَ كبيراً- خلفَه في ملكِ مصر! وكانَ الخبرُ سعيداً حيثُ أبرقَ دوليسِّبْس إلى الخديوي الجديدِ مهنئاً ومستأذناً في الزِّيارة، فطلبَ منه الخديوي محمَّد سعيد باشا سرعةَ الحضورِ إلى مصر؛ حيثُ عرضَ فكرةَ حفرِ القناةِ فوافقَ الخديوي ومنحَه امتيازاً لمدَّةِ (99) عاماً([1]).

إنَّ الالتفاتَ إلى الأطفالِ في المجتمعِ المسلمِ والعنايةَ بهم تربوياً ودعوياً يكادُ أنْ يكونَ مهملاً بسببِ الانصرافِ إلى فئةِ الشبابِ والانصبابِ على شؤونهم الخاصَّة، وهذا لمْ يعُدْ مقبولاً بسببِ انفتاحِ المجتمعاتِ الإسلاميةِ لدرجةٍ تجعلُ النَّاشئةَ يشبُّونَ وقدْ تشبَّعوا بفكرةٍ مَّا قدْ تكون هوىً محضاً أوْ انحرافاً خطيراً يصعبُ تقويمه فيما بعد، فليتَ أنَّ طائفةً منْ خيارِ المربينَ تنفرُ لعالمِ الأطفالِ عبرَ خطابٍ مانع جذَّابٍ يُسعدُ الطِّفلَ ويدخلُ البهجةَ إلى نفسهِ الطَّاهرةِ ومعْ البهجةِ فكرةٌ صحيحةٌ وتصَّورٌ سليمٌ وثقافةٌ إيجابية، فالنُّضجُ السريعُ للأطفالِ يحتاجُ إلى مسابقةٍ حتى لا يخطفَ الأفئدةَ والعقولَ مَنْ لا يرقبُ فينا إلاًّ ولا ذِّمَّة.

وقدْ ألَّفَ أبو الحجَّاجِ البلوى الأندلسي (ت 604) كتاباً للأطفالِ بمناسبةِ قدومِ ابنهِ عبدِ الرَّحيمِ على كِبَر، وخصَّصَ أميرُ الشُّعراءِ عدداً منْ قصائدِه للأطفال؛ كما مُنحتْ جائزةُ الملكِ فيصلٍ العالميةِ لثلاثةٍ منْ المبدعينَ في أدبِ الأطفالِ عامَ1411، وبرعَ عددٌ منْ النَّابهينَ في أدبِ الأطفالِ تنظيراً وممارسةً مثل: د. محمَّد بريغش وَ أ.موفَّق سليمة وَ أ.أحمد شبلول. ويحظى الأطفالُ في اليابانِ بعنايةٍ فائقةٍ حيثُ يُوفدُ سنوياً إلى معرضِ فرنكفورت الدَّولي للكتابِ-وهوَ الأكبرُ عالمياً- ثُلَّةٌ منْ المربينَ المهتمينَ بثقافةِ الأطفالِ لاختيارِ أفضلِ كتبِ وقصصِ الأطفالِ لينعمَ الطِّفلُ اليابانيُ بثمراتِ العقولِ وتجاربِ الأممِ التي لا تناقضُ ثقافته. 

ومنْ الأفكارِ المقترحةِ للنُّهوضِ بأطفالِ المسلمين:

1.    إنشاءُ جمعياتٍ لحمايةِ ثقافةِ الطِّفلِ تنحصرُ مهمتُها في منحِ علامةِ الجودةِ التربويةِ للمنتجاتِ الخاصَّةِ بالأطفالِ معْ مقاومةِ نقيضِها. 

2.    إنشاءُ جمعياتٍ لحمايةِ الطِّفلِ قياماً بالواجبِ الشرعي ومزاحمةً للسائرينَ وفقَ الاتفاقياتِ الدَّولية.  

3.    الاستفادةُ منْ التقنيةِ؛ وهذا بحرٌ لا ساحلَ له؛ ومن الأمثلةِ: مواقعُ إلكترونيةٍ تخاطبُ روحَ الطِّفلِ وعقلَه([2])، وصحيفةٌ إلكترونيةٌ للأطفال، ومواقعٌ لألعابِ الذَّكاءِ والمعلوماتِ العامَّة، وكتبٌ إلكترونية، وتفعيلُ القوائمِ البريديةِ.

4.    فتحُ قنواتِ اتِّصالٍ هادفةٍ برسائلِ الجوالِ المسموعةِ والمرئيةِ والمقروءة.

5.    تصميمُ برامجَ تربويةٍ للآباءِ والمعلمينَ تقتصرُ على كيفيةِ التعاملِ معْ الطِّفل.

6.    بناءُ مناهجَ محكَّمةٍ لتدريبِ الأطفالِ على القراءةِ والتفكيرِ والخطابةِ والكتابة.

7.    ربطُ الأطفالِ ذوي الاهتمامِ المشتركِ باتِّحادٍ أوْ تجمعٍ عبر الإنترنتْ معْ الإشرافِ عليه.

8.    الاستثمارُ في نوادي تعليمِ السِّباحةِ والرَّمي وركوبِ الخيلِ؛ فالفروسيةُ تغرسُ في أهلِها المعانيَ الشريفة.

9.    بثُّ قنواتٍ فضائيةٍ ترتقي بالطِّفل.  

10. الاهتمامُ بالترفيه الأسري المفيد؛ والالتفاتُ إلى ما يبعثُ الفرحَ في قلوبِ الصَّغيراتِ.

11. تبنّي فعالياتٍ مناسبةٍ لأبناءِ الكُبراءِ؛ فكلُّ الصَّيدِ في جوفِ الفرا.

12. تعليمُ اللغةِ العربيةِ الفصحى في سنٍّ مبكِّرة؛ والاقتداءُ بتجربةِ د.عبدِالله الدَّنان.

13. بحثُ أحكامِ الطِّفلِ وشؤونِ تربيتهِ في رسائلَ جامعيةٍ ونشرُها.

وإنَّ لنا في رسولِ الله- صلَّى اللهُ عليهِ وسلم- لأسوةٌ حسنةٌ فقدْ أعطى الأطفالَ جزءاً منْ البلاغِ تعليماً وتأديباً ووصيةً ومزاحاً فنبغَ للأمَّةِ منْ أطفالِ ذاكَ العهدِ الميمونِ أعلمَ النَّاسِ وأشجعَهم وأكرمَهم([3])، فهلْ نعي ونقتدي؟